Untitled Document

عدد المشاهدات : 673

الحلقة (236) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (159) و(160) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة السادسة والثلاثون بعد المائتين
تدبر الآيتين (159) و(160) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)

❇        

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) 
أي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، أي لِنْتَ لأصحابك وأتباعك.
اي لِنْتَ لَهُمْ يا محمد بسبب الرحمة التى أودعها الله في قلبك
كأنه الله تعالى يقول: إنه كان من أصحابك ما يؤاخذون عليه، ولكنك يا محمد لنت لهم وعاملتهم بالحسنى، بسبب الرحمة أنزلها الله على قلبك.
فمثلًا قلنا أن أشهر من فر يوم أحد هو  "عثمان بن عفان" فقد فر  مع اثنين من الصحابة عندما انكشف المسلمون، حتى بلغوا أحد الجبال القريبة من المدينة، وظلوا هناك ثلاثة أيام، فلما رجعوا قال لهم الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "لقد ذهبتم فيها عريضة" أي وقت طويل.

❇        

 (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ)
"الْفَظِّ" هو سيء الخلق، الخشن في المعاملة. 
و‏"‏الْغَلِيظِ الْقَلْبِ ‏"‏ هو الْقَاسِي الْقَلْبِ، من ليس عنده رَحْمَةٍ وَلَا رَأْفَةٍ‏.‏
وقد وصف الله -تَعَالي- الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سورة التوبة فقال (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏)
ومن صفة الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في التوراة "لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخُوبٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ‏"‏‏.‏
 (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) 
يَعْنِي‏:‏ لَتَفَرَّقُوا وانْصَرَفُوا عَنْكَ‏.
(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)
(فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي: فَاعْفُ عَنْهُمْ ما فعلوا يومَ أُحُد، وهم الرماة الذي خالفوا أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكذلك الذين لم يثبتوا عندما انقضت عليهم خيل المشركين.
(وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من هذا الذنب.
(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)  
أمر الله -تَعَالي- رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأن يشاور أصحابه، وهذه المشورة تكون في الأمور التى ليس فيها وحي.
(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) 
يعنى اذا عزمت على أمر فامض به وتوكل على الله.

❇        

وهذا الأمر بالشوري، وكذلك الأمر بالمضي في الأمر بعد العزيمة، جاء في هذا الموضع بعد هزيمة أحد.
لأن من ينظر الى معركة أحد، ويعمل على استنباط وتحليل أسباب الهزيمة، يمكن أن يقول أن أسباب الهزيمة في أحد بسبب أمرين:
الأول: أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد شاور أصحابه ونزل على رأي الأغلبية منهم.
الثاني: أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصر على الخروج ولم يتراجع بعد أن عزم عليه.
وللتذكرة قلنا أن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عندنا علم بخروج جيش المشركين لحرب المسلمين استشار أصحابه، فراي البعض التحصن في المدينة وعدم الخروج لملاقاة المشركين، ورأي البعض الآخر الخروج لملاقاة المشركين، وكان الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع الرأي الأول الذي كان يري التحصن في المدينة، وذلك لعدة أسباب أهمها التفوق العددي الكبير لجيش المشركين على جيش المسلمين، ومع ذلك نزل الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على رأي الأغلبية من شباب الأنصار المتحمس الذي كان يري الخروج لملاقاة المشركين.
وبعد أن نزل الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على رأي الأغلبية في الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، وأمر المسلمين بالخروج، ودخل بيته ليلبس ملابس الحرب، تلاوم الصحابة وقالوا: أكرهنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الخروج، وهو يأتيه الوحي من السماء، فلما خرج اليهم الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: يا رسول الله نمكث كما أمرتنا، فقال النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "ما كان لنبي إذا لبس لأمته للحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" ولأمته أي عدة الحرب.
يعنى لا ينبغي التردد في مثل هذه الأمور، طالما عزمت على أمر فتمضى فيه متوكلًا على الله.

❇        

اذن من ينظر الى معركة أحد، ويعمل على تحليل أسباب الهزيمة، يمكن أن يقول أن أسباب الهزيمة: 
-     أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد شاور أصحابه ونزل على رأي الأغلبية منهم.
-    أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصر على الخروج ولم يتراجع بعد أن عزم عليه.

❇        

ولذلك يأتي هنا الأمر بالشوري فيقول تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)  
ويأتي الأمر بعدم التردد، والمضي في الأمر بعد العزم، والتوكل على الله، فيقول تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)
يعنى حتى لو كانت الشوري وعدم التردد سببًا في الهزيمة في أحد، فلا ينبغي ترك الشوري، ولا ينبغي الوقوع فريسة للتردد. 

❇        

والسؤال والذي اجابته محل خلاف قديم بين العلماء هو:هل الشوري ملزمة للحاكم ؟
نقول أن الأمر في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) هو أمر للوجوب، لأن القاعدة التى عليها العلماء أن أي أمر في القرآن هو للوجوب.
ولكن الفريق الذي يقول أن الشوري ليست ملزمة للحاكم يقول أن الله أمر الحاكم بالشوري، ولكن الآية ليس فيها ما يفيد أنه يجب أن يلتزم بها.
أي أنه يجب على الحاكم أن يستشير أهل الرأي، ولكن لا يجب عليه أن يتقيد برأيهم، وانما له بعد الاستشارة أن يمضي فيما يراه أصلح لأمته.

❇        

نقول لو كانت الشوري غير ملزمة للحاكم، فان ذلك يفرغها من محتواها، ويجعل من الحاكم مستبد يستشير ثم يضرب بالاستشارة عرض الحائط.
ولنا في الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أسوة حسنة، فالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- استشار صحابته في أحد، ونزل على راي الأغلبية بالرغم من مخالفته لهذا الرأي.
مع أن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان من صفته أنه أكمل الناس عقلاً، وأحسنهم رأيًا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

❇        

يقول المفكر الراحل خالد محمد خالد، فى كتابه "الدولة فى الإسلام" 
"ولقد تحدث الفقهاء طويلاً عن كون الشورى ملزمة أم غير ملزمة.. وعندى أنها ملزمة ثم ملزمة ثم ملزمة.. ولو لم تكن كذلك لما كانت من ورائها جدوى ولا فائدة" 
ثم يضيف: 
"وإذا كان الغرض من الشورى مجرد ترضية شكلية للمسلمين، فإن فى ذلك إحباطا وتثبيطا، بل وإهانة للشورى وللمستشارين."
يقول الشيخ الراحل "محمد الغزالى" فى كتابه "الإسلام والاستبداد السياسى": 
"أخطأ من المفسرين من وهم أن الشورى غير ملزمة، فما جدواها إذن ؟ وما غناؤها فى تقويم عوج الفرد إذا كان من حقه أن لا يتقيد بها ؟ وأين فى حياة الرسول وسيرة خلفائه الراشدين ما يدل على أن الحاكم خرج على رأى مستشاريه ومضى فى طريقه وحده؟".
نحن في مصر كان عندنا مجلس شعب، وقراراته ملزمة، وكان عندنا مجلس شوري، وقراراته غير ملزمة، فكانت هناك أصوات كثيرة تنادي بالغاء مجلس الشوري، لأنه يكلف الدولة ولا طائل وراءه.
الخلاصة أن الشوري ملزمة للحاكم، ولا معنى أن يأمر الله -تَعَالي- الحاكم بالشوري فيقول تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ثم يترك له أن ينفرد برأيه بعد ذلك.
أنا أشعر بالحزن أن يكون مثل هذا الأمر المحوري محل خلاف بين علماء المسلمين، ولذلك أنا آسف أن أقول أن أغلب من قالوا أن الشوري غير ملزمة للحاكم، اما أنه قالوا ذلك خوفًا ما حاكم مستبد، أو نفاقًا لحاكم مستبد أيضًا. 

❇        

يقول يقول الشيخ الراحل "محمد الغزالى"
"للشورى مفهوم غامض عند بعض خدام السلاطين من الشيوخ، ولو وقع زمام الأمور في أيديهم لأرسوا دعائم الاستبداد أكثر من المستبدين أنفسهم"
ويقول
ماذا ننتظر من متحدث عن الإسلام يقول: "أجمع السلف والخلف على أن الشورى لا تقيد الحاكم"، لحساب من يُردد هذا السخف، أهذا هو تفسير (وأمرهم شورى بينهم) ؟! إن ذلك الفقه لم ينتج إلا حكامًا قهروا الشعوب.

❇        

ويختم الله -تَعَالي- هذه الآية الكريمة بقوله 
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) 
والتوكل عمل قلبي 
فالجوارح تعمل والقلوب هي التى تتوكل.

❇        

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
‏(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) أيها المؤمنون 
(فَلَا غَالِبَ لَكُمْ) فلن يغلبكم أحد، مهما كان عددكم قليل وعدتكم قليلة، ومهما كان عدد أعدائكم كبير، وعدتهم كثيرة.
ولذلك فالآية تبعث على الاطمئنان في القلوب المؤمنين، يعنى ان نصرك الله، فلن يغلبك أحد، ولو اجتمعت عليك الدنيا بأسرها.
 (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) 
الخِذْلان: هو الترك وعدم النُّصرَةِ وقت الحاجة إلي النُّصرَةِ.
(فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)
" مَنْ" حرف استفهام بمعنى النفي.
يعنى ان لم ينصركم الله -بسبب تَرَكِكُمْ طَاعَتَهُ- فلن ينصركم أحد من الناس. 
(وَعَلَى اللَّهِ) لا على الناس. 
(فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
ولم يقل (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى اللَّهِ)
لأن (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) تفيد الحصر
يعنى على الله وحده.

❇        

 

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 

❇