Untitled Document

عدد المشاهدات : 212

الحلقة (49) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (55) و(56) من سورة البقرة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَ

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة التاسعة والأربعون
تدبر الآية (55) و(56) من سورة البقرة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

 وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56))
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

قلنا أن موسى ذهب للقاء الله تعالى في جبل الطور، وتلقي موسى من الله تعالى التوراة، ولكن عندما عاد موسى الى "بنى اسرائيل" وجد أنهم قد عبدوا العجل من دون الله تعالى، وكان حكم الله تعالى حتى يتوبوا عن هذا الذنب العظيم، هو أن يقتل بنى اسرائيل بعضهم بعضا، فامتثل بنو اسرائيل لأمر الله تعالى وقتل بعضهم بعضا -كما تحدثنا في اللقاء السابق- وحتى قبل الله تعالى توبتهم
بعد ذلك اختار موسى من بنى اسرائيل سبعين من أشرافهم ومن صلحائهم حتى يذهبوا معه في رحلة ايمانية الى جبل الطور حيث يناجي موسى الله تعالى، لتكون هذه الرحلة اعتذارًا آخر من بنى اسرائيل لله تعالى عن عبادة العجل، وحتى تكون هذه الرحلة  بداية صفحة جديدة لبنى اسرائيل 
وكان هؤلاء السبعين هم أفضل بنى اسرائيل، ولذلك قال تعالى في موضع آخر في سورة الأعراف (وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا) ولم يقل (وَاخْتَارَ مُوسَىٰ من قَوْمَهُ) ليشير الى أن هؤلاء السبعون يعدلون كل بنى اسرائيل
فأمرهم موسى بالتطهر وتطهير الثياب والصيام استعداداً لهذه الرحلة، ثم خرجوا معه، فلما اقتربوا من جبل الطور، تغشى الجبل الغمام، والغمام هو السحاب الأبيض، فدخل موسى في الغمام، ثم قال لقومه: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخروا سجدًا، وكان موسى اذا كلم الله تعالى سطع من جبينه نور لا يطيق أن ينظر اليه أحد من البشر، فضرب حجاب بينهم وبين موسى، وكلم الله تعالى موسى ما شاء له أن يتكلم، وقيل أن هؤلاء السبعين سمعوا الله تعالى وهو يكلم موسى ويأمره وينهاه
فلما فرغ موسى من مناجاة الله تعالى وانكشف الغمام أقبل عليهم موسى، ولكنهم فاجؤه بقول عجيب كما يحكي القرآن العظيم في هذه الآية الكريمة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

 (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى) يعنى واذكروا إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى
(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) يعنى لن نؤمن ولن نصدق أنك رسول، ولن نؤمن بالتوارة التى جئت بها، ولن نؤمن بوجود اله واحد، ختى نرى هذا الإله جهرة
كلمة "نَرَى" قد تطلق ويقصد بها العلمية، كما تقول "أرأيت" يعنى "أعلمت"
ولذلك من دقة أداء القرآن أنه تعالى قال (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) فذكر  كلمة (جَهْرَةً) بعد كلمة (نَرَى) حتى يؤكد أن طلبهم هو رؤية الله تعالى بحاسة البصر
وأصل الجهر عند العرب الكشف والظهور
فكانت العرب تقول "جَهَرْتُ الرَّكيَّة" والرَّكيَّة هي البئر التى لم يتم البناء حولها، ولذلك يكون مائها معرض للرمال والطين والشوائب، فاذا هدأ الماء ونزلت الرواسب يقولون "جَهَرْتُ الرَّكيَّة" يعنى صفا الماء وظهر
وجهر بالقراءة أو جهر بالدعاء: أعلنها وأظهرها 
وصوت جهير: صوت عال مرتفع
جهر بالمعاصى: أظهرها فرآها الناس
فقولهم (نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) يعنى نري الله عيانًا أي بأعيننا رؤية واضحة 
اذن المعنى:
اذكروا يا بنى اسرائيل إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لم نصدق انك رسول، ولن نصدق بوجود اله واحد حتى نري هذا الأله وننظر اليه بأبصارنا، وتكون الرؤية واضحة كما تجهر الرَّكيَّة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

 
وهذا الطلب يشير بوضوح الى أهم عيب من عيوب بنى اسرائيل، وهو المادية الشديدة، وكل شيء غير مادي وغير محسوس لايؤمنون به
وقد قلنا أن هدف سورة البقرة هو عرض نماذج لأمم استخلفها الله تعالى في الأرض، هذه النماذج فيها نماذج ناجحة، وفيها نماذج فاشلة، وذلك حتى نستفيد نحن من هذه النماذج، ولا نقع في الأخطاء التى وقعت فيها الأمم السابقة، ومن النماذج الفاشلة التى نستفيد من أخطائها هو نموذج بنى اسرائيل
ولذلك من صفات المتقين التى ذكرها الله تعالى في أول سورة البقرة، قال تعالى (الذين يؤمنون بالغيب) والغيب يشمل الإيمان بالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر، وأول هذا الغيب هو الإيمان بالله تعالى
يقول تعالى في سورة النساء  (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذالك فقالوا أرنا الله جهرة)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

يقول تعالى (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) 
وهناك قراءة فأخذتكم الصعقة‏.
عقابًا لهم على هذا الطلب لأنه لا يجوز أن تقترح على النبي معجزة
والصَّاعِقَةُ هي نار تنزل من السماء فتحرق من تصيبه، وقيل الموت، يعنى نزل عليهم الموت، وقيل صيحة من السماء ماتوا بسببها
وظل بنى اسرائيل موتى يومًا وليلة، وجعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا 
ولم يزل موسى يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلاً بعد رجل بعدما ماتوا يوماً وليلة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

يقول تعالى (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) يعنى ماتوا واحدًا وراء الآخر، فرأي كل واحد منهم الآخرين وهم يموتون
ويقول تعالى في الآية التالية (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) والبعث هو الإحياء بعد الموت، أيضًا البعث كان واحدًا بعد الآخر، فرأي كل واحد منهم الآخرون وهم يبعثون
لأن الشخص اذا مات ثم بعث ربما لا يدرك أن ما مر به هو الموت، ولكن اذا رأي أمامه أناس يموتون ويبعثون فهذه معجزة واضحة باهرة، ودليل لا يقبل الشك على قضية البعث بعد الموت 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

وهذه الآية هي النعمة السادسة على سبيل التفصيل بعد الإجمال في قوله (يا بنى اسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم)
كأنه تعالى يقول: يا بنى اسرائيل اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن هذا الذنب العظيم
ولم لم يبعثهم الله تعالى بعد أن أماتهم لماتوا على الكفر 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

يقول تعالى (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
وأصل الشكر في لغة العرب الظهور
تقول العرب: شكرت الإبل أي ظهر عليها أثر المرعي
فاذا صادفت الإبل مرعي خصبا وأخذت ترعي وظهر عليها أثر هذا المرعي قالت العرب شكرت الإبل 
فالشكر ظهور أثر نعمة الله على العبد
وهذه النعمة –كما قلنا- تظهر على اللسان وعلى القلب وعلى الجوارح
تظهر على اللسان بقولك الحمد لله رب العالمين
وتظهر على القلب بأن يمتلأ قلبك بالرضا على المنعم
وتظهر على الجوارح بأن تستخدم النعمة في طاعة الله تعالى، ولا تستخدمها في معصيته أبدًا
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

 

البعض يتسائل ويقول أن بنى اسرائيل طلبوا رؤية الله تعالى فعاقبهم الله تعالى بأن أخذتهم الصاعقة، بينما موسى –عليه السلام- طلب هو أيضًا رؤية الله تعالى وقال (رب أرني أنظر اليك) ومع ذلك لم يعاقبه الله تعالى على هذا الطلب
نقول أن هناك فرق بين طلب الرؤيا من بنى اسرائيل وطلب الرؤيا من موسى
فقد طلب "بنى اسرائيل" رؤية الله تعالى شكًا في وجود الله تعالى، وقالوا أن الرؤية شرط لإيمانهم
أما موسى فقد طلب رؤية الله تعالى حبًا وشغفًا وتدلهًا في حب الله تعالى
ولذلك قال الله تعالى عن بنى اسرائيل (ثم بعثناكم) والبعث يكون بعد الموت 
بينما قال عن موسى (فلما أفاق) والإفاقة تكون من الإغماء

*********************************

لمطالعة بقية الفصول- اضغط هنا

لمشاهدة الحلقات فيديو- اضغط هنا

*********************************