Untitled Document

عدد المشاهدات : 568

الحلقة (259) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (9) و(10) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة التاسعة والخمسون بعد المائتين
تدبر الآيتين (9) و(10) من سورة "النِسَاء"

        

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
        

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
الحديث هنا للأوصياء على الأيتام، فيقول تعالى وَلْيَخْشَ أي: ولْيَخَفِ الأوصياء على الأيتام لو ظلموا الأيتام الذين في وصايتهم، أن يموتوا هم، ويتركوا أبنائهم الصغار، فيظلم أحد أبنائهم كما ظلموا هم هؤلاء الأيتام.
فان كنت تخاف على أبناءك من بعدك، فاتقي الله في الأيتام الذين في وصايتك، لأن الجزاء من جنس العمل، فان اتقيت الله في الأيتام الذين في وصايتك، سخر الله لك بعد موتك من يتقي الله في أبناءك.

        

(وَلْيَخْشَ) أي وليخف من الأوصياء على الأيتام.
(الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ) أي تَرَكُوا بالموت.
(ذُرِّيَّةً ضِعَافًا) أبناءًا صغارًا أيتام، لا حول لهم ولا طول.
(خَافُوا عَلَيْهِمْ) أي خَافُوا عَلَيْهِمْ من الحياة ومصاعبها ومن المجتمع، بعد موتهم.
(فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) أي فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في الأيتام الذين في وصايتهم، وافعلوا معهم ما تحبون أن يفعل بأولادكم ان متم وتركتموهم، يقول الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"

        

وليس الحديث للأوصياء على الأيتام فقط، فمن كان الصلاح حاله مع الله تعالى، حفظ الله له ذريته بعد موته بصلاحه، وفي الحديث" إن الله يحفظ الرجلَ الصالح في ذريته"
وبذلك تعيش وأنت مطمئن على أولادك، وتموت أنت مطمئن عليهم.
وقد جاءت الإشارة بذلك في سورة الكهف ، فقد سخر الله أفضل رجلين في زمانهما وهما موسى والخضر –عليهما السلام- ليعملا في بناء جدار، حتى يحفظ لغلامين يتيمين مالهما، وكان ذلك كرامة لأبوهما الصالح، قال تعالى (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)

        

 (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)
القول السديد هو القول المسدد نحو الحق، المصيب للهدف.
والمعنى أن تكلم اليتيم كلامًا تؤدبه به وتوجهه، لأنه ليس عنده أب يتحدث اليه يؤدبه ويوجهه، وأن يكون هذا الكلام بالهدوء واللين واللطف، لأن اليتيم يكون مرهف الحسّ يمكن لأي كلمة أن تجرحه.

        

قال بعض المفسرون أن هذه الآية خطاب للموصين بألا يسرفوا في الوصية لغيرهم، ويتركون ورثتهم فقراء، كمن يريد أن يوصى بثلث تركته، وهو أكثر ما يجوز في الوصية، وهو عنده أيتام صغار يحتاجون الى هذا المال . 
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
أي فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في وصيتهم، وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في وصيتهم.
يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  لسعد بن أبى وقاص : "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس

        

(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
مر بنا العديد من الآيات التي تحذر من أكل مال اليتيم، وهذه الآية الكريمة هي أشد الآيات وعيدًا لمن يأكل مال اليتيم.
فيقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) ودائمًا يعبر عن الاستيلاء على مال اليتيم بالأكل، كأن من يستولى على مال اليتيم شخص نهم شره، حتى نحن نقول في التعبير الشعبي "فلان بطنه واسعة"

        

وقوله تعالى (ظُلْمًا) للتشنيع على هذا الفعل، وفي نفس الوقت يقيد الله تعالى الأكل بحالة الظلم، لأن مال اليتيم يمكن أن يؤكل ليس على وجه الظلم ولكن على وجه الاستحقاق، كمن يبيع لليتم شيئًا ويقبض ثمنه، أو كما في حالة الولي الفقير الذي يأكل بالمعروف أي على قدر عمله، قال تعالى (وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف)
يقول تعالى (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) 
(إِنَّمَا يَأْكُلُونَ) اسلوب حصر
وقوله تعالى (فِي بُطُونِهِمْ) أي ملأ بُطُونِهِمْ، كانت العرب تقول: أكل فلان في بطنه أي أكل ملء بطنه.

        

(إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)
لأن الجزاء من جنس العمل، فكما يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا يعذبون بأن يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا.
.
يقول الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "يُبعَثُ يومَ القيامةِ قومٌ من قبورِهم تأجَّجُ أفواهُهم نارًا" . فقيل: من هم يا رسولَ اللهِ ؟ قال : "ألم ترَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا"

يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رأيت ليلة أسري بي: رِجَال كُلّ رَجُل مِنْهُمْ لَهُ مِشْفَر كَمِشْفَرِ الْبَعِير (المِشْفَر شَفَةُ البعيرِ الغليظة) ثُمَّ يُجَاء بِصَخْرَةٍ مِنْ نَار فَتُقْذَف فِي أَحَدهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ أَسْفَله، وَلَهُمْ جُؤَار وَصُرَاخ (والجُؤَار هو صوت الثور) قُلْت : يَا جِبْرِيل مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
        

 (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)
 أي سيدخلون ناراً هائلة مستعرة.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇