Untitled Document

عدد المشاهدات : 596

الحلقة (270) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآيتين (29) و(30) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة السبعون بعد المائتين
تدبر الآيتين (29) و(30) من سورة "النِسَاء"

❇        

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) 
❇        

تحدثت الآيات السابقة عن شهوة النساء، ثم انتقلت بعد ذلك الى الحديث عن شهوة المال، وربما أن التشريع الاسلامي في تسعة أعشاره يتعلق بالمال والنساء، ونحن نري أن الرجال في العالم كله لا يسقطون الا بإحدى هاتين الفضيحتين، اما فضيحة مالية أو فضيحة جنسية، فمن اتقي الله تعالى في شأن النساء وفي شأن المال، فقد اجتاز أصعب اختبارين في هذه الحياة.
❇        

يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ(
ينهي الله تعالى عن أكل المال بالباطل، وأكل المال بالباطل هو أخذ المال بغير وجه حق، كالسرقة والاحتيال والغصب والرشوة والقمار والربا والتسول و غير ذلك
ويجب أن ننتبه الى أن هذا النهي عن أكل المال بالباطل، لا يختص بأكل أموال الأفراد فقط ولكنه يشمل –كذلك- النهي عن أكل الأموال العامة، لأن البعض يتورع عن الاعتداء على أموال الأفراد، ولكنه يستحل أموال الدولة، فيقوم بالبناء مثلًا على قطعة أرض ملك للدولة ولا يري ذلك حرامًا، أو ينقب عن الآثار ويتجر فيها ولا يري في ذلك شيئًا، أو يتلف شيئًا من الممتلكات العامة في الطرق أو المواصلات ولا يري في ذلك شيئًا، أو يستغل سيارة المؤسسة التي يعمل بها، أو يستغل مرؤسيه في أموره الشخصية،  فأكل الأموال العامة لا يقل حرمة عند الله ان لم يكن أكثر حرمة من أكل اموال الأفراد.
قال العلماء ويدخل فيها أيضًا أن يأكل المسلم ماله، أي ينفق ماله على وجه الاسراف.

❇        

(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) 
نحن نعلم أن (إِلَّا) هي أداء استثناء
والاستثناء في اللغة نوعان: استثناء متصل، واستثناء منقطع.
فالاستثناء المتصل يعنى المستثنى من جنس المستثنى منه، فهذا مثل قوله تعالى في سورة البقرة (فشربوا منه إلا قليلا منهم)
أما الاستثناء المنقطع –كما في هذه الآية- يعنى ما بعده لا علاقة له بما قبله، يعنى ما بعد (إِلَّا) منقطع عما قبلها
وهذا مثل قوله تعالى في سورة الحجر (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) فهذا الاستثناء لا يعنى أن ابليس من الملائكة، فما بعد (إِلَّا) وهو (إِبْلِيسَ) منقطع عنا قبلها وهم (الْمَلَائِكَةُ) فيكون المعنى: سجد الْمَلَائِكَةُ ولم يسجد إِبْلِيسَ.

❇        

وهنا في هذه الآية، قول الله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (إِلَّا) استثناء منقطع، فيكون المعنى: لا يحل لكم أخذ المال بغير وجه حق، ولكن كسب المال الحلال يكون بالتجارة.
والشرط الذي وضعته الآية هوأن تكون التجارة عَنْ تَرَاضٍ وطيب نفس بين البائع والمشتري.
وليس المقصود بالتجارة هو فقط البيع والشراء في الأسواق، ولكن أي نوع من أنواع تبادل المنافع بين اثنين فهو تجارة.
فالطبيب الذي يقوم بعلاج المريض مقابل أجر فهو تجارة، المهندس الذي يبني بناء مقابل أجر فهو تجارة، المحامي الذي يرفع قضية فهو تجارة، المحاسب الذي يمسك الحسابات تجارة، السباك الذي يصلح حنفية تجارة، سائق التاكسي الذي يوصل أحد تجارة.
والشرط الذي وضعته الآية للربح الحلال هو أن يكون هذا التبادل للمنافع عَنْ تَرَاضٍ وطيب نفس بين الطرفين.
فاذا احتكر تاجر أو مجموعة من التجار سلعة وقاموا ببيعها بسعر مرتفع، فان هذه المعاملة ليست عن تَرَاضٍ بين البائع والمشتري، حتى لو ذهب المشتري بنفسه ودفع ثمن السلعة واشتراها، فان هذا لا يعنى أنه قد اشتراها برضى وطيب نفس، ولكنها اشتراها لأنه يحتاج اليها ولا يجدها الا بهذا السعر.
اذا ذهب المريض الى طبيب حاذق وأخذ منه كشفًا مرتفعًا مبالغًا فيه، ليس معنى أنه ذهب الى الطبيب بنفسه ودفع قيمة الكشف المرتفع أن ذلك كان برضى نفس منه، ولكنه فعل ذلك لأنه في حاجة الى هذا الطبيب.
اذا غالى أصحاب المدارس الخاصة في المصاريف السنوية، ليس معنى سداد أولياء الأمور للمصاريف الدراسية أن هذا كان برضى نفس منهم، ولكنهم يريدون مستوي دراسيًا جيدًا لأولادهم، ولا يجدونه الى في المدارس الخاصة، فيضطرون الى دفع هذه المصاريف الدراسية العالية، وهم غير راضين على هذه المعاملة.
اذن أشكال عدم الرضى في التجارة كثيرة جدًا، وهذا من أسباب عدم وجود البركة في اموالنا.
أعرف تاجر سيارات قال لي أنه لا يشتري أبدًا سيارة من شخص مضطر الى بيعها.

❇        

(وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)
هذا النهي عن قتل النفس يحمل أكثر من معنى.
فهو نهي عن قتل الغير وعبر تعالى بأنفسكم للإشارة الى ان المؤمنين وحدة واحدة، كما في قوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)
وهذا أيضًا له صورة كثيرة: فالذي يستورد طعامًا فاسدًا أو مسرطنًا يقتل غيره، والطبيب الذي يهمل في علاج المريض يقتل غيره، والمهندس الذي يغش في مواد البناء يقتل غيره، والذي يقود سيارته بسرعة، أو الذي يتساهل مع ابنه ويعطيه سيارة وهو يعلم أنه متهور في قيادته يقتل غيره، وهكذا.

❇        

والآية فيها أيضًا النهي عن قتل النفس، أي الانتحار، لأن حياة الإنسان ملك لواهبها وهو الله تعالى، فلا يحل لصاحبها التصرف فيها.
ولأن قتل النفس هو قمة التذمر وعدم الرضا على قضاء الله -تَعَالي- وقدره، حتى ذهب بعض أهل العلم الى أن قتل النفس أشد حرمة من قتل الغير.


❇        

ويدخل فيها أيضًا النهي عن تعريض النفس للمخاطر، كممارسة بعض الرياضات الخطيرة، مثل القفز بالدراجات النارية أو الطيران الشراعي، أو تسلق الجبال بدون معدات، ففي هذه الرياضات تبلغ نسبة الوفاة 1 من كل الف.
أو سباقات السيارات، سواء القانونية أو غير القانونية، أو ما يطلق عليه الشباب في السعودية ودول الخليح "التفحيط" والتفحيط كلمة عامية لا جذر لها في اللغة العربية الفصحي، فهذه ممارسات تخلف ورائها آلاف الضحايا من القتلى والمصابين.
روي أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعث "عمرو بن العاص" الى سرية يقال لها ذات السُلاسِل، فاحتلم "عمرو بن العاص" في ليلة شديدة البرودة، فخشي على نفسه ان اغتسل أن يقتله البرد، فتيمم وصلى بالجيش صلاة الصبح، فلما رجعوا الى المدينة ذكروا ذلك للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال له الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فقال عمرو بن العاص: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد، وذكرت قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فتبسم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يقل شيئًا، وتبسم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعدم انكاره تشريع، الشاهد أن "عمرو بن العاص" احتج بهذه الآية بين يدي الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في النهي عن تعريض النفس للمخاطر


❇        

ويدخل في قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) النهي عن قتل المسلمين بعضهم بعضا
روي أنه قبل معركة صفين والتي كانت بين جيش علي بن أبي طالب ومعاوية، خرج "مسروق بن الأجدع" وهو من التابعين ووقف بين جيش على وجيش معاوية، وقال يا أيها الناس أرأيتم لو أن منادياً ناداكم من السماء وقال‏:‏ إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم منتهين‏؟‏ قالوا‏:‏ سبحان الله.. نعم قال‏:‏ فوالله لقد نزل بذلك جبريل على محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ثم انصرف.

❇        

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) وذلك بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل أنفسكم.
وقد قلنا أن من معاني قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أن الله تعالى ينهي عن قتل النفس أي الانتحار، يقول أحد العلماء هذا دليل على أن الله تعالى أرحم علينا من أنفسنا
يقول حماد بن سلمه (والله لو خُيرت بأن يحاسبني الله او يحاسبني أبي وأميلاخترت ان يحاسبني الله فهو ارحم بي من أبي وأمي)

❇        

(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ من أكل الأموال بالباطل، ومن قتل النفس 
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًافَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا)
والعدوان تجاوز الحد
والظلم وضع الشيء في غير موضعه
لماذا قال تعالى عُدْوَانًا وَظُلْمًا في وصف أكل أموال الناس أو القتل ؟ لأن من يعتدي على مال غيره، أو يقتل غيره، قد يكون متعمدًا وقد يكون ذلك عن طريق الخطأ، فقد يتلف أحد مال غيره عن طريق الخطأ، أو يقتل غيره عن طريق الخطأ.
فاذا كان متعمدًا فهو معتدي وظالم، واذا لم يكن متعمدًا فهو معتدي ولكن ليس ظالمًا.
ولذلك قال تعالى (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) حتى يكون الوعيد لم اعتدي وتعمد الاعتداء، ولا يكون هذا الوعيد لمن اعتدي بالخطأ دون أن يتعمد الاعتداء.

❇        

(فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) أي فَسَوْفَ ندخله نَارًا
كانت العرب تقول: شاة مصلية أي شاة مَشْوِيَّةٍ
وذكرت النار نكرة تعظيمًا لها.
(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أي أن هذا العذاب الهائل أمر يسير وهين على الله تعالى، لأنه تعالى لا أحد يمنعه تعالى.

❇        

وبعد هذا الوعيد الشديد يفتح القرآن العظيم باب الرحمة للناس فيقول تعالى(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيما)

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇