Untitled Document

عدد المشاهدات : 912

الحلقة (218) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (118) و (119) و (120) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الثامنة عشر بعد المائتين
تدبر الآيات (118) و (119) و (120) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)

❇        

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)
هذه الآية لها سبب نزول وهي أن الأنصار في الجاهلية كان بينهم وبين اليهود في المدينة، جوار وصداقات وأحلاف وأخوة من الرضاع، فنهاهم الله -تَعَالي- عن استمرار هذا التقارب الشديد مع اليهود، بعد دخولهم في الإسلام.

❇        

يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً) يعنى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا أَصْدِقَاءَ وأصحاب مقربين.
(مِنْ دُونِكُمْ) أي مِنْ غيركم، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ المسلمين. 
و(البطَانَةً) هي الصاحب القريب من الانسان.
ومنها بطانة الثوب، وسميت بطانة الثوب بذلك لأنها تلى بطن الإنسان.
فسمي الصاحب القريب والصفي وخاصة الرجل بالبطانة، لأنه قريب منه، ويطلع منه على مالا يطلع عليه غيره.
وأيضًا لأن البطانة تكون ناعمة الملمس، وكذلك خاصة الرجل -خاصة اذا كان صاحب نفوذ وسلطان- فانهم يدخلون عليه بالنعومة

❇        

ثم يبين -تَعَالي- العلة في النهي عن مباطنتهم، لماذا يا رب لا نتخذ بطانة من غير المسلمين ؟ 
فقال تعالى (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) 
(لَا يَأْلُونَكُمْ ) يعنى لا يقصرون، كانت العرب تقول: ما ألوت في كذا، أي ما قصرت فيه.
(خَبَالًا) والخبال هو الشر والفساد، ومنه الخبل وهو فساد العقل أو الجنون.
فقوله تعالى (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) يعنى لا يقصرون ولا يتركون جهدًا في سبيل مضرتكم والكيد لكم.
(وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) يعنى تنموا وأحبوا حبًا شديدًا لكم العنت، وهو المشقة والتعب، كانت العرب تقول "عقبة عنوت‏"‏ أي عقبة شاقة. 
كما قال تعالى (وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ) يعنى لشق عليكم.
فقوله تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) يعني: كيف تتخذونهم بطانة وأصفياء وأصدقاء، وهم يتمنون لكم مايشق عليكم، وما يضركم، وَمَا يَسُوءُكُمْ.

❇        

(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) 
يعنى هم بسبب شدة الكراهية التى في قلبوهم لكم، فان السنتهم تنفلت رغمًا عنهم -وبرغم احترازهم- بكلمات تدل على ما في قلوبهم من الكراهية لكم. 
ولم يقل تعالى (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ ألسنتهم) وانما قال (مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) كأن الكراهية ملأت قلوبهم، ثم امتلأت بها أفواههم، وخرجت من أفواههم رغمًا عنهم.

❇        

 (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ من الكراهية لكم والغيظ منكم، أَكْبَرُ مما يظهر من كلامهم. 
(قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ) يعنى قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ العلامات الواضحة الدالة على كراهيتهم لكم، وهي أن ألسنتهم تنفلت بكلمات الكراهية لكم.
(إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) يعنى إن كنتم من أهل العقل والفهم .
وهذا يقصد به التحفيز واثارة الهمة.

❇        

قلنا أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن الأنصار في الجاهلية كان بينهم وبين اليهود في المدينة، جوار وصداقات وأحلاف وأخوة من الرضاع، فنهاهم الله -تَعَالي- عن استمرار هذا التقارب الشديد مع اليهود، بعد دخولهم في الإسلام.
كما نقول دائمًا العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، فهذا التقارب مع غير المسلمين موجود الآن في كثير من الدول الاسلامية، وموجود –بالطبع- بشكل أكبر في الدول الغير اسلامية.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏‏لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ، يعنى لَا تَسْتَشِيرُوا المشركين فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ‏.

❇        

نقطة أخري هامة، لفت اليها الإمام "محمد عبده" في تفسيره المنار، أن الله تعالى بَيَّنَ صفات الذين نهي أن نتخذهم بطانة، وهي الكراهية للمسلمين، وتمنى الضرر والشر للمسلمين، فلو أن هذه الصفات اتصف بها المسلم لما جاز لك كذلك أن تتخذه بطانة.
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"
ومن الحكم: "من جالس جانس" و "الصاحب ساحب"
لأن الشيطان اما يوسوس لك بنفسه أو يوسوس لك من خلال انسان، ولذلك يقول تعالى في سورة الناس (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس)

❇        

(هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) 
(هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ) 
أصلها "هَؤُلَاءِ أَنْتُمْ" فَفَرَّقَ بَيْنَ "هَا" وَ"أُولَاءِ "
يعنى أَنْتُمْ أيها المؤمنون
(تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) 
يعنى تحبون أصحابكم من اليهود والنصاري، بينما هم لَا يُحِبُّونَكُمْ.
قال العلماء أن المقصود أنكم تحبون لهم الاسلام، وتريدون أن تنقذوهم من الكفر ومن النار، وهذا هو قمة الحب، وهم في المقابل يريدون أن يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وهذه قمة الكراهية
(وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) وَتُؤْمِنُونَ بجميع الكتب السماوية، فتؤمنون بكتبهم وهي التوارة والانجيل، بينما هم لا يؤمنون بالقرآن العظيم، فأنتم أولى بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ، مِنْهُمْ لَكُمْ‏.‏
(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا) يعنى وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا بمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به من القرآن العظيم.
كأن اليهود والنصاري الذين نهت الآية السابقة عن مودتهم، عندما امتثل المسلمون لأمر الله -تَعَالي- بعدم مودتهم، لم يجدوا بُدًا حتى يظلوا قريبين من المسلمين من أن ينافقوا المسلمين، فيظهروا لهم الايمان ويبطنوا الكفر.
(وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) 
(خَلَوْا) أي خلا بعضهم الى بعض، أو خَلَوْا يَعْنِي: مَضَوْا.
(الْأَنَامِلَ) جمع أُنْمُلَةٌ وهو رَأْسُ الأُصْبُعِ الَّذِي فِيهِ الظُّفْرُ.
والمعنى أنهم اذا خلا بعضهم الى بعض، أو اذا مضوا عضوا على أطراف أصابعهم، وهذه كناية -يستخدمها العرب- عن الغيظ الشديد.
هذا الغيظ الشديد لأنهم يعلمون أن المؤمنين على حق، وأنهم على باطل، وأن مصير أهل الإيمان هو الجنة، وأن مصيرهم هم النار.
(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) يعنى قل لهم يا محمد موتوا غيظًا وكمدًا.
أو أن المعنى أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن تموتوا 
(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) يعنى ان الله ذُو عِلْمٍ بِالَّذِي فِي صُدُورٍ هَؤُلَاءِ

❇        

(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)
(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) ان جاءكم أي خير، سواء نصر أو رزق أو رخاء أو أي خير فان هذا يسوءهم ويحزنهم.
(وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا) وان تُصِبْكُمْ أي سَيِّئَةٌ سواء هزيمة أو قحط أو وباء، فانهم يَفْرَحُوا ويشمتوا فيكم.
وعبر تعالى في جانب الخير بالمس، وفي جانب السيئة بالإصابة، للإشارة الى أن هؤلاء من شدة كراهيتهم للمؤمنين فان أي حسنة حتى لو مست المؤمنين مسًا خفيفًا، فان هذا يحزنهم.
أما في جانب السيئة فانهم لا يفرحون بالمصيبة التى تمس المؤمنين مساً خفيفاً، وانما يفرحون بالمصائب الشديدة الثقيلة التى تؤذي المسلمين ايذاءًا شديدًا
كأن الله -تَعَالي- يقول من هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين, كيف تتخذونهم بطانة وأصفاء وأخلاء ؟!
يقول الشاعر:
 كل العداوة قد ترجى إفاقتها     إلا عداوة من عاداك من حسد

❇        

(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَ وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) 
(وَإِنْ تَصْبِرُوا) على آذاهم، وتَصْبِرُوا على طاعة الله -تَعَالي-.
(وَتَتَّقُوا) الله -تَعَالي- 
(لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) لَا يَضُرُّكُمْ عداوتهم أو تدبيرهم لكم في الخفاء شَيْئًا، والكيد هو التدبير في خفاء، لأنكم ان صبرتم واتقيتم الله تعالى، فان الله -تَعَالي- سيكون معكم.
وهذا شبيه قول الله -تَعَالي- في سورة يوسف (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )
وأيضًا معنى (تَتَّقُوا) يعنى تَتَّقُوا مقاربتهم ومخالطتهم
(إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) لأن الكيد –كما قلنا- هو التدبير بخفاء، فيخبر تعالى أنه محيط بكيدهم وتدبيرهم.
وهذا فيه تطمين للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

❇        

سورة آل عمران (200) آية: الآيات من (1) الى (120) تتحدث الرد على وفد نصاري نجران، ثم الآيات من (121) الى الى الآية (200) تتناول غزوة أحد، والذي يجمع بين الأمرين أن الأمرين في الجهاد، الأول في جهاد الكلمة والبرهان والحجة، والثاني في جهاد السيف
والدين ينصر بهاذين الأمرين: بالكلمة، وبالقوة التى تحمي الكلمة أن تصل الى الناس. 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇