Untitled Document

عدد المشاهدات : 670

الحلقة (243) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (185) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ ف

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الثالثة  والأربعون بعد المائتين
تدبر الآية (185)  من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) 
❇        

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) جميع الخلائق ستموت، حتى ملك الموت سيذوق الموت، ولا يبقي الا الله تعالى فهو –تعالى- الباقي الحي الذي لا يموت.
يقول تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ)
أحيانًا أمشي في الطريق، وأنظر الى الناس التى تروح وتجيء، وأقول بعد مائة سنة لن يكون أحد من هؤلاء على سطح الأرض، سيكون الجميع تحت الأرض، وسيكون هناك بشر آخرون.

❇        

وعبر تعالى عن حدوث الموت بالذوق، لأن المذاق يختلف، فهو قد يكون مرًا وقد يكون حلوًا، فكذلك الموت وسكراته قد يكون مرًا، وهذا للكافر والعاصي، وقد يكون حلوًا، للمؤمن والطائع.
روي أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: قال النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ، بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ (والحَنُوط هو الطيب الذي يوضع للميت) حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
……..وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ -والْمُسُوحُ هي الثياب الخشنة- فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ، قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ -السَّفُّودُ هي حديدة لها شُعَب مُعَقَّفة يشوى بها اللحم- فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.

❇        
(وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
أي: وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم القيامة.
وهذه الجملة فيها اشارتين:
الاشارة الأولى هي ألا تنتظروا نتيجة أعمالكم الصالحة في هذه الحياة الدنيا، لأنكم اذا أخذتم الثواب عليها في الدنيا، فهو نعيم زائل ينتهي، أما اذا كان الثواب في الأخرة، فهذا هو النعيم الذي لا ينقطع ولا ينتهي.
الاشارة الثانية: أن كلمة (تُوَفَّوْنَ) تشير الى أنه قد يكافئ بعض المحسنين - في الدنيا- تشجيعاً لبقية المحسنين، وقد يعاقب بعض المسيئين ردعاً لبقية المسيئين، ولكن الحساب الختامي، والترصيد وتوفية الجزاء يكون يوم القيامة .

❇        

 (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ)
زُحْزِحَ يعنى تحرَّك تحرُّكًا ضئيلاً .
كأننا بسبب أعمالنا ومعاصينا وتقصيرنا نكون علي وشك الوقوع في النار، ثم تأتي رحمة الله فتدركنا قبل أن نهوي في النار.

❇        

(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)
يعنى الفوز الحقيقي يكون بالنجاة من النار ودخول الجنة
ولذلك قلت من قبل أن العالم المادي الذي نعيش فيه جعل مقياس النجاح والفوز في هذه الحياة أن تسكن في فيلا وفيها حمام سباحة، وعندك سيارة وسائق، وعندك شركة وموظفين تحت أمرك.
وكل هذا من تغرير الشيطان، ومقياس النجاح والفوز الحقيقي في الحياة هو هذه الآية 
(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)
النجاح والفوز الحقيقي في الدنيا يكون بالنجاة من النار ودخول الجنة.

❇        

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
سمي العيش في هذه الدَّار بالحياة الدنيا من الدناءة والانحطاط
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ ‏‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏(‏وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ‏).‏
المَتَاعُ هو ما يتمتع به الانسان وينتفع به
والْغُرُورِهو الخداع.
فأي شيء يمكن أن تنتفع به أو تستمتع به في هذه الحياة الدنيا هو يغرك ويخدعك 
أي شيء يمكن أن تستمتع به في الدنيا يخدعك.
كيف ؟ الإنسان يتعب ويشقي ويبذل الجهد والوقت ليدرك ما يتوهم أن فيه سعادته.
وعندما يدركه اما أنه لا يجد فيه السعادة التي كان يتوقعها، أو أن تكون سعادة مكدرة بالهموم، أو أنها سعادة سيتركها في النهاية.

❇        

هناك في العالم الان مئات أو آلاف القصور لحكام وأباطرة، فأين هم الآن ؟ أصبحت هذه القصور مزارات سياحية، اذا قمت برحلة وزرت أحد هذه القصور، اسال نفسك وأنت تتجول في غرفات القصر، أين أصحاب هذا القصر الآن ؟
أذكر أننى كنت أصلى في مسجد الرفاعي –وهو أحد المساجد الأثرية في القاهرة- وبعد الصلاة أخذت أتجول في المسجد أتفرج عليه، ثم وجدت أضرحة، فنظرت في الأسماء: الخديوي إسماعيل وأمه خوشيار هانم، والسلطان حسين كامل، والملك فؤاد ، والملك فاروق .
هذه الأسماء كانت تسكن في قصر عابدين الذي مساحته 9000 متر وحديقة 19 فدان، وهي الأن في حفرة مساحتها مترين، حتى المسجد المدفونين فيه لم يحمل اسم واحد منهم، بل اسم شيخ صوفي هو "أحمد الرافعي" وهو مدفون في العراق.
كان هناك رجل اشتري بيتًا وقضى أربعة سنوات في تأثيثه، وقبل أن ينتقل اليه بيومين أصابته أزمة قلبية، فحمل الى المستشفي ثم مات ودخل بيته ليغسل.
هناك قصة لرجل لبناني قصى 52 عامًا ليبنى القصر الذي يحلم به، فهل تستهل الدنيا كل هذا الاهتمام ؟

❇        

لنفرض أنك نزلت الى بلد ووجدت عندهم قانون عجيب للإيجارات: 
يعطوك بيت ملكًا لك ولكن لا يحق لك أن تسكن فيه فورًا، بل لابد أن تسكن في بيت ايجار أولًا قبل أن تنتقل الى البيت الذي هو ملك لك، وصاحب البيت الايجار يمكنه أن يطردك في اي لحظة، فاذا طردك تفقد كل ما في البيت ثم تنتقل بعد ذلك الى البيت الذي تملكه وليس معك أي شيء.
فهل تتصور أن هناك عاقل يضع في البيت الايجار أموال وأجهزة وأثاث وتحف، ويقضى حياته في الاهتمام به وتزيينه والاعتناء به، بينما يترك البيت التمليك خاليًا.
فالدنيا هي هذا البيت الايجار والذي يمكن أن تتركه في أي لحظة بالموت وتترك كل ما فيه، والبيت الآخر التمليك هو الدار الآخرة
ولذلك عندما قال تلميذ لشيخه: أنا أُحبك قدر الدنيا؛ فقال له: وهل أنا تافه عندك لهذه الدرجة؟

❇        

فهذه الآية فيها تزهيد في  الدنيا
وفي الخبر  "حب الدنيا رأس كل خطيئة"
الشيطان لا يترك الأنسان أبدًا، الشيطان يريدك كافرًا حتى تكون خالدًا معه في النار والعياذ بالله، فاذا يأس من هذه أغراك بالكبائر، فاذا كنت طائعًا أغراك بالصغائر، فان كنت ورعًا، بقي له ورقتان رابحتان، الأولى التحريش بين المؤمنين: المنبر كام درجة، كيف تحرك أصبعك في التشهد، والورقة الثانية أن يغريك بالمباحات، فيجعلك تمضى عمرك في تزيين حياتك، ثم يأتيك ملك الموت وأنت قد قضيت عمرك في تزيين حياتك.

❇        

في أحد فتوحات المسلمين في الدولة الأموية كان قائد الجيش "يزيد بن المهلب" وكان من ضمن الغنائم تاج فيه جواهر نفيسة، فقال يزيد لقادة الجيش: أتعلمون أحدًا يزهد في هذا ؟ قالوا: لا . قال: فاني أعلم رجلًا لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه. ثم دعا "محمد بن واسع" وكان معه جنديًا في الجيش –وقد كان عالمًا ربنانيًا- فعرض عليه التاج، فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: أقسمت عليك لتأخذه. فأخذه فأمر يزيد رجلًا أن يتبعه وينظر ماذا سيصنع بالتاج، فمر به سائل فطلب منه شيئًا، فأعطاه التاج وانصرف.

❇        

ذات سنة حَجَّ الخليفة "الوليدُ بن عبد الملك" فلما كان في المزدلفة لقي "سالم بن عبد الله" حفيد "عمر بن الخطاب"  فاراد الخليفة أن يلاطفه، وكان سالم قوي البنية مثل جده "عمر بن الخطاب" فقال له الخليفة: إنك لحسن الجِسْم يا أبا عمر ... فما تأكل ؟  . فقال : الخبزُ والزيتُ فقال : أوَ تشتهيه ؟!. فقال :إذا لم أشتهِه أتركُه حتى أجوعَ فأشتهيه 
❇        

وسنة تالية كان الخليفة "سليمان بن عبد الملك" فقدم الى مكة حاجًا، وكان يحج في هذا العالم كذلك "سالم بن عبد الله" فأقبل عليه الخليفة وقال له  سَلْنِي حاجةً أقضِها لك، فقال له سالم: والله إني لأستحي أن أكون في بيت الله؛ ثم أسألَ أحداً غيره، فانتظر حتى خرج من الحرم، ثم تبعه وقال له: ها نحن أولاء قد غدونا خارج المسجد، فسلني حاجة أقضها لك، فقال سالم : من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة ؟ . فارتبك الخليفة وقال : بل من حوائج الدنيا ... فقال له سالم : إنني لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها ؛ فكيف أطلبها ممن لا يملكها ؟ .

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇