Untitled Document

عدد المشاهدات : 652

الحلقة (253) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (3) من سُورَةِ "النِسَاء "قول الله -تَعَالي- (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْد

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الثالثة والخمسون بعد المائتين
تدبر الآية (3) من سورة "النِسَاء"

        

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) 
        

يقول تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) يعنى إِنْ خِفْتَ ان تزوجت اليتيمة، أن تضعف نفسك فتستغل يتمها، بأن لا تكون عادلًا في زواجك منها، سواء في عدم اعطائها صداقها مثل غيرها، أو في أن تسيء اليها بعد الزواج.
(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)
يعنى دع الزواج من هذه اليتيمة، حتى تكون عندها الفرصة في أن تتزوج من آخر لا يظلمها، وتزوج أنت من غيرها (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) يعنى تزوجوا ما تطيب له نفوسكم مما أحل الله لكم من النساء.
(مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) يعنى النساء كثيرات، وقد أباح الله لك أن تتزوج (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) أي امرأتين أو ثلاثة أو أربعة.

        

هذه الآية الكريمة تعالج محاولة البعض أن يتزوج من اليتيمة حتى يستغل ضعفها، فلا يعطيها ما تستحق من صداق، وحتى اذا اساء اليها لا تجد من يقف الى جوارها.
أذكر أن مدير أحد دور الأيتام قال لى أنه يأتيه الكثير يطلب الزواج من فتيات في الدار، ولم أكن متنبهًا وقتها الى هذا التوجيه القرآني في سورة النساء، ولكن فسرت وقتها هذا الأمر بنفس ما نهت عنه هذه الآية الكريمة، أن هذا الخاطب يعلم أن صاحب الدار سيتساهل في صداق الفتيات اليتيمات عنده، وحين يظلمها لن يجد من يقف الى جوارها. 
اذن هذا التوجيه القرآني توجيه راقي، يدافع فيه الله تعالى عن الفتيات اليتيمات، كأن الله تعالى يقول أن اليتيمة لا ولى لها يدافع عنها أو تلجأ اليه، وأنا ولى هذه اليتيمة وأحذرك من أن تظلمها.

        

ومن جهة أخري فقط قيدت هذه الآية تعدد الزوجات بحيث لا تزيد عن أربعة، لأن الرجل كان في الجاهلية يتزوج ما يشاء من العدد، فكان يمكن أن يتزوج عشرة من النساء وربما أكثر، فلما نزلت هذه الآية فمن كان متزوجًا بأكثر من أربعة طلق ما زاد عن أربعة وأمسك أربعة منهن.
        

ثم قيدت الاية بعد ذلك التعدد بالعدل بين الزوجات فقال تعالى:
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يعنى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين الأربعة في النفقة والمبيت والحقوق الشرعية، وغير ذلك من الأمور المادية، فتزوج من ثلاثة، فان خفت ألا تعدل بين ثلاثة زوجات فتزوج من اثنتين، فان خفت ألا تعدل بين زوجتين اثنين فتزوج من واحدة فقط، فان خفت ألا تعدل مع زوجة واحدة، فلا تتزوج، واكتفي بملك اليمين، لأن ملك اليمين ليس لهن من الحقوق مثل الزوجة. 
وملك اليمين أمر لم يعد موجودًا الآن، لأن البعض يحاول أن يتحايل على هذه النقطة.

        

اذن الحكم الشرعي باباحة تعدد الزوجات مقيد بالعدل بين الزوجات، فاذا أخذت الحكم بالتعدد فلابد أن تأخذه من كل جوانبه، لابد أن تأخذ جانب العدل مع جانب التعدد 
بل الحكم بالعدل مقدم عن الحكم بالتعدد، يعنى قبل أن تتزوج لابد أن تكون متأكدًا من أنك ستستطيع العدل بين زوجاتك، بل هو مقيد بالشك في عدم العدل، وليس اليقين بعدم العدل، ولذلك قال تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) يعنى: فَإِنْ ظننتم أَلَّا تَعْدِلُوا، فلا تأخذ بالتعدد.

        

(ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) أدني يعنى أقرب، والعول هو الميل 
كانت العرب تقول: عال السهم عن الهدف أي مال عنه .
والمعنى أن ذَلِكَ أقرب ألا تجوروا وتظلموا
وقال تعالى (أَدْنَى) أي أَقْرَبُ لأن العدل الكامل بين الزوجات لا يمكن بلوغه، لأن العدل الكامل يعنى العدل كذلك في الميل القلبي بين الزوجات، وهذا أمر لا يمكن للإنسان التحكم فيه ولذلك كان الأمر للرجل بالعدل في الأمور المادية كالنفقة والمبيت والحقوق الشرعية، ليكون أَقْرَبُ الى العدل. 

        

قوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يعنى ان خفت ألا تعدل مع زوجة واحدة فلا تتزوج، واكتفي بملك اليمين، لأن ملك اليمين ليس لها من الحقوق مثل الزوجة، وقلنا أن ملك اليمين لم يعد موجودًا الآن، وجميع محاولات الالتفات على هذه الأمر يدخل في قبيل الزنا والاغتصاب.
وهذا يعنى أن من يخاف ألا يعدل مع زوجة واحدة ألا يتزوج، نجد الآن الكثير من الحالات، الرجل مريض لا يستطيع معاشرة زوجته، أو مريضًا مرضًا مزمنًا، أو لا يستطيع أن ينفق على زوجته، أو العكس الفتاة مريضة مرضًا مزمنًا، أو لا تنجب، ثم يخفي عن الطرف الآخر، ويشترك كل الأهل في هذا الأمر الغير أخلاقي، وفي هذه الجريمة، وهي جريمة اخفاء حقيقة الزوج

        

اذن هذه الآية لها عدة مقاصد
المقصد الأول: حذرت من ظلم اليتيمات، فان خفت من ظلم اليتيمة، فلا تتزوجها واترك لها فرصة الزواج من رجل آخر لا يظلمها.
المقصد الثاني: قيدت تعدد الزوجات بحيث لا تزيد عن أربعة.
المقصد الثالث: قيدت التعدد بالعدل بين الزوجات، فان ظننت أنك لن تعدل بين زوجاتك فلا تعدد.
المقصد الرباع: قيدت الزواج بالقدرة على القيام بحقوق الزواج، فمن ظن أنه لن يستطيع القيام بحقوق الزواج، فلا يتزوج.

        

ومن روعة الأداء القرآني أن يأتي حكم التعدد في هذا الموضع، لأن حكم التعدد جاء ليرد من أراد ظلم اليتيمة عن الظلم، فالآية تقول اياك أن تتزوج اليتيمة وتظلمها، فان ظننت أنك ستظلمها فلا تتزوجها، وعندك النساء كثيرات مثنى وثلاث ورباع، ثم قيد هذا التعدد بالعدل، كأنه يقول لك ليس من المعقول أن ترد نفسك عن الظلم بالزواج من اليتيمة، لتوقع نفسك في ظلم آخر بالتعدد.
        

اذن ملخص تدبر هذه الآية الكريمة العظيمة: (إِنْ خِفْتَ) يعنى ان غلب على ظنك، ان تزوجت اليتيمة، أن تستغل يتمها، فلا تعدل في زواجك منها، سواء في عدم اعطائها صداقها مثل غيرها، أو في أن تسيء اليها بعد الزواج.
فدع الزواج من هذه اليتيمة، حتى تكون عندها الفرصة في أن تتزوج من آخر لا يظلمها، وأنت أمامك الكثير من النساء (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ولكن هذا التعدد مقيد كذلك بالعدل، فان لم تستطع العدل بين زوجاتك، فلا تعدد واكتفي بزوجة واحدة، واذا لم تستطع أن تعدل مع زوجة واحدة، فلا تتزوج 

        

أحد التابعين استدل بهذه الآية استدلللًا ذكيا:
أتت امرأة الى "عمر بن الخطاب" وقالت له: يا أمير المؤمنين , إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه , وهو يعمل بطاعة الله عز وجل.
فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك.
وكان عند عمر "كعب الأسدي" وهو من كبار التابعين، فقال: يا أمير المؤمنين, هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه
 فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما
فقال كعب: علي بزوجها. فلما جاء قال له كعب: إن امرأتك هذه تشكوك .
فقال الرجل: زهدني فيها ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطوال.
فقال كعب الأسدي: ثم قال: إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام تعبد فيهن ربك، ولها يوم فقال عمر، والله ما أدري من أي أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ ثم قال له: اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇