Untitled Document

عدد المشاهدات : 682

الحلقة (207) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآيات من (86) الى (91) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي

تدبر القُرْآن العَظِيم
الحلقة السابعة بعد المائتين
تدبر الآيات من (86) الى (91) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) 

❇        

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) 
هذه الآيات الكريمة نزلت في بعض الذين دخلوا في الاسلام من أهل المدينة، ثم ارتدوا عن الاسلام، فمنهم من لحق بمكة، ومنهم من لحق بأرض الروم وتنصر، فنزلت فيهم هذه الآيات، ثم أنهم ندموا بعد ذلك وأرسلوا الى قومهم (هل لنا من توبة) فنزل بعد ذلك قول الله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) فعادوا الى المدينة وتابوا الى الله تعالى.
وقيل أنها نزلت في أهل الكتاب، فهؤلاء كانوا مؤمنين بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبل بعثته، لأنه مذكور بصفته في كتبهم، فلما بُعِّثَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ووجدوا أنه من العرب وليس من بنى اسرائيل، كفروا به -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال المفسرون أن هذا هو الأقرب، لأن الحديث عن أهل الكتاب من أول السورة، ومع ذلك فليس هناك ما يمنع من نزول الآية للسببين معًا

❇        

وقوله تعالي (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) وقوله تعالى (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) هذا للاستبعاد، يعنى هذا أمر صعب جدًا أن يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وصعب جدًا أن يَهْدِي الله الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

❇        

أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) أصل كلمة اللعن هي الطرد والأبعاد، فلَعْنَةَ اللَّهِ هي الطرد والأبعاد عن رحمة الله تعالى. 
(وَالْمَلَائِكَةِ) أي تلعنهم الملائكة أيضًا، أي تدعو عليهم بالطرد والبعد عن رحمة الله تعالى.
(وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) كيف يلعنهم كل الناس وفيهم من وافقهم على كفرهم ؟
قال العلماء: لأن الكفار يلعن بعضهم بعضًا يوم القيامة، يقول تعالى في سورة الأعراف ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا) 

❇        

(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)
(خَالِدِينَ فِيهَا) أي خَالِدِينَ في اللعنة، أو خَالِدِينَ في العقوبة والعذاب.
(لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) لا يخفف عنهم الْعَذَابُ ولو للحظة واحدة، قال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ) 
يقول العلماء أن أشد آية في كتاب الله، هي قول الله تعالى في سورة النبأ (فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) 
(وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) يُنْظَرُونَ من الإنظار وهو التأخير والإمهال، قال تعالى (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعنى قال الشيطان لله تعالى أمهلني إِلَىٰ يَوْمِ القيامة.
فالمعنى أن الله تعالى لا يؤخر عذابهم لحظة واحدة، بمجرد وفاة الكافر، بل قبل وفاته، تخرج روحه من جسده بشدة وعذاب، ثم يعذب في القبر، ثم يعذب في الموقف يوم القيامة، ثم يلقي في جهنم ويعذب، فكأن الله تعالى لا يؤخر عنه العذاب على الكافر من لحظة وفاته لحظة واحدة.
قال تعالى في سورة النازعات (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) يعنى ملائكة العذاب تنزع نفوس الكفار نزعًا، ثم تغرقهم في العذاب.

❇        

(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) أي عادوا الى الإيمان 
(مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي مِنْ بَعْدِ الكفر.
(وَأَصْلَحُوا)أي لا تكفي التوبة عن الذنب، بل يجب اصلاح ما أفسده، فلو أن رجل من اليهود حرف صفة الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في التوراة، فلا تكفيه التوبة، بل يجب أن يذكر أنه حرف صفة الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في التوراة، وأنها كانت كذا، وحرفها الى كذا
سمعت في بعض الدروس أن قسًا من السودان أسلم، يحكي أنه قبل اسلامه قد تنصر على يديه 11000 مسلم في قرية فقيرة من قري أفريقيا، فلما أسلم قال أن همه أن يعيد هؤلاء الـ 11000 الى الاسلام، يقول أعدت 9000 وباقي 2000
(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لم يقل تعالى أنه يتوب عليهم، وانما ذكر اسمين يدلان على التوبة فقال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يعنى فَإِنَّ اللَّهَ سيغفر لهم ما كان من شركهم وردتهم عن الاسلام، وأن هذا من رحمته تعالى بهم.

❇        

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
هذه الآية نزلت في الذين ارتدوا عن الاسلام، فكفروا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، لأي مصلحة دنيوية، ونزلت كذلك في اليهود والنصاري الذين رفضوا الايمان بمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد بعثته، فهؤلاء كانوا مؤمنين بمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويبشرون به قبل بعثته، فلما بُعِّثَ الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كفروا به، فمعنى تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) أي كفروا بالرسول بعد بعثته، بعد أن كانوا مؤمنين به قبل بعثته.
(ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) أي ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بطعنهم في نبوة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعداوته، وسخريتهم من القرآن، وصدهم الناس عن طريق الحق.
لأن الكفر دركات، كما أن الايمان درجات.
(لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) فهؤلاء لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ.
والمعروف أن الله –تعالى- يقبل التوبة من أي أحد، مهما بلغ كفره. 
والحديث المعروف الذي رواه البخاري ومسلم عن رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب، فذهب اليه وسأله هل لي من توبة ؟ قال لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل مرة أخري عن أعلم أهل الأرض، فدل على عالم فأتاه، فقال له أنه قد قتل مائة نفس، فهل لي من توبة، قال: نعم ومن يحول بينك وبين التوبة.... الى آخر الحديث
روي مسلم من حديث أبي هريرة أن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) 
فالمراد بهذا الصنف من الكفار الذي ارتد كافرًا بعد الايمان، والذين لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، هو الكافر الذي يتوب اذا حضره الموت.
فهذا الصنف من الكفار عرفوا الحق، وعرفوا أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو خاتم الأنبياء المذكورة صفته في كتبهم، ولكنهم رفضوا الايمان به كبرًا وعنادًا وحسدًا للعرب، فعزموا على عداوة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طوال حياته، فاذا حضرهم الموت آمنوا ودخلوا في الاسلام
فأخبرهم تعالى أن هذه التوبة ليست مقبولة عنده تعالى.
وهم مثل فرعون الذي آمن، ولكنه آمن عند معاينة الموت (حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فرد الله –تعالى- عليه وقال (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)
فهذه الآية مثل قوله –تعالى- في سورة النساء (وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن)
روي الترمذي وغيره أن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول "إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَالَم يُغرْغرِ".

❇        

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)
روى الشيخان وغيرهما عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ‏:‏ أَنَّ النبي-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قال‏:‏ يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ‏:‏ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ‏؟‏ فَيَقُولُ‏:‏ نَعَمْ‏!‏ فيقول تعالى‏:‏ قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك !‏ يقول: فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اِفْتَدَى بِهِ‏)
أي افتدي به من العذاب.
(وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ليس هناك من ينصره بدفع العذاب أو تخفيف العذاب، كما كان هناك من ينصره في الدنيا.

❇        

اذن تحدثت الآيات عن ثلاثة اصناف من الكفار:
صنف كفروا بعد ايمانهم ثم تابوا، فهؤلاء يقبل الله -تَعَالي- توبتهم.
وصنف كفروا بعد ايمانهم ثم تابوا، ولكنهم تابوا في وقت حضرهم فيه الموت، وهو وقت لا تقبل فيه التوبة، فهؤلاء في النار.
وصنف ماتوا على الكفر، فهم في النار أيضًا.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇