Untitled Document

عدد المشاهدات : 484

الحلقة (325) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (171) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة (325)
تدبر الآية (171) من سورة "النِسَاء"(ص 105)

❇        

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) 
❇        

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ (أَهْلَ الْكِتَابِ هم اليهود والنصاري، ولكن النداء هنا للنصارى لأن الآية تناقش عقيدة النصارى.
(لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) الغلو هو مجاوزة الحد، وهو مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي أقصى ما تصل اليه رمية السهم، ونحن نقول "هذه السلعة غالية" يعنى القيمة المطلوبة لها أكثر مما تستحق. 
اذن فمعنى (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) يعنى لا تتجاوزوا الحد في أمر عيسي -عليه السَّلام- لأن بعض النصارى قال أنه الله، وقال البعض أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة يعنى ثالث الآلهة
ولذلك حذر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الغلو في أمره هو -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث الذي رواه البخاري (لا تطرُوني كما أطرتِ النصارَى ابنَ مريمَ إنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللهِ ورسولُه) 
(لا تطرُوني) يعنى لا تمدحوني بأمر ليس في، ولا تبالغوا في أمري كما فعلت النصارى
تجد مثلًا في قصيدة البردة يقول الشاعر وهو يتحدث عن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (وَمِنْ عُلُوْمِكَ عِلْمَ اللَّوْح وَالْقَلَمِ) فهو يقول أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يعلم ما في اللوح المحفوظ، وهذا لا شك من الغلو لأنه يخالف النصوص الصريحة التي تقول أن الغيب لا يعلمه الا الله.

❇        

(وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) يعنى وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الكلام الحقيقي، لا تقولوا أن الله له ولد، أو أنه ثالث ثلاثة.
(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)
هنا يقول تعالى القول الفصل في شأن عيسي -عليه السَّلام- فيقول تعالى (إِنَّمَا) وإِنَّمَا أداة حصر وقصر 
(الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) 
قوله تعالى (الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) هو أول دليل على بشرية المسيح أنه مولد خرج من رحم أنثى، كما يخرج جميع البشر من رحم أمهاتهم
ثم يقول تعالى (رَسُولُ اللَّهِ) هو رَسُولُ من عند اللَّهِ تعالى، هذه هي حقيقة المسيح وهي أنه (رَسُولُ اللَّهِ) وهي أعلى حالة تكون للبشر، وهي درجة الرسالة.

❇        

(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) يعنى هو خلق ونشأ بكلمة تكلم بها الله، ولذلك نقول أن المسيح هو "كلمة الله" وهذه الكلمة هي (كُنْ) فَكَانَ -عليه السَّلام-
وليست (كُنْ) التي يقولها البشر مثل (كُنْ) التي يقولها الله تعالى
لأن كل وصف لله ويوجد مثله لخلقه فإننا نأخذه في إطار قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)

❇        

(وَرُوحٌ مِنْهُ)
يعنى رُوحٌ مِنْ عند الله أو رُوحٌ مِنْ خلق الله.

❇        

(فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) فَآَمِنُوا بِاللَّهِ ايمانًا حقيقيًا، وآمنوا بجميع رُسُلِهِ
(وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ) يعنى وَلَا تَقُولُوا أن الله ثَلَاثَةٌ: الآب والابن والروح القدس، ولا تنطقوا بهذه الكلمة، وهذا ما يطلق عليه عقيدة التثليث، وهي أصل عقائد النصارى كلهم، على اختلاف مذاهبهم.
(انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) يعنى انْتَهُوا عن هذه العقيدة الباطلة الخاطئة فذلك خَيْرُ لَكُمْ
(إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) إِنَّمَا اسلوب قصر، فالله تعالى وَاحِدٌ وليس ثلاثة كما تزعمون
(سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) هو تعالى منزه من أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
هل هو نقص أن يكون للإنسان ولد ؟ نقول ليس نقصًا في حق البشر، ولكنه نقص في حق الإله، لأننا كبشر نحتاج الى الولد حتى يقف الى جوارنا حين نكبر، أو ليساعده في العمل، أو ليرثه، أو ليشبع في نفسه غريزة الأبوة أو الأمومة، وكل هذا غير جائز في حق الإله، وهو نقص في حق الإله، ولذلك قال تعالى (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) يعنى هو تعالى منزه من أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.
(لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) 
كل مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مملوك لله ومفتقر اليه وعبيد له تعالى.
(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)
يكفيك الله لكي تلجأ اليه وتعتمد عليه

❇        

قلنا أن قوله (وَرُوحٌ مِنْهُ)
يعنى رُوحٌ مِنْ عند الله أو رُوحٌ مِنْ خلق الله.
وهذه من الشبه التى يرددها النصاري كثيرًا
فالنصارى يقولون أن قول الله تعالى (وَرُوحٌ مِنْهُ) يعنى أن عيسي -عليه السَّلام- هو الله أو أن عيسي -عليه السَّلام- جزء من الله.
بداية نقول أنه لا توجد آية واحدة في الانجيل تقول صراحة أن المسيح هو الله، هناك آيات يؤولونها هذا التأويل، ولكن ليس هناك آية واحدة في الأناجيل الأربعة تقول صراحة أن المسيح هو الله ، وليس من المعقول ألا تذكر آية واحدة أساس العقيدة.
لما سأل البابا شنودة هذا السؤال (لماذا لا توجد آية واحدة في الانجيل تذكر في صراحة أن المسيح هو الله) قال: لو قال أنا الله على طول كده، ما أمكنش الناس يحتملوا. 
تعليق: هو المسيح لم يقلها لا على طول ولا بالتدريج.
بل على العكس التوراة والانجيل بهما الكثير جدًا من الآيات  التي تثبت وحدانية الله تعالى، في انجيل مرقص- الفصل الثاني عشر (اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا ربٌّ واحد)
وفي سفر اشعياء (أنا الأول وأنا الآخِر، ولا إله غيري) (44: 6).
ولذلك بدأت الآية بقوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ (يعنى أنتم خالفتم حتى الكتاب الذي بين ايديكم.

❇        

المهم أن النصاري بعد أن عجزوا أن يأتوا بدليل من الانجيل على أن المسيح هو الله يبحثون عن دليل من القرآن، وهذا أمر عجيب، ويدل على الإفلاس، لأن القرآن العظيم قالها صريحة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ثم قال في موضع آخر (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)
نقول للنصاري اذا كان تفسيركم لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) أن المسيح -عليه السَّلام- هو الله أو جزء من الله، فان آدم -عليه السَّلام- هو أيضًا اله أو جزء من الله، لأن الله تعالى يقول في خلق آدم (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)
وقصة خلق آدم من الطين ثم نفخ الله فيه من روحه موجودة في التوراة التي يؤمنون بها، وموجودة في الانجيل الذي يؤمنون به.
فاذا كنتم تقولون أن المسيح اله، فمعنى هذا أن آدم اله، واذا كنتم تقولون أن آدم ليس اله، فمعنى هذا أن المسيح ليس اله.

❇        

حتى في كتبهم المقدسة "روح الله" لا تعنى الله أو جزء من الله ؟ وقد بحثت عن كلمة "روح الله" في الكتاب المقدس فوجدت أنها تكررت 26 مرة، وليس هناك موضع واحد يعنى أنها الله أو جزء من الله.
نقرأ سفر التكوين الاصحاح رقم 41 العدد 38: فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِعَبِيدِهِ يتحدث عن يوسف: (هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلًا فِيهِ رُوحُ اللهِ ؟) فهل كان يعنى فرعون أن يوسف هو الله ؟

❇        

اذن فما معنى (وَرُوحٌ مِنْهُ) ؟
يروي ان طبيبا نصرانياً من أطباء هارون الرشيد قال في مجلس الرشيد يومًا: ان في كتابكم ما يدل على ان عيسىجزء من الله. قالوا له: أين ؟ فتلا قوله تعالى (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)
فرد عليه "الواقدي" وكان قاضي بغداد وقال: يقول تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ) فقال إذن يلزم ان تكون  ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جزء من الله، فسكت الطبيب النصراني وقيل أنه أسلم.
اذن فقوله تعالى (وَرُوحٌ مِنْهُ) يعنى رُوحٌ من عند الله تعالى، ومن خلق الله تعالى.
وهذا مثل قوله تعالى في سورة السجدة (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)
اذن جميع البشر لهم نصيب من هذه النفخة من روح الله

❇        

والسؤال هل روح المسيح لها ميزة عن بقية الأرواح ؟ 
نقول نعم روح عِيسَى لها ميزة عن بقية أرواح البشر، لأن أرواح جميع البشر تصل عن طريق النطفة، والنطفة في علم الأحياء هي كائن حي.
أما روح عيسي فقد جاءت من الله مباشرة، وهذا هو معنى قوله تعالى (وَرُوحٌ مِنْهُ) يعنى رُوحٌ من الله مباشرة.
وحتى لا يفتن احد بهذا الأمر فقد أخبر تعالى أن آدم قد اشترك مع عيسي في هذه النسبة الى الله مباشرة، فقال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)

 

       

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇