Untitled Document

عدد المشاهدات : 812

الحلقة (145) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (234) من سورة البقرة، قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَ

  تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الخامسة والأربعون بعد المائة الأولى
تدبر الآية (234) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
لا تزال الآيات الكريمة تتناول شئون الأسرة، فتتناول هذه الآية عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فيقول تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) أي يتركون زوجات (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي أن عدة الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ هجرية وَعَشْرة ايام وذلك استبراءًا للرحم، ووفاءًا لحق الزوج المتوفي
وهذه العدة للمرأة اذا كانت مدخول بها أو غير مدخول بها
وهذا بخلاف الطلاق، فالرجل اذا طلق زوجته قبل أن يدخل بها فانه لا عدة عليها، أما اذا مات الرجل قبل أن يدخل بزوجته، فإنها ترث فيه وتعتد أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
أما اذا كانت حامل فان عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا‏، لقوله تعالى (وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) أما اذا وضعت الحمل قبل الأربعة أشهر وعشرة ايام، تكون العدة أربعة أشهر وعشرة أيام، فبالنسبة للحامل تكون العدة ابعد الأجلين 
لأن من الجائز أن يموت الزوج، وبعد أن يموت تلد فورًا، أو تلد قبل أن يدفن، فهل معنى ذلك أن تعود من دفن زوجها وتتزوج ؟ لا، ولذلك فعدة الحامل هي أبعد الأجلين: اما أن تضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشرة أيام 
الحامل عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ومعنى العدة أنه لا يجوز لها أن تتزوج طوال هذه المدة
يحرم كذلك على المعتدة أن تتزين بأي نوع من الزينة، سواء كان ملابس أو مكياج أو عطر، وأي شيء يعتبر زينة شرعًا أو عرفًا، وسواء كانت هذه الزينة داخل البيت أو خارجه،  حتى قال العلماء اذا كان الثوب الأسود يزيد المرأة جمالًا فانه يحرم عليها، ويحرم عليها كذلك الخروج من المنزل الا لضرورة، كما يحرم الانتقال من منزل الزوجية
بالنسبة لغير الزوج فالحداد يكون لثلاثة أيام فقط، وذلك تعظيم لشأن الزوجية
عندما مات "أَبُو سُفْيَانَ" مست ابنته السيدة "أُمُّ حَبِيبَةَ" الطيب، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
والاسلام بهذا التشريع يبطل عادة جاهلية كان فيها كثير من الاجحاف بالمرأة، فالمرأة قبل الاسلام كانت اذا مات عنها زوجها تحد عامًا كاملًا، وكانت خلال هذا العام تدخل في أضيق وأظلم مكان في بيتها، وتلبس شر ثيابها، ولا تستحم ولا تقلم أظافرها ولا تزيل شعرًا وبالطبع لا تتعطر ولا تتزوج ولا أي شيء حتى تمر السنة
وأرجو أن نلتزم ما قرره الشرع في أمر الحداد، لا نزيد في الحداد عن المدة التي قررها الشرع، ولا ننقص عن هذه المدة
وهي –كما قلنا- ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْقَرِيبِ، وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عَلَى الزَّوْجِ
بعض النساء يحددن على الأب أو الابن أو الأخ سنة أو أكثر من سنة، هذا لا يجوز
والبعض يحددن على الزوج أربعين يومًا، هذا أيضًا لا يجوز
الحداد لغير الزوج ثلاثة أيام فقط
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) 
يعنى اذا انقضت فترة العدة فلَا حَرَجَ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ، سواء الزينة، ولكن بشرط أن تكون هذه الزينة فقط أمام النساء والمحارم، أو التطيب بشرط ألا يكون خارج منزلها، كما يجوز لها الخروج بالضوابط الشرعية، ويجوز الانتقال من منزل الزوجية، ويجوز بالطبع الخطبة أو الزواج
وقوله تعالى (بِالْمَعْرُوفِ) أي فيما أباح الله تعالى، يعنى لا تتزين الا أمام النساء والمحارم، ولا تتعطر خارج بيتها، واذا طلبت الزواج فيكون كذلك بالمعروف، فلا تعرض صورها على النت تطلب الزواج، أو نقوم بالدردشة بغرض الزواج أو غير ذلك

(بِالْمَعْرُوفِ) فلا نقوم بالدردشة –مثلًا- بغرض الزواج أو غير ذلك
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
يعنى اذا خالفت شيئًا من أوامر الله تعالى دون أن يراها أحد، فلا تعتقد أن المسألة انتهت، لأن الله تعالى عليم و خَبِيرٌ وان لم يطلع عليها أحد
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وعدة المرأة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة، وقد ذكر العلماء كثير من الأسباب لذلك، منها أن المرأة اذا تعجلت بالزواج بعد وفاة زوجها، فان ذلك يحزن أهل الزوج، كما أن ذلك يسيء اليها، وذكروا أسبابًا أخري
وقد تحدثنا عن أحد هذه الأسباب، حين تناولنا الاعجاز العلمي والتشريعي في قوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) وقلنا أن العلم الحديث أثبت أن ماء الرجل يختلف من رجل الى آخر- المستضدات الحيوية (Antigens وهذه الماء يظل أثره في رحم المرأة، ولذلك قالوا أن كل رجل له بصمة في رحم زوجته
فلو دخل ماء لرجل على ماء رجل آخر، بأن تزوجت المرأة بعد طلاقها مباشرة، أو بعد وفاة زوجها مباشرة، فان ذلك  يصيب الرحم بالخلل والاضطراب وبالعديد من الأمراض الخطيرة، منها سرطان الرحم
والعجيب أن الدراسات الطبية أثبتت أن الرحم لا يبرأ كاملًا من آثار ماء الزوج الأول الا بعد ثلاث حيضات كاملة، حيث يتخلص في الحيضة الأولى من نحو 60% ، وفي الحيضة الثانية يتخلص من نحو 30% منها، وفي الحيضة الثالثة من الـ 10% المتبقية، وبذلك يطهر الرحم طهرًا كاملًا من جميع آثار الزواج الأول بعد ثلاثة حيضات، ويكون مستعدًا لاستقبال بصمة جديدة
وقلنا أن الأعجب من ذلك أن المرأة التى مات عنها زوجها، والتى عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، أثبتت الأبحاث أن المرأة المتوفي عنها زوجها يزيد تثبيت البصمة لديها نتيجة الحزن على زوجها، ولذلك فهي تحتاج الى دورة رابعة حتى تزيل البصمة نهائيًا
ولماذا أربعة شهور وليست أربعة حيضات ؟ لأن العدد زاد عن الثلاثة فهناك احتمال للخطأ في الحساب
ولماذا اربعة شهور وعشرة أيام، وليست أربعة شهور فقط ؟ لأن الدورة يمكن أن تتأخر عند المرأة بعض أيام نتيجة اضطراب الحالة النفسية، فزيدت عشرة أيام احتياطًا  
أما الحامل والتى عدتها ان تضع الحمل، قال العلماء أن المرأة بعد ان تضع جنينها يبرأ رحمها من جميع آثار الزوج الأول، لأن جدار الرحم يستبدل بالكامل بجدار جديد، وليس استبدالًا جزئيًا كالذي يحدث عقب عملية الحيض
الرجل له بصمة في رحم زوجته
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) كلمة "يُتَوَفَّوْنَ" مبنى للمجهول
فهناك فرق بين "الْمُتَوَفِّي" بكسر الفاء وتشديدها، هو الذي يتوفى النفس ، وهو الله تعالى وهناك "الْمُتَوَفَي" بفتح الفاء، وهو الميت
وهذه الكلمة هي السبب في وضع علم النحو
كان أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ يسير خَلْفَ جَنَازَةٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ :مَنِ الْمُتَوَفِّي ؟ يقصد من الميت، فَقَالَ له أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: اللهُ تَعَالَى
وكان الرجل يجب ان يقول: من "الْمُتَوَفَي" بفتح الفاء
فلما قص "أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ" ذلك على الإمام "على بن أبي طالب" دفع له الامام "على" رقعة كتب فيها: الكلام كلّه ثلاثة أضرب: اسم، وفعل، وحرف، وقال له: انح على هذا النحو، أي افعل مثل ذلك
فوضع "أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ" بعض الأحكام والتي عرفت بعد ذلك بعلم النحو
قص "أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ" ما حدث على الإمام "على بن أبي طالب"