Untitled Document

عدد المشاهدات : 308

الحلقة (319) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (157) و(158) من سورة "النِسَاء "قول الله -تَعَالي- (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة (319)
تدبر الآيتين (157) و(158) من سورة "النِسَاء "(ص 103)

❇        

(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) 
❇        

يعنى قال بنو اسرائيل على سبيل التفاخر والتبجح أنهم قتلوا المسيح بن مريم -عَلَيْهِ السَّلَام- 
وبالرغم من أنهم لم ينجحوا في قتل المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- ونجاه الله -تَعَالي- تعالى منهم، الا أن هذا القول في حد ذاته يعتبر جريمة ، لأنهم أولًا يقولون ذلك على سبيل التفاخر والتبجح –كما ذكرنا- وأيضًا لأن هذا القول يدل على أنهم حاولوا قتل المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- والشروع في القتل جريمة في حد ذاتها في كل الشرائع والقوانين، في القانون المصري –مثلًا- تصل عقوبة الشروع في القتل الى السجن المشدد 15 سنة.

❇        

والمسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- بُعِثَ الى بنى اسرائيل، فلما بُعِثَ اليهم رفضوا دعوته، بالرغم من أن التوراة التي بين أيديهم فيها التبشير بعيسي -عَلَيْهِ السَّلَام- وظلوا يَدُسُون له عند قيصر الروم والذي كان يحكم المنطقة  في ذلك الوقت، ويغرونه بالقبض عليه وقتله، ويقولون له أن عيسي يريد نقض حكمك، حتى أمر القيصر بالقبض عليه وقتله.
❇        

يقول تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)
وقوله تعالى (رَسُولَ اللَّهِ) اما أن ذلك من قولهم، يعنى قالوا ذلك تهكمًا واستهزاءًا بعيسي -عليه السلام- كما قال تعالى في سورة الحجر حكاية عن المشركين (وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) 
أو أن ذلك من قول الله تعالى، يعنى قالوا هذا على عيسي الذي هو رسول الله، فيكون ذلك للتشنيع عليهم.

❇        

ثم رد الله تعالى على مزاعمهم الكاذبة، فقال تعالى (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)
كيف شُبِّهَ المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام-على اليهود ؟ 
هناك روايتين لما جري:
رواية تقول أن أحد أصحاب المسيح واسمه "يهوذا الإسخريوطي" خان المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- ودل الجنود الرومان على مكان المسيح، مقابل ثلاثين درهم من الفضة، فلما دخل الجنود للقبض على المسيح، رفع الله تعالى المسيح من نافذة صغيرة في الجدار أو السقف، وألقي الله تعالى شبه المسيح على هذا الرجل الخائن، فقبضوا عليه، وهم يعتقدون أنه المسيح، وأخذ هذا الرجل يصيح بهم "إني لست بصاحبكم أنا الذي دللتكم عليه" ولكنهم لم يصدقوه، فصلبوه ونجي الله المسيح –عليه السلام- من القتل والصلب. 

❇        

الرواية الثانية وهي رواية صحيحة عن ابن عباس –رضى الله عنهما- أن المسيح كان مطاردًا من الجنود الروم، وكان مختبأً في أحد البيوت مع اثنى عشر من تلاميذه، فلما جاء الجنود الروم ليقبضوا عليه وأحاطوا بالبيت الذي هو فيه، قال المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- لتلامذته: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام أحد تلامذته وكان أصغرهم سنًا، فقال: أنا، فقال له المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- : اجلس، ثم أعاد عليهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام الشاب مرة ثانية، وقال: أنا ، ثم مرة ثالثة، وقال الشاب: أنا، فقال له المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام-: أنت هو ذاك، فألقي الله -تَعَالي- شبه المسيح على هذا الشاب، ورفع المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- من نافذة صغيرة، ودخل الجنود فأخذوا هذا الشاب وصلبوه ومات شهيدًا.
❇        

كثيرًا ما ترد أسئلة عن من هو الشخص الي صُلِبَ بدلًا من المسيح ؟ هل هو "يهوذا الإسخريوطي" الخائن، أم الشاب الذي بشره المسيح أن يكون معه في الجنة ؟
نقول أولًا أنه يمكن الجمع بين الروايتين بأن أحدهم قد خان المسيح ودل الجنود الرومان على مكانه ثم لما أحاط الجنود بالبيت الذي فيه المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- مع تلامذته، قال لهم المسيح: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام هذا الشاب وألقي عليه شبه المسيح، ورُفِع المسيح، وأخذ الجنود هذا الشاب فصلبوه.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الأمر الثاني: عدم وجود نص من القرآن أو السنة تبين ما حدث بالتحديد، أمر له حكمته، فهو اشارة الى أن هذا أمر فرعي ليس فيه فائدة، وأنتم أيها النصاري صنعتم من هذا الأمر الفرعي الذي ليس له أي فائدة  قضية كبيرة وضخمة 

❇        

نقطة أخري: أن القاء الشبه على أحد تلامذة المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- هو ابتلاء واختبار من الله تعالى لأتباعه، هل سيعتنقون عقيدة الصلب أم لا ؟ والا فان المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- لم يكن في حاجة حتى ينجو من الجنود الى أن يلقي شبهه على أحد ويصلب مكانه، لأنه رفع من البيت قبل أن يدخل الجنود الى البيت ويقبضوا عليه. 
❇        

يقول تعالى (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) لماذا قال تعالى (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) ؟ لماذا لم يكتفي تعالى بقوله (وَمَا صَلَبُوهُ) ؟
لأن هناك طائفة من النصارى تعتقد أن المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- قد صُلِبَ ولكنه لم يُقتَل، فهم يقولون أنه قد علق على الصليب، ثم قدم له أحد الناس خرقة مغمورة بالخل فأغمي عليه حتى لا يشعر بالألم، وكانوا أحيانًا يفعلون ذلك حتى لا يشعر المصلوب بالألم، فلما أغشي عليه اعتقد الناس أنه قد مات، فانصرفوا عنه، ثم جاء أحد اصحابه وقام بانزاله من على الصليب وقام بتهريبه، ثم مات بعد ذلك بعدة سنوات ميتة طبيعية، فاراد الله أن تعالى أن ينفي هذه الرواية أيضًا، فقال تعالى (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)

❇        

وعدم صلب المسيح وانما القاء شبهه على غيره، ورفعه الى السماء، مذكور في أحد أناجيل النصارى وهو انجيل برنابا، وهو انجيل لا يعترف بها النصاري.
و"برنابا" هو احد تلامذة المسيح، وأول ظهور لإنجيل "برنابا" كان في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان المقربين للبابا على هذا الانجيل في مكتبته، فلما قرأه وجد فيه بطلان عقيدة الصليب، وأن المسيح بشر وليس اله ولا ابن اله، ووجد فيه التبشير ببعثة الرسول –صلى الله عليه وسلم- فاسلم هذا الراهب على أثر ذلك
ثم عثر على نسخة أخري من هذا الانجيل في أوائل القرن الثامن عشر، وكان باللغة الايطالية، وترجم الى عدة لغات منها الانجليزية والاسبانية والعربية، ولكن لا تعترف الكنيسة بهذا الانجيل لأنه كما ذكرنا يبطل عقائد النصارى ويبشر بالرسول –صلى الله عليه وسلم-

❇        

نقرأ هذا النص من الترجمة العربية لإنجيل برنابا
(ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبِّح الله إلى الأبد. 
ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نياماً، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغيَّر يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبيها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن  ؟ أما هو فقال متبسماً: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الإسخريوطي، وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا؛ لأنه كان شبيهاً بيسوع من كل وجه، وأُسْلِمَ يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا عليه بالصلب وعلى لصين معه.

❇        

اذن نص انجيل "برنابا" مع الرواية الأولى في موضوع القاء شبه المسيح، وكما قلنا: ليس هناك نص من القرآن أو السنة الصحيحة يذكر ما الذي حدث بالتحديد، لأن العلم بهذا أمر ليس فيه فائدة.
❇        

يقول تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) هذه العبارة من دقة الأداء القرآني، لأن هناك خلاف بين النصاري في موضوع صلب المسيح، وروايات الأناجيل الموجودة الآن مختلفة بل ومتناقضة حول هذا الموضوع.
يقول تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) وهم النصاري 
(لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي لَفِي شَكٍّ في قتله وصلبه 
(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) يعنى هؤلاء الذين ادعوا قتله وصلبه لم يكونوا متأكدين من قتله أو صلبه.
كيف هذا ؟ الذين دخلوا ليقبضوا على المسيح، لم يكونوا متأكدين أنهم قد قبضوا على المسيح نفسه، لأنهم عندما حاصروا البيت الذي كان فيه المسيح كانوا يعلمون أن بداخل البيت ثلاثة عشر رجل، المسيح -عَلَيْهِ السَّلَام- واثنى عشر من تلامذته، لكن عندما دخلوا البيت واقتحموه وجدوا أن العدد اثنى عشر وليس ثلاثة عشر، لأن المسيح كان قد رفع، ولم يجدوا أي تفسير لذلك الأمر.
قيل أيضًا أنهم عندما أخذوه وضربوه وصلبوه ظل يبكي، وكانوا يعلمون أن عيسي -عَلَيْهِ السَّلَام- قويًا وصلبًا، فشعورا أن هذا ليس هو عيسي.

❇        

(بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) 
يعنى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
هناك آراء للعلماء في كيفية رفع المسيح –عليه السلام- وهل رفع بالروح فقط، أم بالروح والجسد ؟ نقول أن جمهور العلماء على ان المسيح –عليه السلام- قد رفع حيًا بروحه وجسده الى السماء، وكان عمره حين رفع ثلاثة وثلاثين سنة، وأنه سيظل في السماء حتى ينزل في آخر الزمان، فيبطل عقيدة الصليب، ويقتل المسيخ الدجال، ويظل في الأرض بعد ذلك سبعة سنوات، ثم يموت عليه السلام ويكون عمره أربعون سنة.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇