Untitled Document

عدد المشاهدات : 572

الحلقة (232) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (153) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا ف

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الثانية والثلاثون بعد المائتين
تدبر الآية (153) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) 

❇        

يقول تعالى (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى في الآية السابقة (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)
كأن المعنى (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ)

❇        

(إِذْ تُصْعِدُونَ) بضم التاء، وكسر العين.
وقرأت (إِذْ تَصْعَدُونَ‏)‏ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ ‏.‏
وهناك فرق بين الإصعاد على القراءة الأولى، والصعود على القراءة الثانية
فالإصعاد هو السير في مُسْتَوىً وَاحِدٍ من الأرض.
أما الصعود فهو الإرتفاع.
والقراءتين معًا يعطيان صورة لمشهد انهزام المسلمين يوم أحد، لأن البعض فر الى الوادي، والبعض صعد على الجبل، والبعض فر الى الوادي ثم صعد الى الجبل.  

❇        

(وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) 
وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ، يعنى ولا تلتفتون الى أحد. 
وأصله: أنَّ من يلتفت الى شيء، يَلْوِي إليه عُنُقَهُ، أو يلوي عنق دابَّتِهِ.
اذن المعنى: وأنتم في فراركم، وَلَا يَلْتَفِتُ أحد منكم إِلَى الآخر، بل ولا تلتفتون الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

❇        

(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) 
أي والرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُنَادِيكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ، وأنتم لا تلتفون اليه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
 لأنه بعد انهزام المسلمين وفرارهم، أخذ الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ينادي على المسملين: ‏
-    ‏إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ‏، يَا عِبَادَ اللهِ ارْجِعُواْ،‏‏ أنا رسول الله، من يكر فله الجنة.
وهذا يدل على ثبات الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلى شجاعته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
يقول "البراء بن عازب" لم يبق مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غير اثني عشر رجلًا .

❇        

(فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) 
أي فَجَازَاكُمْ بِانهزامكم وفِرَارِكُمْ من عَدُوِّكُمْ، وفِرَارِكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ. 
(غَمًّا بِغَمٍّ) أي‏:‏ غَمًّا عَلَى غَمٍّ‏.‏
أما الغم الأول فهو الهزيمة وما أصابهم من القتل والجراح.
والغم الثاني هو ما أشيع من قتل النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

❇        

(لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ) 
يعنى هذا الغم الثاني الذي أصابهم على الغم الأول: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ من النصر، وَلَا مَا أَصَابَكُمْ من قتل وجراحات.

❇        

وكل من يقرأ هذه الآية الكريمة، ويتدبر القرآن العظيم، يتوقف عن هذه الآية، وفيها سؤالان:
-    الأول: يقول تعالى (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) كيف يكون الغم ثوابًا من الله تعالى ؟
-    الثاني: يقول تعالى (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ) كيف يكون الغم حتى لا يحزنوا، اذا كان الغم يعنى الحزن الشديد.

❇        

نقول أن الله تعالى برحمته بعباده المؤمنين أصابهم بالغم الثاني وهو ما أشيع من مقتل النَبي حتى ينسيهم الغم الأول وهو ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجراح.
ثم كان ما أشيع من مقتل الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد ذلك غير صحيح.

❇        

وهذا مثل شخص علم أن بيته احترق، لا شك أنه أمر يحزنه كثيرًا، ويغمه كثيرًا.
ثم علم أن أولاده وزوجته كانوا في البيت، فهذه مصيبة تنسيه حزنه على بيته.
فاذا جاء له جاره وقال له: أبشرك بان أولادك وزوجتك معي في البيت وهم بخير، فانه سيسجد لله شكرًا، ولن يلتفت الى  مصيبته في احتراق البيت.
فالمسلمين في يوم أحد أصابهم غم الهزيمة والقتل والجراح، ثم أشيع أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد قتل، فاصابهم من ذلك هم أكبر، حتى أنساهم غمهم بالهزيمة والقتل والجراح، ثم علموا أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يقتل، فزال ذلك الغم أيضًا، وفرحوا ببقائه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
فكأن الله تعالى أزال الغم الأول بالغم الثاني، ثم أزال الغم الثاني، فكأنهم لم يصبهم أي غم، وذلك من رحمة الله -تَعَالي- بعباده المؤمنين.

❇        

ولذلك عندما أشيع أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد قتل يوم أحد، وصل الخبر الى المدينة، فكَثُرَتِ الصَّوَارِخُ فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، وخرجت النساء من بيوتهن، فقيل لأمرأة من الأنصار أن اباك قد قتل، فقالت: مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  ، فقيل لها إن زوجك قد قتل، فقالت: مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،  قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، فَقَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَأَشَارُوا لَهَا إِلَيْهِ فذَهَبَتْ إِلَى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ ". أي هينة 
❇        

ولذلك جاء تعالى بكلمة الغم، ولم يقل تعالى –مثلًا- حزن.
لأن الغم في اللغة يعنى التغطية
كانت العرب تقول: غم الشيء إذا أخفاه
نقول غمي عينيه أي غطاها.
فجاء تعالى بكلمة الغم، لأن الغم الثاني غطي على الغم الأول.

❇        

وأيضُا قال تعالى (فَأَثَابَكُمْ) والإثَابَةُ: تُسْتَعمل في الخير، ولم يقل (فَأَصابَكُمْ) لأن هذا الغم الثاني كان أمرًا حسنًا، ولم يكن أمرًا سيئًا. 
❇        

(وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) 
والله تعالى لا يخفي عليه شيء، فالله تعالى لم يسمع نداء الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من هول المعركة، ويعلم تعالى الذين سمعوا نداء الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفروا من القتال، ويعلم الذين ثبتوا مع الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
فهي تذكير للتحذير.

 ❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇