Untitled Document

عدد المشاهدات : 585

الحلم الإسلامي و ليس الحلم العربي

 الحُلم الإسْلامِي

و ليس

الحُلم العَرَبي 

إن اللعبة التي لعبها الاستعمار- باقتدار - قبل أن يرحل بأسلحته و جنوده هي تقطيع الأمة الإسلامية إلى أجزاء، و فرض حدود علي تلك الأجزاء - والتي رسمها بنفسه حسب مصالحه في المنطقة - و استقلال كل جزء علي أساس قُطْرِي و وَطَنِي، و إلحاق تلك الأجزاء ذيولا و أذنابا للاستعمار القديم، و فرض صبغته السياسية و الثقافية عليها،  وشيئا فشيئا أخذ في إضعاف الانتماء إلى الدين في النفوس، ليحل محله الانتماء إلى الوطن، و تم تقديم "الوطن العربي" بديلا عن "الأمة الإسلامية" و أصبح حلم الوحدة العربية هو الوريث الشرعي لحلم التضامن الإسلامي

 و لا نزعم أن الوحدة العربية أمرا يسعد به الاستعمار القديم، بل لا شك أنه أمر يَفْرِقُونَ منه  ويُعْمِلُونَ مكرهم ليل نهار لإفشال أية محاولة لإخراجه من غفوته الطويلة، و لا تزال المكائد تحاك لتمزيق الصف العربي الممزق أصلا، و لازلنا نري العمل بليل يجري بدأب و إصرار وفق خطة تبدو مدروسة بعناية فائقة لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات ، و تقسيم السودان إلى شمال و جنوب ، ثم تقسيم مصر أيضا - في مرحلة تالية - إلى ثلاث دول صغيرة أحدها في الشمال و أخري في الجنوب و ثالثة في القناة وسيناء

 نعم ليس الاستعمار سعيدا بشعارات الوحدة، و لكنها -بالنسبة إليه- أخف ضررا بكثير من الوحدة الإسلامية

 إن الاستعمار عندما قَدَّمَ الوحدة العربية بديلا عن التضامن الإسلامي، استطاع أن يجني ثمارا شهية عديدة، و أن يضرب عدة عصافير بحجر واحد

 فهو أولا شق وحدة الصف الإسلامي عندما قسم الأمة إلى شقين أحدهما عربي إسلامي  والآخر إسلامي فقط، ثم جعل انتماء الجزء الأول إلى عروبته اكبر من انتمائه إلى الاسلام، وانتمائه إلى "الوطن العربي" اكبر من انتمائه إلى "الأمة الإسلامية"، وكان الجزء الأول و هو العربي هو الجزء الأكثر تأثيرا بحكم عوامل شتي أهمها الثروة والتاريخ و الجغرافيا  

 و بهذه الخطوة الأخيرة سلب المسلمون العرب أو العرب المسلمون "طاقة الجهاد" وهي إحدى ثوابت الدين الإسلامي و فريضة من فرائضه، والتي لاقي منها الأَمَرَيِّن خلال تاريخه القديم والحديث،  وأن تحارب عدوا يدافع عن ترابه الوطني ليكون يوما حجرا في نصب تذكاري لا يكاد يذكره أحد، خيرا ألف مرة من أن يكون حاملا راية إحدى الحُسْنَيين النصر أو الشهادة

 

 و لكن كان حسبي بدلا من أن آخذ في هذا الحديث جميعه أن أورد نص إحدى الوثائق الاستعمارية القديمة، و تلك الوثيقة التي أقدمها هي تقرير وزير المستعمرات البريطانية "أورمسي غو" لرئيس حكومته في 9/1/1938 ، يقول التقرير:

          "إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي علي الإمبراطورية أن تحذره و تحاربه

          و ليست إنجلترا وحدها هي التي تلتزم بذلك، بل فرنسا أيضا

          من دواعي فرحنا أن الخلافة الإسلامية زالت، لقد ذهبت و نتمنى أن يكون ذلك إلى غير رجعة

          إن سياستنا تهدف دائما و أبدا إلى منع الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي ويجب أن تبقي هذه السياسة كذلك

   إننا في السودان و نيجيريا و مصر و دول إسلامية أخري شجعنا - و كنا علي صواب - نمو القوميات المحلية، فهي أقل خطرا من الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي

 إن سياستنا الموالية للعرب في الحرب العظمي لم تكن نتيجة متطلبات تكتيكية ضد القوات التركية بل كانت مخططة لغرض أهم هو إبعاد سيطرة الخلافة علي المدينتين المقدستين مكة و المدينة فإن العثمانيين كانوا يمدون سلطانهم اليهما لمعان مهمة

 و من أسباب سعادتنا أن "كمال أتاتورك" لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط، بل أدخل إصلاحات بعيدة الأثر أدت إلي نقض المعالم الإسلامية لتركيا

و في إيران أيضا وقع مثل ذلك فإن "رضا شاه" اتبع سياسة تحد من إرادة ومقدرة  المؤسسات الدينية وأدخل القبعة كما فعل الأتراك بكل ما تحمل القبعة من دلالات علي رفض العادات الإسلامية والتقاليد الموقرة المتبعة من قبل

  و هذه العادات و التقاليد السائدة فيما كان يسمى قديما بالعالم الإسلامي تجب مقاومتها"

 و بعد، فقد شهد شاهد من أهلها، و قد القميص من القبل والدبر معنا، و لسنا في حاجة إلى حديث آخر

*      *      *

         

و لكن إذا كان هذا هو ما أعد له الاستعمار القديم و هو يرسم خرائطه الطموحة عشية سقوط الخلافة العثمانية، كإحدى نتائج الحرب العالمية الأولي ، ومع ظهور بشائر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، فإلي أي حد نجحت خطته تلك، وإلى أي حد انزلقنا نحن في براثن تلك الخطة

          أخذت أتأمل في تفاعل الناس مع بعض الأحداث العامة -إن كان هناك تفاعلا يذكر- فلاحظت -مثلا- أن التأثر باعتداء الطيران الإسرائيلي علي محطة لتوليد الكهرباء في جنوب لبنان أكبر بكثير من التأثر بالجرائم البشعة التي يرتكبها الجيش الروسي في الشيشان، و رأيت الرئيس مبارك يسرع بزيارة "للشقيقة" لبنان لإظهار التضامن مع الشعب اللبناني في كفاحه ضد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب،  وقام بعض شباب الجامعات بمظاهرات احتجاجية و حرقوا العلم الإسرائيلي

          وقلت حسنا أن نغضب للشعب اللبناني و الدولة اللبنانية، و لكن كيف ترجح كفة محطة الكهرباء تلك علي جرائم خنازير الروس ضد الشعب الشيشاني المسلم من إبادة جماعية واغتصاب للنساء و تمثيل بالجثث؟‍‍‍‍!

          و الأمر لا أحسبه يحتاج إلى ضرب كثير من الأمثلة، فالخطاب الإعلامي كله لا يكاد يذكر شيئا عن هويتنا الدينية أو انتمائنا الإسلامي، و تعبير "الأمة الإسلامية" بات عزيزا مستغربا، بل لعلك إذا ذكرت الأمر فستجد القوم ينظرون إليك في اتهام وريبة

          وعندما يأتي شهر رمضان أو العيد فستسمع في المذياع أو تقرأ في الجريدة أن الرئيس فلان قد تبادل التهنئة مع الملوك و الرؤساء العرب، و قلت هل هو عيد للعرب أم للمسلمين ؟! حتى تلك الشعائر التي يذكرنا الله فيها بهويتنا الحقيقية نجد القوم يلتفون حولها؟!

*        *       *

و قد يلفت النظر أن أصح الكتب بعد كتاب الله و هو "صحيح البخاري" يحمل اسم بقعة ليست عربية، أو اسم عالما عظيما لم يكن عربيا و هو "أبو عبد الله البخاري"

          بل إن أئمة الحديث الخمسة الكبار، والذين كان لهم الفضل في حفظ سنة رسول الله  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحديثه لم يكونوا عربا، وهم: البخاري، ومسلم، الترمذي، والنسائي، وأبو داود

بل إن أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد المسلمين بها، ليست دولا عربية، وهي على الترتيب: إندونيسيا، وباكستان، وبنجلادش، والهند، وإيران، وتركيا

والتاريخ يذكر لما أن أبرز قائدين كان لهما الفضل في حماية الأمة من الزوال لم يكونا من أصل عربي،و أحدهما هو "قطز" عندما دحر التتار في "عين جالون" ، والآخر هو "صلاح الدين" عندما تصدي للصليبين و هزم جيوش أوروبا في "حطين" ، و قطز من "تركستان" ، و صلاح الدين كردي الأصل

           و أذكر أنني قرأت يوما أن البطل العربي الناصر صلاح الدين هزم الصليبيين علي شدة بأسهم لأنه وحد العرب، و تبسمت ضاحكا ، فصلاح الدين -كما ذكرت- لم يكن عربيا بل كان كرديا،  وقلت ماذا سنجني حينما نذكر أنه كان عربيا ، و ماذا سنخسر عندما نقول أنه كان كرديا ، ثم ما ضرنا إذا ذكرنا الحقيقة التاريخية الثابتة أنه كان مسلما وحد المسلمين

          إن صلاح الدين عندما قام بمشروعه الوحدوي فإنه لم ينهض به علي أساس توحيد العرب أو الأقطار العربية ، فلم يكن أهل مصر أو الشام يعدون عربا في ذلك الوقت و لم تكن تلك الأقطار تعتبر عربية ، بل كان العرب هم عرب الجزيرة فقط ، و كان مشروع صلاح الدين هو توحيد تلك الأقطار علي أساس أنها أقطار إسلامية

          و رأيت أحدهم يتحدث معلقا علي حرب الخليج الأولي فيذكر أحقاد الفرس علي العرب (‍‍!!) ، و قلت أي فرس و أي عرب ، ما هذا الهبل ؟! ، هل المصريون مثلا يحملون الضغينة لأبناء السعودية لأنهم أصحاب الفتح الإسلامي في العام العشرين من الهجرة ؟! و هل باقي أبناء المملكة يحقدون علي نسل قريش و أهل المدينة ؟!

          و تصفحت إحدى المجلات الدينية المحترمة فلفت نظري عنوان "قيم الوطنية في الهجرة النبوية" ، و قرأت المقال فوجدته موضوع إنشائي طويل و ممل ، و ذُكِرَ قوله  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  و هو في هجرته الشريفة: "والله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلي الله، و لولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت"

[1]

 

          و طويت المجلة الأنيقة في ضجر، و قلت لقد تحدث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  بحديثه بعد أن قَدَمَ بأنها خير أرض الله وأحب أرض الله إلي الله، و ليس لأنها وطنه الأول و مرتع طفولته و صباه،

          و أخذت أنظر في الخطاب القرآني فوجدته يتحدث دائما إلي المؤمنين، و لا يخاطب العرب في أي موضع ، و رصدت قوله تعالي ]يا أيها المؤمنون[ فوجدته تكرر 90 مرة،

          و الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  لم يذكر بدوره العرب و إنما كان حديثه الي المؤمنين والمسلمين،

          عن النُعمان بْن بشيرٍ قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "تري المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم  كمثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تَدَاعَى له سائر جسده بالسَّهَرِ و الحُّمَي"

[2]

 

          و عن النعمان قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "إنما مثل المسلمين كالرجل الواحد إذا وجع منه شيء تداعي له سائر جسده"

[3]

 

          و بحثت في آلاف الأحاديث التي تضمها مجلدات كتب الحديث التسعة من البخاري و حتى الدرامي عن كلمة "عربي" فلم أجد لها موضعا إلا في هذا الحديث:

          عن أبي نضرة حدثني من سمع خطبة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  في وسط أيام التشريق فقال: "أيها الناس ألا إن ربكم واحد و إن اباكم واحد ألا لا فضل لعربي علي أعجمي و لا لعجمي علي عربي و لا لأحمر علي أسود و لا أسود علي أحمر إلا بالتقوي ، أبلغت ؟ " قالوا: بَلَغَ رسول الله صلي الله عليه و سلم[4]

          بل علي العكس كان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  يحاول جهده محاربة النزعات القبلية في نفوس أصحابه ،  وكان يقول "سلمان منا أهل البيت" و معروف أن سلمان -رضى الله عنه-  كان فارسي الأصل،

و كانت أول خطوة في بناء دولته الجديدة -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  عشية هجرته الي يثرب هي مؤاخاته بين المهاجرين و الأنصار، و الأخوة كانت في الإسلام و لم نسمع عن أمر اسمه أخوة في العرب، و النزعة القبلية - والتي اعتاد المؤرخون أن يذكرونها بالنزعة الجاهلية- هي الورقة التي كان يلعب بها المنافقون  ويهود المدينة ، و قد كادوا يفعلونها

          إن عالمية الإسلام بديهية ربما ما كانت تحتاج مني إلي كل هذا الحديث، فهو أمر تعلمناه ربما قبل تعلم الصلاة ، و لكن كيف أصنع و بديهيات كثيرة غائبة عن وعينا أو مُغَيَّبَةٍ عنه

*      *      *

 

          و نفس ذلك الوقت الذي نتحدث فيه عن القومية والعروبة نجد أن الدين هو عمود الخيمة في السياسة الإسرائيلية ، و نجد عدونا يدير المعركة باسم الدين ، و يستخدم البواعث الدينية في تحريك مؤسساته الدينية و العسكرية ، و يستغل مقولة الحق التاريخي في خلق علاقة نفسية بين اليهود القادمين من شتات الأرض و الأرض الفلسطينية

إن الحروب الصليبية جائت قديما لتنقذ أورشليم القدس من أيدي السفاحين المسلمين،  واليهود جاءوا من كل حدب ينسلون إلي "أرض الميعاد" مع بدايات القرن العشرين و حتى الآن تنفيذا لأوامر توراتهم و حاخاماتهم، والذين لا يفتئون يذكرون أنها الأرض التي كتبها الله لأبيهم ابراهيم

وهي تعمل على تسمية المدن بالأسماء التاريخية القديمة المذكورة في التوراة، و لاتزال المحاولات الحثيثة قائمة لتهويد الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل

          والبرلمانيون اليهود نراهم يلقون خطبهم الدينية الحماسية في الكنيسيت و هم يحملون التوراة بأيديهم

و عندما يأتي رئيس أي دولة لزيارة إسرائيل، فإنه يرتدي الطاقية اليهودية الشهيرة قبل أن يقوم بزيارة أماكنهم المقدسة، إرضاءا للشبكة العنكبوتية الصهيونية المعروفة باسم اللوبي الصهيوني

وفي مصر أصرت إسرائيل على أن تكون سفارتها في "الجيزة" حتى تكون علي الضفة الغربية للنيل، وليس في القاهرة حيث الضفة الشرقية، باعتبار أن القاهرة والضفة الشرقية جزء من أرض الميعاد، ولا يجوز أن تكون لها سفرة في دولتها

إن اسم دولة إسرائيل وحده دليل علي صبغتها الدينية ، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي يحمل اسمها اسم أحد أنبيائهم و هو "إسرائيل" أو "يعقوب"  -عليه السلام- ، بل إن رمز الدولة و هو العَلَم ذو النجمة السداسية و الخطين الأزرقين، إنما هو خريطة لأرض الميعاد كما رسمها العهد القديم، من دمشق إلي المدينة، و من الفرات إلي النيل ، و أحد هذين الخطين الأزرقين هو نهر الفرات، و الثاني هو نهر النيل

(  ...... و في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر الي النهر الكبير نهر الفرات) تكوين 15:1-8

و هذا العَلَم يذكرهم و لاشك بالوعد الإلاهي القديم ذو الثلاثة آلاف عام، فلم لا يفيقنا نحن من ذهولنا؟!

*       *       *

 

أما نحن فمنطوين علي أنفسنا، مستغرقين في ذواتنا، محتبسين داخل قضايانا الإقليمية، و إذا تحدثنا تحدثنا عن أصولنا العربية و ليس نسبنا الروحي، و إذا افتخرنا نفتخر بدمائنا و ليس بديننا

جرب أن تسأل أحدهم عن مأساة المسلمين في أوغندا أو الصومال أو أثيوبيا أو اريتريا أو تايلاند أو الهند أو أرمينيا أو بلغاريا أو بروما

كم مسلما يعلم - مثلا - أن الفلبين كانت جزرا إسلامية مائة في المائة، حتى جاء الغزو الصليبي، ووضع عليها اسم الفلبين نسبة إلى "فيليب الثاني" ملك أسبانيا ؟!

وكم مسلما يعلم أن في جمهورية ألبانيا المسلمة أكثر من 90 جمعية تنصيرية، تعمل بدعم مالي كبير لتنصير مسلمي ألبانيا تحت وطأة الفقر والحاجة، رافعة شعار "إخلعوا ثوب الإسلام، نخلع عنكم ثوب الفقر والجهل"

[5]

 

 

وكم مسلما يعلم أن ستة ملايين شخص يواجهون الآن خطر الموت نتيجة الجفاف ونقص المياه في باكستان وأفغانستان

وكم مسلما يعلم أن 250 طفلا عراقيا يموتون في كل يوم بسبب العقوبات التي فرضتها عليهم الولايات المتحدة الأمريكية

يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "من لم يهتم بامر المسلمين فليس منهم" ، فهل نحن مسلمون حقا ؟!

قرأت يوما أن أحد أمراء الخليج سُأِلَ عن الشيشان فلم يدر ما هي الشيشان أصلا ، ولعله حسبها اسم لوجبة فرنسية أو ايطالية جديدة،فأي غفلة و أي فساد لرأس السمكة

أما رمز القومية العربية و هو الرئيس المصري "جمال عبد الناصر" -رحمه الله- فقد شغله المجد الشخصي علي ما يبدو حتي كانت الهزيمة المنكرة

و آخر مؤمن بالقومية العربية هو العقيد "معمر القذافي" -رحمه الله-  و أذكر أنه في عام 1991 م قاد بولدوزر بنفسه في مظاهرة شعبية و رسمية ليهدم البوابة الحديدية التي تفصل بين مصر وليبيا ، و قال أن تلك الحدود قد أقامها الاستعمار الإيطالي ليقطع الإمدادات التي كانت تصل إلي "عمر المختار" من مصر، و لم ينتبه الأخ العقيد و هو يقوم بحركاته المسرحية أن شعارات القومية التي يتبناها هي الأخرى من صنع الاستعمار ، ثم كفر أخيرا بشعارات القومية ، و بدلا من أن يعود إلي ما قبل تلك الشعارات التي لم تصنع شيئا، أخذ يرنو ببصره و أحلامه إلي القارة السمراء !!

و في عام 1996م تحدث الرئيس التونسي "الحبيب بورقيبه" -رحمه الله- عن الفرنسة  والتغريب و قال أن الغرب هو الأقرب جغرافيا لتونس من الدول العربية !! ، و قامت المظاهرات ضد الحبيب بورقيبه من المحيط إلي الخليج، و منذ ذلك الوقت والرؤساء والملوك والأمراء العرب لا يجاهرون بكفرهم بالعروبة، و انعقاد القمة لا يكون إلا لأغراض الاستهلاك الشعبي، ثم تنفض القمة كما اجتمعت أو ربما تسفر عن تعميق بعض الخلافات ، و أصبحت توصيات القمة و تنديداتها مثار سخرية العرب أنفسهم قبل أن تكون مثار سخرية أعدائهم

ورأينا في بعض العقود السابقة كيانات أصغر حجما، فظهرت في الستينيات "الجمهورية العربية المتحدة" لتوحد بين مصر و سوريا و ليبيا ، ثم " مجلس التعاون الخليجي" في الثمانينات لتجمع بين الدول الخليجية والسعودية ، و أخيرا "الإتحاد المغاربي" بين ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب ، و هي لاتزال جميعها كيانات علي أساس إقليمي، و كلمة الإسلام لا تُذْكَرُ في خطابها الإعلامي و لا في أدبياتها المنشورة، فهم لا يريدون أن يكون لتلك الكيانات شأن بالإسلام ولا أن يكون للإسلام شأن بها

و نحن لم و لن نصنع شيئا فرادي و لا بتلك الكيانات الفاشلة ولا بالوحدة العربية التي كان نصيبنا منها أوبريت غنائي

 

و قد يقول قائل إذا كنا لم نستطع أن نتوحد عربيا فهل تحسب أننا  سننجح في تحقيق وحدة إسلامية ؟!

و الأمر لا تكون حساباته علي هذا النحو ، فقد تفشل دولتان في تحقيق الوحدة بينما تنجح عشرة دول، و المعيار دائما في بواعث تلك الوحدة ، فكلما كانت تلك البواعث قوية كلما كان الإتحاد صلبا

*      *      *

 

إن الجماعة شعيرة إسلامية ، و لم يعد غريبا أن نري غيرنا و هم ينهضون بشعائرنا بينما نحن نكتفي بالفرجة و الخطب المنبرية

لقد أصبح خيار التكتل الاقتصادي ضرورة لا تقبل التأجيل، و قد أُطْلِقَ علي عصرنا هذا "عصر التكتلات" و لم يعد هناك مكانا للكيانات الفردية الهزيلة،

ففي أوروبا ظهر "الإتحاد الأوروبي" ، وفي أمريكا الشمالية منظمة "النافتا" والتي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، و "مااركسيو" في أمريكا الجنوبية، و "الآسيان" في جنوب شرق آسيا

 

أما التكتل الذي نطمح نحن إليه فهو وحدة إسلامية اقتصادية، فالاقتصاد هو عصب الحياة الآن، والقوة أصبحت قوة المال، و الاستعمار أصبح استعمارا اقتصاديا، و كذلك الوحدة أصبحت وحدة اقتصادية

 

إن "الخلافة" التي لا تزال ترهب الغرب يمكن أن تعود و لكن في زى عصري وبوجه آخر

 

و أولي خطوات هذا الإتحاد هو استبدال الحلم الإسلامي بالحلم العربي ، وأن نلغي كلمات مثل القومية و الوطنية و العروبة من خطابنا الإعلامي و الشعبي ، وأن يُسْتَعْلَنُ الولاء و الانتماء إلي الإسلام وحده

 

ان مثل تلك الخطوة الأولي من شأنها أن تفجر طاقات لا يمكن تصورها ، ان التاريخ يتحدث بذلك فما بالكم و المسلمون مهيئون الآن أكثر من أي وقت مضي لصحوة كبري يحمون بها كيانهم  ويستبقون بها أنفسهم

 

إننا نتطلع الي إنشاء منظمة إسلامية لها هيبتها و آلياتها تقوم بدراسة و تفعيل نوع من الاتحاد الاقتصادي و عمل جدول زمني لتطوير هذا الإتحاد و حتى يصل إلي ما وصلت إليه دول الاتحاد الأوروبي باعتبارها أنجح التكتلات وأكثرها نضجا

 

و أولي خطوات هذا الاتحاد - بعد تمهيد الأرضية الاقتصادية والسياسية -  هو إنشاء منطقة تجارة حرة ، حيث تُلْغَي الرسوم الجمركية علي التجارة بين الدول الإسلامية ، ثم إنشاء اتحاد جمركي ، حيث توحد التعريفة الجمركية في مواجهة الخارج ، ثم إنشاء سوق إسلامية مشتركة ، حيث تلغي جميع القيود علي انتقال عوامل الإنتاج بين الدول الإسلامية من يد عاملة و مواد أولية و رؤوس الأموال ، و أخيرا الاندماج الكامل أو الوحدة الكاملة و التي تشمل تنسيق السياسات الاقتصادية ، و إقامة المشروعات المشتركة ، و الأبحاث العلمية المشتركة

 

 

 

 

*      *      *

 

 

 

 

عن أبي هريرة -رضى الله عنه-  عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  قال: "ان الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة سنة من يُجَدِّدُ لها دينها"

 

 

 

[6]

 

 

 

          و ليس شرطا أن يكون مجدد الدين هذا فردا ، فقد يكون عدة أفراد ، أو لعلها تكون تلك المنظمة التي تحدثنا عنها

 

 

 

 


[1] رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد الدامي

[2] رواه البخاري ومسلم وأحمد

[3] رواه أحمد

[4] رواه أحمد

[5] تقع ألبانيا في جنوب شرق أوروبا، ويبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة، منهم 86% مسلمون، وقد ذَكَرَ تقرير البنك الدولي أن مستوى المعيشة في ألبانيا هو أدنى مستوى بين دول أوروبا0

[6] رواه أبو داودالحُلم الإسْلامِي