Untitled Document

عدد المشاهدات : 575

المذهب الجديد
المذهب الجديد

مر الفقه الإسلامي بأطوارا متعددة، يتداخل بعضها في بعض، بحيث لا نستطيع أن نميزها من حيث الزمن تمييزا دقيقا، و قد كان كل طور من تلك الأطوار يؤثر في الطور الذي يأتي بعده، و قد عُرِفَ هذا الموضوع في المكتبة العربية بـ "تاريخ التشريع الإسلامي" و قد أُفْرِدَت فيه بعض المؤلفات،  وتلك نُبْذِة مختصرة عن هذا التاريخ:

الطور الأول: عصر النبوة

واعتمد التشريع في هذا العصر كل الاعتماد على الوحى، سواء كان هذا الوحى مباشرا عن طريق القرآن الكريم، أو عن طريق إقراره تعالى لإجتهاد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو إجتهاد الصحابة  -رضى الله عنهم-

و قد مكث الرسول  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يبلغ الرسالة ثلاثة و عشرون عاما، منها ثلاثة عشر بمكة، عُنِيَّ فيها بتثبيت العقيدة و الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وعشرة بالمدينة حيث كانت الغَلَبَةُ للتشريعات العملية

و لم يدون في هذا العصر إلا القرآن الكريم، حيث نهي الرسول  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عن تدوين غيره، خشية أن يختلط كلام الله بكلامه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، و لكنه مع ذلك أذن لبعض الصحابة أن يدونوا أحاديثه الشريفة، كعبد الله بن عمرو بن العاص  -رضى الله عنه- و الذي كتب ما سمعه عن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- و سمي صحيفته بـ "الصادقة"

 

الطور الثاني: عصر الصحابة

كثرت في هذا العصر الفتوحات، و ازداد اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمــم، والتي لها أعراف و عادات لم تكن معروفة عن العرب، و من ثم كان لابد من معرفة الحكم في تلك المسائل الجديدة

و قد ظهر في هذا العصر مصدر ثالث للتشريع بعد الكتاب و السنة و هو "الإجماع"، فكان إذا جد أمر يستدعي الخليفة من عُرِفُوا بالتفقه في الدين - وكانوا معروفين و محصورين فيما بينهم- فيعرض عليهم الأمر، فإن اتفقوا علي رأي كان ذلك إجماعا ملزما[1] و قد اشتهر بالفتيا في ذلك الوقت علي بن أبي طالب، و عائشة، و زيد بن ثابت، و عبد الله بن عمر، و عبد الله بن مسعود، و عبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل وغيرهم –رضى الله عنهم-

و لم يدون في هذا العصر إلا القرآن الكريم أيضا، إلا أن البعض كان يدون بعض الأمور لنفسه لتكون تذكرة له

 

الطور الثالث: طور التابعين

و قد تميز هذا العصر بوجود مدرستين أحدهما بالحجاز و الأخرى بالعراق، فأما مدرسة الحجاز فكانت تعتمد علي نصوص الكتاب و السنة و لا تأخذ بالرأي إلا نادرا، وذلك لوفرة رواة الحديث هناك، إذ هو موطن الرسالة و فيه نشأ المهاجرون و الأنصار، ولذلك كانت سلسلة الرواة عندهم قصيرة، إذ لم يكن يتجاوز التابعي في تحديثه عن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أكثر من راو واحد و هو الصحابي غالبا، و كان يتزعم هذه المدرسة في المدينة أولا "عبد الله بن عمر" -رضى الله عنه-و من بعده "سعيد بن المسيب"، و في مكة كان "عبد الله بن عباس"-رضى الله عنه- ثم "عكرمة" مولاه، و "ابن جريح"

أما المدرسة الأخرى بالعراق فكانت تلجأ كثيرا إلي الرأي، و هو ما عرف بـ "القياس  الأصولي"[2] ، و كان السبب في ظهور تلك المدرسة بالعراق، هو أن العراق يومئذٍ كان موطن الفتن، فكان منهم الشعوبيون و الملاحدة و الرافضة و الخوارج و غيرهم، لذلك حرص الرواة علي التحري في الرواية و التدقيق فيها و وضعوا لها شروطا لم يلتزم بها أهل الحجاز، و من ثم تعددت المسائل التي ليس لها دليل من السنة الثابتة ثبوتا لاشك فيه، فكان لابد من الاعتماد علي الرأي في تلك المسائل، و كان زعيم تلك المدرسة "عبد الله بن مسعود" -رضى الله عنه-ثم "علقمة النخعي"، "و إبراهيم النخعي"

و كان أهل الفقه في هذا الوقت يراسل بعضهم بعضا و يناظر بعضهم بعضا، ولم يدون في هذا العصر أيضا إلا القرآن الكريم، إلا النذر اليسير كما كان في طور الصحابة

 

الطور الرابع: طور تابعي التابعين

و يبدأ هذا الطور مع أوائل القرن الثاني الهجري، و قد بُدِّئَ فيه بتدوين السنة  وفتاوى الصحابة و التابعين، و ذلك بأمر من أمير المؤمنين "عمر بن عبد العزيز" عندما خشي أن يضيع هذا التراث الفقهي، و بعد أن زالت العلة التي خُشِّيَ معها أن يختلط القرآن بغيره، فقد أصبح حفظة القرآن بالآلاف و لا يكاد يوجد بيت مسلم إلا و فيه مصحف

 

الطور الخامس: طور الأئمة العظام

و يبدأ هذا الطور منذ أواخر عهد الأمويين الي نهاية القرن الرابع الهجري، و قد شهدت الدولة الإسلامية في هذا العصر نهضة شاملة في جميع فروع العلم، و قد ظهرت في هذا العصر المذاهب الفقهية المختلفة

 

الطور السادس: طور السكون

و هو يبدأ منذ بداية القرن الخامس الهجري و حتى الآن، و قد تميز هذا الطور بالأخذ من المذاهب الفقهية الأربعة، و تفسيرات المفسرين للقرآن، و ما أقامه المحدثون من علوم الرواية و الدراية  والجرح و التعديل كنصوص مقدسة و مسلمات لا نقاش فيها و لا تعقيب عليها، و ظهرت آلاف الكتابات الإسلامية، و لكنها كانت جميعا داخل هذا الإطار السلفي و لم تجرؤ علي الخروج عنه

 

تلك كانت نُبْذَة شديدة الاختصار لما عُرِف َبـ"تاريخ التشريع الإسلامي"، وقد اخترت أن أبدأ حديثي بهذا العرض حتى نري ذلك الفرق الكبير بين الأطوار الخمسة الأولي المشرقة، و بين هذا الطور الأخير بجهله و كسله و بلادته، و هو الطور الذي لا نزال نعيش في غياهبه منذ أكثر من ألف عام

*        *        *

لقد نظرت في أحد كتب الفتاوى الحديثة، فوجدت مسائل كثيرة عن الهندسة الوراثية و أطفال الأنابيب و معاملات البنوك، و أسئلة أخري عن التدخين و التمثيل والدروز و اللوتاري و غيرها،  وهي كلها مسائل لم يرد لها ذكر في كتب الفقه القديمة، و لم تتعرض لها المذاهب الفقهية المعروفة لأنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت

و قرأت الإجابات عن تلك الأسئلة فكان واضحا أن صاحبها قد قرأ كثيرا وبحث و درس حتى جاءت إجاباته معقولة تماما و منطقية، و هذا يعني أنه لا يزال هناك من يملك أدوات الاجتهاد  وعنده القدرة علي إخراج الحكم الديني

ثم نظرت في نفس المؤلف إلى باقي الأسئلة، و كانت من النوع التقليدي، مثل محذورات الإحرام و زكاة التجارة و إمامة القاعد و دخول الكنائس و زيارة الأضرحة وعطر  المرأة ، الخ فوجدت إجابات تقليدية أيضا، فهي تذكر أقوال الأئمة الأربعة وتلاميذهم و آراء بعض الفقهاء دون أية إضافة لتلك الآراء أو حتى تعليقا عليها، أو ترجيحا لرأي دون الآخر

و هذا هو النهج الذي يبدوا أن جميع علمائنا المتأخرين ملتزمون به، فهم يجتهدون الرأي فقط في المسائل الحديثة و التي لم تكن موجودة في عصور أئمة الفقه، أما تلك المسائل الموجودة في كتب الفقه القديمة، فإنهم لا يقتربون منها إلا بقدر نقل ما جاء في تلك الكتب، أي أنهم يتعاملون مع التراث الفقهي كما كان العلماء المتقدمون يتعاملون مع نصوص الكتاب  والسنة (!!)

 

و أذكر أنني قرأت مرة لأحد الأساتذة بجامعة الأزهر يحمل درجة الدكتوراه، يقول "إن المقولة التي نسمعها الآن و هي أن الأولون كانوا رجالا اجتهدوا و نحن رجال يجب أن نجتهد مقولة خاطئة، لأن هؤلاء الرجال الأوائل حبسوا أنفسهم علي العلم لوجه الله فخرجوا لنا بأحكام مازلنا إلى الآن نعمل بها"[3]

و قلت في نفسي ما الخطأ في أن الأوائل اجتهدوا و أننا يمكن أن نجتهد، ثم أية علة تلك حين يَذْكُر أن هؤلاء حبسوا أنفسهم علي العلم، مع أن المتحدث أستاذا جامعيا المفروض أنه حبس نفسه للعلم أيضا (!)

*       *       *

و لا أعلم ما هذه الحالة من "التضاؤل" و "الدونية" التي تصيب علمائنا في مواجهة الأئمة المتقدمين

إنني أعلم أن هؤلاء الأئمة لم يتركوا شاردة و لا واردة إلا و تكلموا فيها، بل لعلهم ذكروا مسائل افتراضية قد تمر القرون قبل أن تقع، أو أن هناك استحالة لوقوعها، و أعلم أيضا أنهم كانوا يتمتعون بمواهب فذة في الحفظ و الذكاء، و أنهم كانوا من التقوى بحيث يتحرون الدقة في كل كلمة ينطقون بها، و لست أُقَدِمُ بهذا دفاعا عن نفسي إذا اِتهمت بسوء الأدب مع هؤلاء العلماء، و لكم هذا ما أؤمن به فعلا

و مع ذلك فإن هذا لا يعني بأي حال العصمة لأي منهم، فالعصمة ليست إلا للأنبياء فقط،  وكل شخص آخر يؤخذ من حديثه و يرد سواء كان صحابيا أو تابعيا أو عالما جليلا أو فقيها عظيما

و عندما جاء الأمام الشافعي إلى مصر عكف علي فقه أبي حنيفة و شيخه مالك يمحصهما، و انتهى من دراسته إلى نقد الإمامين، بل نشر كتابا عن خلافه مع مالك في الأصول و الفروع،

و لو كان الشافعي فاقدا الثقة في نفسه، و توقف علي الأخذ من المذاهب الفقهية الموجودة في ذلك الوقت لما كانت هذه الإضافات العظيمة التي قدمها للفكر الإسلامي وللمكتبة الفقهية،

لقد استوقفني حديث الرسول  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مسند الإمام أحمد، أن أبو عبيدة بن الجـراح -رضى الله عنه- قال: يا رسول الله، هل أحد خير منا ؟ أسلمنا معك و جاهدنا معك ، قال "نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي و لم يروني"،

وفي مسند أحمد أيضا عن أبي أمامة  -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "طوبى[4] لمن رآني و آمن بي، و طوبى سبع مرات لمن لم يرني و آمن بي"

فإذا كان من الممكن أن يكون رجلا تقيا في هذا العصر أفضل من أحد الصحابة أو بعضهم، فإن ذلك يعني أيضا أنه من الممكن جدا أن يكون أحد علماء هذا العصر أفضل من الأئمة المتقدمين،  ومهما كان هؤلاء الأئمة أذكياء و أتقياء

إن العكوف علي الماضي يخالف روح الإسلام، كما أن التغزل في الأسلاف وجعل الشحاذة منهم حرفة، مرض نفسي تبرر به النفس سلبيتها و عجزها عن العمل والإبداع

*       *       *

و مما يزيد من مسئولية علمائنا و حجم تقصيرهم هو أن فرصتهم الآن في الخلق والإبداع  واستنباط الأحكام أفضل ألف مرة من فرصة العلماء في الأطوار الأولي المشرقة، و قد تهيأ لهم الآن من وسائل البحث و التمحيص مالم يتهيأ للسابقين

فقديما -مثلا- كان الفقيه يظل في سفره شهورا عديدة حتى يحقق حديثا واحدا، ثم يبني حكمه علي هذا الحديث، و قد يكون هناك حديثا آخر لو كان قد سمعه فلعله كان سيغير حكمه

و هذا هو ما حدث مع الشافعي عندما كان له مذهبا قديما بالعراق، و عندما جاء إلى مصر اطلع علي أحاديث و آراء جديدة جعلته يعيد النظر في كل ما كتبه من قبل، حتى أنه أحرق بعض كتبه و أعاد كتابة مؤلفه "الرسالة" ثم وضع أشهر كتبه "الأم"[5]

أما الآن فإن الأمر لا يتطلب كل هذا الجهد و كل تلك المشقة، فقد أصبح للحديث علما مستقلا له أصوله الثابتة، و أصبح أي باحث يستطيع أن ينظر إلى الأحاديث و هي محققة بطريقة علمية، و محدد بدقة مدي صحة كل حديث، و أصبح هناك عدد لا نهائي من كتب التفسير للقرآن،  ومؤلفات عن أسباب نزول الآيات والناسخ و المنسوخ و العام  والخاص و المطلق و المقيد، و هناك مؤلفات في أصول الفقه، و ما انتهى إليه كل فقيه، و ما استند إليه في أحكامه

ثم ظهر الكمبيوتر و أصبح ممكنا تخزين 150 ألف صفحة علي سنتيمتر واحد،  وظهرت البرامج الإسلامية و التي جعلت البحث أكثر دقة و سرعة

فيستطيع -مثلا- أي عالم الآن أن يكون بين يديه قرص مدمج CD ثمنه عشرة جنيهات يحتوي علي مجلدات كتب الحديث التسعة من صحيح البخاري حتى سنن الدرامي، و يستطيع أن يبحث في هذه الموسوعة الضخمة عن طريق أية كلمة أو مفردات، أو أن يبحث عن طريق موضوع معين، أو عن طريق الرواة بالاسم أو الكنية أو اللقب أو النسب أو الشهرة، و عندما يصل إلي الحديث أو الأحاديث التي يبحث عنها فإنه يستطيع أن يعرف معاني كلمات هذا الحديث و أن يعرف مكرراته ورواته، و أن يعرف ترجمة لكل راوية  وشيوخه و تلامذته و رتبته

و يمكن لأي عالم الآن أيضا أن يكون بين يديه قرص مدمج آخر يحتوي علي برنامجا للقرآن الكريم فيه أحكام التلاوة، و صفات و مخارج الحروف، و إعراب القرآن، ومعاني الكلمات، و أسباب النزول، وعشرات التفسيرات، و الكثير من طرق البحث تحت كل تلك المدخلات

ثم كان الإنترنت و ما أحدثه من ثورة في الاتصالات، فيستطيع عالما من الفليبين مثلا أن يرسل إلي عالما آخر في نيجيريا يسأله رأيه في أحد الأمور عن طريق البريد الإلكتروني فتصله الرسالة في بضع ثوان

و يستطيع بعض العلماء أحدهم من الهند و الآخر من مكة و ثالثا من المغرب ورابعا من الولايات المتحدة و خامسا من جنوب أفريقيا أن يجتمعوا يوميا في أحد غرف المحادثة فيتناظرون  ويتبادلون الآراء و كل منهم جالسا في بيته يحتسي الشاي

و لكن، و برغم كل تلك الإمكانات الهائلة في البحث و الاتصال، فلا يزال علمائنا يتحركون داخل الإطار السلفي القديم، و أكثرهم اجتهادا و مرونة يبذل كل طاقته في أن يوسع هذا الإطار،  ولكن دون أن يجرؤ علي تخطيه أو تجاوزه

*       *      *

لقد بذل بعض علمائنا جهودا جبارة في محاولة تبسيط الفقه و تقديمه في صورة سائغة،  وأبرز تلك المحاولات تجدها في مؤلفات الشيخ "محمد أبو زهرة" و الشيخ "خلاف" و الشيخ "سيد سابق" -رحمهم الله-

و لكن جرب أن تنظر في أي من تلك المؤلفات المبسطة تبسيطا شديدا علي أي مسألة

ستجد في المسألة الواحدة رأي الشافعي و ابن حنبل و مالك و أبو حنيفة، ثم قول بعض الشافعية، و رأي أحد تلامذة أبو حنيفة، و رواية ثانية عن مالك، و أخري ثالثة لمالك أيضا، ثم مذهب أهل الظاهر و مذهب الحسن البصري، و ما ذهب إليه ابن عمر وابن عباس و ابن المنذر و أبو داود  وطاووس، ثم ربما تعليقا للنووي وآخر لابن تيميه وابن القيم و ابن المبارك

ما كل هذا ؟! ما الذي جعل علمائنا يحشدون كل تلك الآراء، لقد كان بين أيديهم كل الأحاديث التي تتحدث عن كل مسألة، و اصبح معلوما مدي صحة كل حديث من تلك الأحاديث، بل كان بين أيديهم ما استند إليه كل فقيه من الفقهاء،  وبعض ما استند إليه هؤلاء الفقهاء ضعيف  لا يعتد به، و لو كان هذا الفقيه يعلم ضعفه في ذلك الوقت، أو كان قد اتصل بعلمه حديث آخر أكثر منه قوة وصحة لما ذهب إلى ما ذهب اليه، فما الذي يجبرنا الآن علي ذِكْرِ هذا الرأي الضعيف لهذا الفقيه ؟! هل مجرد ذِكر أن هذا هو رأي أبو حنيفة مثلا فإن ذلك يضفي علي هذا الرأي قداسة فلا يجوز حتى تجاوزه و عدم ذكره ؟!

 

إن ذلك قد يكون مقبولا من وعاظ المساجد و خطبائها، فهؤلاء يمكن أن يكتفوا فقط بمعرفة آراء الفقهاء و يحفظونها عن ظهر قلب ثم يرددونها كلما سألهم سائل

و لكن مثل هذا لا يكون مقبولا أبدا من شيخ الأزهر مثلا، أو مفتي الجمهورية، أو أساتذة جامعة الأزهر، أو علماء بوزن د0 سيد القرضاوي، أو الشيخ عطية صقر، فإن هؤلاء لابد أن يكونون ممتلكين لأدوات الاجتهاد[6]، و أن يكون لهم  فكرهم الخاص، فإذا تعرض أحدهم لأي مسألة، فإن رأيه يكون واضحا قاطعا، محددا فيه الحلال و الحرام، و ما الذي استند إليه في رأيه من قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس، الخ

فإذا جاءه أحدهم و قال له "و لكن مالكا -مثلا- قال غير ذلك،" فإنه يرد عليه بثقة "نعم، مالكا -رحمه الله- قال كذا و كذا، و لكني أخالفه في الرأي، لأن الإمام مالك استند إلى حديث كذا و هو حديث ضعيف، و أنا استند إلى حديث كذا و هو حديث صحيح و رواته ثقاة"

*       *       *

و ليس معني هذا أبدا هو أن نهمل تراثنا الفكري الإسلامي، أو أن ننظر إلى كتب السلف بترفع أو بريبة، فالمكتبة الإسلامية هي أوسع المكتبات العربية، و من الحماقة أن نتجاهل تلك الكنوز الفكرية العظيمة و أن نبدأ من الصفر

و لكن المطلوب هو أن نأخذ من الأئمة الكبار و المدارس المختلفة ما شاء لنا أن نأخذ، و أن نترك أيضا ما شاء لنا أن نترك، و أن نتخلص من تلك النظرة المقدسة إلى ما كتبه السلف، و أن نترك التعصب للأشخاص و المذاهب

و مطلوب أيضا أن نستعيد الثقة في أنفسنا، و أن نعلم أن فرصتنا في استنباط الأحكام أفضل كثيرا ممن سبقونا، و أنه ليس هناك ما يمنع من ظهور عالما أو أكثر أفضل من أبو حنيفة وابن حنبل

*       *       *

و بعد ألسنا في حاجة بعد كل تلك الأعوام من الخمول و الكسل و البلادة إلى مذهب جديد؟!

 قد يعود أحدهم إلى القول بأننا لسنا في حاجة الي مثل هذا المذهب لأن من سبقونا "لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا و قتلوها بحثا"، و لكن ما الذي حدا بالشافعي مثلا أن يضع مذهبه بالرغم من أن أستاذه مالك كان له مذهبا فتيا لم يترك شاردة ولا واردة إلا و قد تحدث فيها، و ما الذي جعل مالك يضع مذهبه بعد أبو حنيفة، أو ما الذي جعل أحمد بن حنبل يضيف مذهبا جديدا بعد أبو حنيفة و الشافعي و مالك، ولماذا جاء ابن حزم بعدهم فوضع مذهبه الظاهري في الأندلس

 

لقد سألت يوما الشيخ "عطية صقر" عن مقولة "اختلاف العلماء رحمة" فقال لي أن لفظ الحديث "اختلاف أصحابي لكم رحمة" و إسناده ضعيف، و هناك لفظ آخر "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" و هو أيضا ضعيف و قيل موضوع

وقلت له علي أي حال أنا أري اختلاف العلماء "يشوش" و ليس رحمة، و إذا اطمئن قلبك إلى أحد الآراء تجد من يذكر لك "سد الذرائع" و "اتقاء الشبهات"،  وسينتهي الأمر إلى انك لن تستطيع حتى أن تشرب كوبا من الماء

لقد أحسنت المؤسسة الدينية الرسمية في مصر عندما قامت بإلغاء لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، فمن غير المنطقي أن تكون هناك ثلاثة مرجعيات دينية رسمية في البلد الواحد و هي مشيخة الأزهر و دار الإفتاء و لجنة الفتوي، و لكن بعد هذا الإلغاء ظلت هناك مؤسستين، و أحيانا تتعارض الفتاوى بين الجهتين مما يربك المسلمين ليس في مصر وحدها و لكن في غيرها من الدول

 

و سأضرب مثالا علي ما يحدثه اختلاف العلماء من إرباك و تشويش و إهدار للوقت والجهد، و هو مسألة معاملات البنوك التجارية، فهناك بعض العلماء يعتبرها ربا محرما، و البعض الآخر لا يراها كذلك، و كل فريق يضم مجموعة محترمة من العلماء، والمسلم الحريص علي دينه ينصت إلى كل هذا الزخم من الآراء المتناقضة ثم يجد نفسه في حيرة بالغة و لا يكاد يركن إلى رأي يطمئن اليه، فهل البحث في الأسانيد الشرعية لعشرات الآراء  هو دور آحاد المسلمين

و إذا كان الأمر كذلك في كل حركة من حركات الحياة فإن علي المسلمين أن يتركوا ما فرضه الله عليهم من العمل  وإعمار الأرض، وأن يقضوا حياتهم باحثين عن الحلال و الحرام في كل أمر من أمورهم

فهل يجب يا علماء المسلمين علي الطبيب -مثلا- أن يترك مرضاه، و العالم أن يترك معمله، والفلاح أن يترك حقله، و الصانع أن يترك مصنعه، ثم يذهبون جميعا للبحث في كتب الفقه ؟

 

إنني أشعر بالإشفاق في كل عام عشية شهر رمضان و أنا أري ملايين المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها يتطلعون في رجاء الي أن يجتمعوا علي الصيام و الإفطار في يوم واحد، و برغم تأكيد العلماء في كل عام بأن الاختلاف في ذلك الأمر لا شيء فيه، إلا أن هذه الرغبة لا تزال تتجدد في كل عام

و كم هو مخزي أن نجد في كل قطر إسلامي أحكام مختلفة و قوانين متباينة بالرغم من أن شريعة واحدة هي التي يجب أن نلتزم بها جميعا

 

أما الحلم الطموح فهو ظهور مذهبا جديدا، يكون خلاصة تراثنا الفقهي العظيم،  ويأخذ من الثقافات و المعارف الجديدة، و يستفيد من تقنيات العصر الحديثة

و الأفضل ألا ينهض بهذا المذهب الجديد شخصا واحدا، و إنما تكون هيئة علمية تضم مجموعة من كبار العلماء الثقاة المشهود لهم بالعلم و الثقافة و فهم الواقع، و يكونون ممثلين لأغلب الأقطار الإسلامية، و بشرط ألا يعتبر أحدهم نفسه ممثلا لمذهب معين، أو مدرسة خاصة، أو أن يكون متعصبا لشخص ما

و بذلك يتناولون جميع المسائل بالبحث و الدراسة، و يتحاورون فيما بينهم حتى يجتمعون علي رأي واحد في كل الأمور، و أن يكون هناك نظام خاص للتصويت متفق عليه عند اختلاف الآراء

و أن يكون هناك أيضا اجتماعا دوريا لتلك الهيئة تنظر إلى ما يستجد من أمور  ومسائل،  ويمكن أن يكون هذا الاجتماع أسبوعيا أو حتى يوميا عن طريق شبكة الإنترنت

 

و بهذه الطريقة يكون بين أيدينا مذهبا جديدا و متجددا، أقرب لروح العصر،  ومنقحا من جميع الأخطاء التي يمكن أن تكون قد وقعت فيها المذاهب السابقة

و بذلك تجتمع الأمة لأول مرة منذ عهد الرسول  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعهدي أبي بكر و عمر علي رأي واحد و شريعة واحدة

 
 
 

[1]  و ذلك مثل إجماعهم علي توريث الجدة إذا انفردت، و إجماعهم علي حرمة تزويج المسلمة للكتابي، مع حل تزويج المسلم للكتابية إلي غير ذلك

[2]  القياس الأصولي هو إلحاق مسألة لا نص فيها بمسألة فيها نص شرعي لعلة جامعة بينهما

[3]  الدكتور/ حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر - جريدة "صوت الأزهر" العدد 32 بتاريخ 5 مايو 2000

[4]  طوبى: اسم للجنة، و قيل اسم لشجرة فيها

[5]  فماذا لو لم يكن الشافعي قد جاء إلى مصر، و كم خطئا كان سيكون في مذهبه لو لم تكن عنده تلك الشجاعة لنقد ذاته و تصويب أخطائه ؟

[6] أي ملمين بعلوم القرآن و الحديث و أصول الفقه و اللغة العربية، و أن يكون عندهم القدرة علي ربط تلك العلوم بعضها ببعض، وربطها بالأحكام الشرعية0