Untitled Document

عدد المشاهدات : 538

الحلقة (289) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (78) و (79) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- )أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّه

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة التاسعة والثمانون بعد المائتين (289) (ص 90)
تدبر الآيتين (78) و (79) من سورة "النِسَاء"

        

(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) 


        

قال تعالى في الآية السابقة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ)
وقلنا أن سبب نزول الآية أن جماعة من صحابة الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كانت قريش تؤذيهم وهم في مكة قبل الهجرة، فاستأذنوا الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قتال كفار قريش سرًا، أي يقوموا بعمليات قتل انتقامية سرية، فلم يأذن لهم الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقال لهم: "إنِّي أُمِرتُ بالعفوِ فلا تُقاتِلوا القومَ" فلما هاجر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد ذلك من مكة الى المدينة، وفرض الله تعالى عليهم الجهاد، تراجع البعض وجبن عن القتال، يقول تعالى (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)
ثم يقول تعالى في هذه الآية الكريمة (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ)
(يُدْرِكُكُمُ) يعنى يلحقكم ويصل اليكم
كانت العرب تقول أدْرَكَ الشيءَ أي لَحِقَهُ، ولذلك هناك فرقة في الجيش يطلق عليها "الدَّرَكِ" تكون من مهماتها ملاحقة الفارين.
فقوله تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ) يعنى الموت سيصل اليكم في أي مكان تكونون فيه، كأن الموت كائن حي يسعي خلفك فاذا أدركك ووصل اليك سلب منك روحك.
ولذلك قالوا "الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك".

        

(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) 
يعنى سيُدْرِكُكُمُ الموت حتى لو تحصنتم منه فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
وكلمة بروج يعنى حصون، ومادة الباء والراء والجيم تأتي بمعنى الظهور، والمرأة المتبرجة هى التى تظهر مفاتنها، فسمي الحصن برجًا لارتفاعه وظهوره.
ومشيدة يعنى محكمة البناء. 
والمعنى أن الموت سيصل اليك حتى لو تحصنت منه داخل حصون منيعة محكمة البناء.
وهذا مثل قوله تعالى في سورة الجمعة (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)
رأينا أشهر مغنٍّ في تاريخ الغناء في العالم وهو "مايكل جاكسون" كانت له غرفة خاصة من الأكسوجين اسمها غرفة الشباب مخصصة لإطالة العمر، وكان يقول سأعيش 150 سنة على الأقل، وكان له طبيب خاص، له راتب شهري 150 ألف دولار، أي حوالى 2.5 مليون جنيه، وفجأة مات في سن الخمسون عامًا
بينما"خالد بن الوليد" عندما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهائها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. 

        

(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
قال القرطبي: نزلت هذه الآية في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه .
يقول تعالى (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعنى هؤلاء اليهود والمنافقون ان جاءهم خير من خصب أو كثرة مال أو صحة أو غير ذلك (يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعنى هذا الخير من عند الله تعالى، وهم لا يقولون هذا شكرًا لله تعالى، ولكنهم لأنهم لا يريدون أن ينسبوا الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا الخير.
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) يعنى وان يصب هؤلاء اليهود والمنافقونأي أمر سيء مثل الجدب أو الفقر أو المرض أو موت الأولاد (يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي يَقُولُوا هذا بشؤم محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو بسبب سوء قراراته
وهذا كما قال قوم فرعون (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) وكما قال قوم صالح (قالوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) وقول قوم ياسين لرسلهم (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ) 
(قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعنى قل لهم يا محمد أن الحسنة والسيئة من عند الله تعالى، أي بقضاءه تعالى وقدره، فلا شيء يحدث شيء في هذا الكون الا بتقدير الله تعالى وأمره
وهي سيئة من وجهة نظرهم، ولكنها في الحقيقة ليست سيئة
مثال رجل أهمل في زراعة أرضه، فجاء المحصول ضعيفًا، فهذه سيئة بالنسبة له، ولكنها حسنة بالنسبة للمجموع، لأن ذلك سيجعل كل مزارع يهتم بعمله، ولذلك قالوا أن الله تعالى لا يأتي الا بخير.
(فَمَالِ هؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) الفقه هو الفهم، فهؤلاء الذين يقولون هذا الكلام لا يعقلون ما يقولون.
وهذا كما تصف أحدهم بالحمق فتقول له أنت لا تدري ما تقول.
وقوله تعالى (لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) يعنى لا يقتربون حتى من الفهم.
لأن العقل يقول لو كان ما يصيبهم بسبب الشؤم، فمن باب أولى أنه يصيبهم بسبب شؤم عدم اتباعهم للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 

        

(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) أي من نعمة (فَمِنَ اللَّه)ِ 
(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) أي من مصيبة
(فَمِنْ نَفْسِكَ) أي بسبب ذنوبك
وقال البعض أن الحسنة هو انتصار بدر والسيئة هزيمة أحد، ولو كان هذا هو المقصود فالعبرة بعموم اللفظ وليس خصوص المعنى.
يقول تعالى في سورة الشوري (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير)
وقال تعالى: في سورة الروم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وكان أحد السلف يقول "إني لأرى شؤم معصيتي في سوء خلق امرأتي ودابتي."
هناك قصة قصها شاب، يقول أنه شاب رياضى قوي البنية، وكان يسكن في الحي الذي فيه شاب متدين، وكان يكرهه بشدة، يقول: لم أكن أكرهه الا لأنه متدين، يقول: وسلطت عليه فتاة ساقطة واتهمته بالتحرش، ثم قمت أنا بضربه بعنف وقسوة، ومرت سنوات ورزقت بطفل معاق، ثم تراكمت على الديون وفقدت عملى بسبب الجري في المستشفيات، يقول ومع كل مصيبة كنت أعلم أن هذه المصيبة بسبب شؤم معصيتى حين أتهمت هذا الشاب في عرضه واعتديت عليه بالضرب.
(وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) يعنى الرسول مبلغ عن الله، ومادام الرسول مبلغ عن الله، فأي شيء يحدث فهو من الله وليس من الرسول.
(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي يكفي الله شاهدًا عليك وعليهم، وهذه فيها تطمين للرسول وتهديد لهم.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇