Untitled Document

عدد المشاهدات : 501

الحلقة (257) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (7) من سُورَةِ "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة السابعة والخمسون بعد المائتين
تدبر الآية (7) من سورة "النِسَاء"

        

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) 
        

تحدث الله تعالى في آيات سابقة عن الأيتام، ثم أتبع ذلك بذكر المواريث.
وكان أهل الجاهلية لا يورثون الا الرجال الكبار، فكانوا لا يورثون النساء، ولا يورثون الصبية الصغار.
وكانوا يقولون: لا يرث إلامن ضارب بالسيف، وطاعن بالرمح، وحاز الغنيمة.
فاذا مات الرجل وكان عنده مال، وترك أرملة وبنات فكانوا لا يرثون منه شيئًا، واذا مات وترك صبية صغارًا أيتامًا لا يرثون منه شيئًا  
وكان هذا غاية الظلم والقسوة لأن هذه المرأة الأرملة وهؤلاء البنات وهؤلاء الأيتام الصغار أحق بالمال وأكثر حاجة الى المال من الرجال الكبار، لأن هؤلاء الرجال يستطيعون العمل والتكسب، أما النساء والصبية فلا يستطيعون العمل.
 فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) ليعلن التشريع لأول مرة أن المرأة سيكون لها نصيب في التركة، كما أن الرجل له نصيب في التركة.
واكتفت الآية بهذا الاعلان، لتكون تمهيدًا وتوطئة لآيات المواريث التي ستأتي بعد ذلك، والتي بينت نصيب كل وارث.
(وهي الآيات 11 و 12 و176 من سورة النساء) 
وهذا من خصائص التشريع الاسلامي، وهو التدرج في التشريع، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على النفس.

        

وهذه الآية ارتبطت بحادثة أظهرت ما كان عليه نظام الميراث قبل الاسلام من ظلم، هي أن أحد الصحابة من الأنصار واسمه "أوس بن ثابت" قتل يوم أحد، وترك زوجة، يقال لها أم كُجَّة ، وثلاث بنات، وكان عنده مال ، فأخذا ابنا عم "أوس" واسمهما: سويد وعرفجة المال كله، فجاءت امرأة أوس بن ثابت الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقالت له: يارسول الله ان أوس بن ثابت قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُد، وترك معي بنات، وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً، وهو عند سويد وعرفجة، ولم يعطياني شيئاً.
فنزلت هذه الآية الكريمة (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) فأرسل الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  إلى سويد وعرفجة: لا تفرّقا من مال أوس شيئاً فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً ولم يبين، ثم نزلت (يُوصِيكُمُ الله) فأعطى أم كُجَّة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم.

        

أحد العلماء وهو يقرأ هذه الآيات في الصلاة أخذ يبكي، فتعجب تلامذته، وقالوا له: تبكي في آيات لم يذكر فيها لا جنة ولا نار، فقال: استحضرت رحمة الله بخلقه أن قسم لهم ارزاقهم.
        

يقول تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)
والْوَالِدَانِ هما الأب والأم
وقال تعالى (الْأَقْرَبُونَ) ولم يقل الأقارب، لأن الْأَقْرَبُونَ يعنى شديدي القرب، مثل الأبناء والأزواج والاخوة، وهؤلاء الذين يرث الانسان منهم، أما كلمة "الأقارب" فهي تشمل الأقارب البعيدين وهؤلاء يرث الانسان منهم. 

        

ثم قال تعالى (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) 
وهذا تأكيد لنصيب المرأة في التركة، فسواء كانت التركة قليلة أو كبيرة فلها نصيبها الذي فرضه الله لها. 
وقوله تعالى  (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) يعنى أن كل شيء يتركه الميت لا بد أن يقسم على الورثة، سوءا كثيرًا أو قليلًا.
وهذه من الأمور التي يتساهل فيها الناس، فلو تركت الأم ذهبًا تأخذه البنات، ويقلن الرجال لا يلبسون هذا الحلى، أو ترك الأب سيارة يأخذها الأخ الأكبر ويقول الصغير لا يقود السيارة.
وهذا كله خطأ، والذي ينبغي فعله اذا مات لنا ميت، علينا أن نجمع كل ما يخصه، ونجمع جميع الورثة، فاذا كانوا جميعًا بالغين، وقال أحدهم أنا أريد من الملابس كذا، وقال الآخر أنا أريد الساعة، وقال ثالث أنا أريد الموبايل، وتوافقوا على ذلك، فهذا يجوز. 
واذا كان من ضمن التركة شيئًا لم يتوافقوا عليه، فيقيم هذا الشيء، ويدفع ثمنه من يريده، ويدخل الثمن من ضمن التركة.
اذا كان هناك ذهب من ضمن التركة، فلا تأخذه البنات –كما يحدث- وانما يقيم سعره، وتدفع البنت ثمنه، ويقسم بين الورثة، وهي منهم.

        

واذا تنازل أحد الورثة عن نصيبه في شيء فهذا جائز، ولكن ينبغي التنبه لأمرين:
الأول: ألا يأخذ أحد شيء بسيف الحياء، فما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، وهذا ليس بحديث وانما من أقوال العلماء، ولكن معناه صحيح، لقول الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  
"لا يَحِلُّ مالُ امرِيءٍ مُسلمٍ إلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنهُ"
الثاني: فلا بد أن يكون هذا الوارث الذي يتنازل عن حقه بالغ عاقل، فلا يجوز أن تتنازل الأم نيابة عن أبناءها الصغار، فالأم لها الحق أن تتناول عن نصيبها هي، ولكن ليس لها الحق أن تتنازل عن نصيب غيرها
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (نَصِيبًا مَفْرُوضًا) 
أي أن هذا النصيب أمر فرضه الله -تَعَالي- للمرأة، وفرضه علينا، وهذا تأكيد لنصيب المرأة في التركة
ولذلك يطلق على علم المواريث علم الفرائض.
وقد وصى الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بتعلم هذا العلم، ورد في الأثر "تعلموا الفرائض وعلموه الناس"

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇