Untitled Document

عدد المشاهدات : 848

الحلقة (196) من تدبر القُرْآن العَظِيم، تدبر الآيات (52) و(53) و(54) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"، قول الله -تَعَالَى- تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَن

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة  السادسة والتسعون بعد المائة الأولى
تدبر الآيات (52) و(53) و(54)  من سورة "آلَ عِمْرَانَ"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
بعد أن بلغ عيسي -عليه السلام- رسالته الى قومه، وجاء لهم بالمعجزات الدالة على صدق نبوته، كان هناك من استقبل رسالته بالإيمان، وهناك من استقبل رسالته بالكفر.
ودائمًا يلجأ معسكر الشر الى محاولة قتل دعاة الخير، لأنهم يشعرون أمامهم بالدونية وبالنقص، ولأنهم لا يستطيعون مواجهتهم فكريًا، ولذلك قتل بنو اسرائيل كثير من أنبيائهم، وكانت هناك محاولات كثيرة لقتل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 
وعلم عيسي -عليه السلام- أن أعدائه من الكفار ومن بَنِى اسْرَائِيل يخططون لقتله، ويوعزون الى الحكام بضرورة قتله. 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) 
وليس معنى (أَحَسَّ) يعنى شك في الأمر، كما هو في لغتنا الدارجة، ولكن (أَحَسَّ) يعنى عرف وعلم وتيقن.
لأن أصل أَحَسَّ: هو الإدراك ببعض الحواس، يعنى الادراك بحاسة السمع أوالبصر أو اللمس أو غير ذلك، وطالما أدرك بأحد الحواس فقد تيقن من الأمر.
اذن فقوله (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) يعنى عرف وعلم وتيقن بكفر قومه، وبرغبتهم في قتله والتخلص منه.
(قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)  أي أن عيسي -عليه السلام- أراد أن يبحث عن المؤمنين بين هذه الجموع الكفارة الكثيرة فقال (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) أي من ينصرني حتى ابلغ رسالة الله، ومن أَنْصَارِي في طريقي إِلَى اللَّهِ.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) 
والْحَوَارِيُّونَ جمع حوارى وهم الذين آمنوا بعيسي -عليه السلام- وصاحبوه، وهم بالنسبة لعيسي -عليه السلام- مثل الصحابة المقربين للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 
وعددهم على حسب الانجيل اثنى عشر، وليس هناك مصدر اسلامي في تحديد العدد.
و "الحور" في اللغة البياض ، كانت العرب تقول: حورت الثياب أي بيضتها، ومنه "الحور العين" أي شدة البياض في بياض العين، وقد سمي الله تعالى أنصار عيسي بالحواريين، قيل لأنهم كانوا يرتدون ثيابًا بيضاء، وقيل لأنهم كانوا "حواريين" أي صباغيين يحورون الثياب أي يبيضونها.
وقيل أن خاصة كل نبي يطلق عليهم الحواريين، لبياض قلوبهم وصفائها، ومنه قول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍ حِوَارِيًّا، وَحِوَارِيِّ الزُّبَيْرُ‏"‏‏‏‏.‏
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّه) هذا هو رد الْحَوَارِيُّونَ على عيسي -عَلَيْه السَلاَم- قالوا: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّه.
(آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أعلنوا ايمانهم وطلبوا من عيسي -عليه السلام- أن يكون شاهدًا لهم أنهم مُسْلِمُونَ، أي مستسلمون لأمر الله تعالى ولرسوله منقادون لأمره
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)
هذا قول الحواريين
(رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ) أي بما في التوراة والانجيل.
(وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) وهو عيسي -عليه السلام- وسرنا على سنته.
(فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) الشَّاهِدِينَ هم الأنبياء، لأن كل نبي سيشهد على أمته يوم القيامة، فقولهم "فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" هو دعاء أن يكونوا مع الأنبياء يوم القيامة، لأنهم يقومون بعمل الأنبياء وهو الدعوة الى الله.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
أي أنه قد صدق توقع عيسي -عليه السلام- في أنهم سيحاولون قتله والتخلص منه.
المكر هو التدبير بخفاء.
وأصله نوع من الأشجار ملتف الأغصان، بحيث لا يستطيع من ينظر اليها أن يعرف أي ورقة خاصة بأي فرع من فروعها
فقوله تعالى (وَمَكَرُوا) أي دبروا بخفاء لقتله والفتك به.
(وَمَكَرَ اللَّهُ) أي دبرالله تعالى، وقدر شيئًا آخر بخلاف تدبيرهم.
(وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وصف الله -تَعَالي- نفسه بأنه هو خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، لأن المكر –كما قلنا- هو التدبير بخفاء، واذا دبر -تَعَالي- فلن يطلع على تدبيره أحد، ولذلك فهو -تَعَالي- خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى في سورة فاطر (وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ) اذن هناك مكر سيء، ومكر حسن.
فالمكر حسن، وهو أن تدبر للناس ما ينفعهم، وأحيانًا تكون هناك حاجة الى المكر الحسن، لأن من الناس من اذا علم بما يدبر له من الخير أفسد على الفاعل تدبيره لجهله بما ينفعه، ولذلك يحتاج من اراد به الخير أن يخفي تدبيره ويحتال عليه ويمكر به ليوصله الى ما ينفعه.
فلو أن شابًا يريد ان يسافر الى دولة اوربية للدراسة، وابوه يعلم انه اذا سافر فانه يمكن أن يندفع الى علاقات غير شرعية، فاذا احتال الأب حتى يصرف ابنه عن فكرة السفر، فهذا مكر حسن.
اذا تعلقت فتاة بشاب ماجن يريد أن يتلاعب بها فاحتالت أمها حتى تجعل بنتها تري هذا الشاب على حقيقته، فهذا مكر حسن.  
لنفرض أن هناك اثنين من الأصدقاء بينهما خلاف، فيأتي صديق لهم ثالث فيدعو الاثنين الى بيته للطعام، دون يخبر كل واحد منهما أن الآخر سيأتي، فيلتقيان ويصلح بينهما، اذن هذا مكر حسن.
اذن فالله تعالى (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) لأمرين:
لأن المكر هو التدبير بخفاء، واذا دبر الله فلن يطلع على تدبيره أحد
الأمر الثاني: لأن مكره تعالى موجه الى الخير لأولياءه، وموجهًا الى الشر لأعدائه.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
سيبين الله تعالى في الآية التالية أن مكرهم هو محاولة قتل نبي الله عيسي -عَلَيْه السَلاَم- وصلبه، ومكر الله له هو تدبيره تعالى لنجاة عيسي -عَلَيْه السَلاَم- من القتل ورفعه اليه.

        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو