Untitled Document

عدد المشاهدات : 1186

الحلقة (139) من" تَدَبُر القُرْآنَ العَظِيمِ" تَدَبُر الآية (225) من سورة البقرة: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225

  تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة التاسعة والثلاثون بعد المائة الأولى
تدبر الآية (225) من سورة البقرة
********
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
هذه الآية يطلق عليها "استئناف بياني" لأن الآية السابقة أفادت النهي عن كثرة الحلف، فربما يكون يكون هناك سؤالًا عن حكم اليمين التي تجري على الألسنة بدون قصد .   
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ)
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ) يُؤَاخِذُكُمُ من الأخذ، يعنى لن يحاسبكم ولن يعاقبكم ولن يلزمكم الوفاء به
(بِاللَّغْوِ) اللغو من الكلام: هو الكلام الذي لا يصدر عن فكر وروية
والمعنى أن الله تعالى لن يحاسبكم ولن يعاقبكم ولا يلزمكم بكفارة ما يصدر منكم من الإِيمان التى تصدر من غير قصد بلا فكر ولا روية 
كمن يقول: والله لتأكل هذا.. والله لتشرب هذا ...والله لتتفضل ... والله لتجلس... والله لتتقدم في الدخول قبلي..... وهكذا ...
فهذا كله كلام لا يقصد به الحلف، ويسمونه سبق كلام، أو حشو كلام
ويدخل فيه من يحلف وهو يري أنه صدق..وهو ليس ذلك
مثل.. شخص قادم.. فيقول: والله هذا فلان.. أو والله هذا ليس فلان
ويدخل فيه اليمين في حالة الغضب الشديد جدًا، ولكن ليس الغضب العادي وانما الغضب الشديد جدًا، الذي يفقد الانسان شعوره، يقول العلماء لأنه في هذه الحال أشبه بالمعتوهين والمجنونين.
فكل ذلك من فضل الله تعالى وكرمه لا يؤاخذ عليه العبد
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)
(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ) يعنى ولكن يعاقبكم الله تعالى ويحاسبكم 
(بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) يعنى ما قصدته قُلُوبُكُمْ، يعنى ما تعمدتم فيه الكذب في اليمين، يعنى يقول شيئًا كذبًا، وهو يعلم أنه كذب، ويحلف عليه حتى يقنع السامع بصدقه 
كقول البائع: والله مكسبي في هذا كذا.. وهو ليس كذلك
ويدخل فيها بالطبع الكذب عند التقاضى وغير ذلك من تعمد الكذب
وهذا اليمين كفارته ما ذكرناه في الحلقة السابقة من اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة
ويزيد على ذلك التوبة من هذا الذنب، وأيضًا رد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على اليمين الكاذبة ضياع حق أو حكم بباطل 
(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) هذا التذييل يناسب الحكم في الآية
فالله تعالى غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم
وحَلِيمٌ حيث لم يعاجل المخطئين بالعقوبة 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ولكن يجب أن ننوه الى أن الحنث في اليمين من كبائر الذنوب، روي البخاري أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال "الكبائر: الإشراك، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين"
لأن الحلف معناه أنك جعلت الله تعالى ضامنًا لصدقك
فالذي يحلف بالله وهو يعلم أنه كاذب، أو يحلف وهو ينوي أن يحنث في يمينه، فقد تجرأ جرأت شديدة على مقام الله تعالى
ولذلك فقد كان سبب تصديق آدم وحواء لإبليس أنه أقسم، قال تعالى (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) ولم يكن آدم أو حواء يعتقدان أنه يمكن أن يقسم أحد بالله كذبًا
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 وحنث اليمين من الأمور التى يعجل الله تعالى عقوبتها في الدنيا
وهناك الكثير من القصص في عاقبة الحلف الكذب
من هذه القصص القصص التى يرويها القضاة، فنحن عندنا قاعدة قانونية "البينة على من أدعي واليمين على من أنكر"
وللأسف البعض يستهين بهذا القسم، حتى أن هناك مثل شعبي عندنا في مصر "قالوا للحرامي احلف قال جالك الفرج"
قصة يرويها أحد القضاة أن أحدهم أقسم كاذبًا في أحد القضايا أنه لم يأخذ مبلغ مالى، فتركه القاضي، وبعد لحظات سمع أمام المحكمة ضجة كبيرة، فوجدوا أن هذا الرجل الذي حلف اليمين صعد الى سيارته، فجاءت شاحنة كبيرة، وصعدت فوق سيارته، فهرسته وهو بداخلها
محام يروي قصة أحد الأشخاص حلف يمينًا على ملكيته لأرض زراعية، ولم تكن له بل كانت لأرملة وأيتام، وحكم له القاضى، وفي اليوم التالى سقط في أحد حفر المزرعة، ومات في المزرعة التى اخذها باليمين الكاذبة
وهناك قصة حدثت قبل سنوات قليلة، حيث كان أحدهم يدعي على إحدى النساء بفعل الفاحشة، فطلب القاضي منه حلف اليمين للإدلاء بشهادته، وقبل أن يتم جملة اليمين، فقد الشاهد بصره وصار يصيح بأنه لم يعد يرى شيئاً وهو يبكي ويرجو المرأة أن تغفر له ذنبه بحقها، وبقي على هذه الحالة إلى أن جاءت سيارة الإسعاف وأخذته إلى المستشفى تاركاً كل من حضروا الواقعة في ذهول شديد
أنا رأيت أمام عينى قصة امرأة أقسمت كذبًا على أمر ما، ولم يمر عام حتى حدثت لعائلتها حادثة مروعة، فنجو جميعًا وأصيبت هي بالشلل، هذه القصة حدثت من حوالى أربعين سنة، ولا تزال مشلولة الى الآن
فتاة تروي قصة أن أخوها أخذ السيارة وقادها بدون اذن أبيه، فجاء الأب ورأي أن السيارة واقفة بشكل مختلف فسأل ابنه اذا كان قد قادها، فأسرع الشاب وأمسك المصحف وحلف عليه كذبًا، تقول الفتاة: لا ادري لماذا فعل أخي هذا بنفسه، فان أبي –على حد تعبيرها- طيوب ولا يضرب ولا يخوف 
تقول الفتاة بعدها بسنة حرقت يد أخوها التى حلف بها على القرآن، واصبحت مشوهة ولا يستطيع أن يكتب بها 
فعلينا أن نحافظ على أيماننا
يقول الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: مَا حَلَفْتُ بِاللهِ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا؟