Untitled Document

عدد المشاهدات : 359

الحلقة (331) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تفسيثر وتدبر الآية (3) من سورة "المَائِدَة "قول الله -تَعَالي- (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة (331)
تدبر الآية (3) سورة "المائدة"  (ص 107)

        

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)

        

)حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)
الْمَيْتَةُ هُي كُلُّ مَا فَارَقَ الْحَيَاةُ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ.
والتَذْكِيَة هي ما نطلق عليه "الذبح على الطريق الاسلامية"والتَذْكِيَة تكون بقطع أربعة أشياء: القصبة الهوائية والمريء والوجدين The Jagular vein وهما شريانان على جانبي العنق وهما اللذان يغذيان المخ بالدم.
فكل حيوان لم يمت عن طريق التذكية الشرعية فهو : "مَيْتَةُ" ويحرم أكله.
ويستثنى من ذلك الحيوان أو الطائر الذي يصطاد عن طريق الرمي ببندقية، أو أي وسيلة أخري مشابهة من وسائل الصيد، ولكن بشرط أن تسمي الله قبل اطلاق القذيفة، واذا أدركته قبل أن يفارق الحياة فيجب عليك تذكيته.
ويستثني من ذلك أيضًا الأسماك، يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال"
باستثناء ذلك فأي حيوان لم يمت عن طريق التذكية فهو "مَيْتَةُ" ويحرم أكله.

        

في عام 1986 تم اكتشاف في بريطانيا مرض عرف باسم "جنون البقر" ووجدوا أن سبب هذا المرض أنهم في بريطانيا -ورغبة في تحقيق مكاسب مادية أكبر- خلطوا علف البقر بلحوم خراف نافقة قاموا بفرمها، وانتقل المرض من البقر الى البشر، واضطرت بريطانيا الى اتلاف ثلاثة عشر مليون بقرة إحراقاً، وبلغت قيمة هذه الأبقار ثلاثة وثلاثين مليار جنيه إسترليني
        

(وَالدَّمُ) الدَّمُ المحرم هو الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، يعنى السائل، يقول تعالى في سُورَةُ الْأَنْعَامِ (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ‏) وكانت العرب يأخذون هذا الدم ويملؤون به أمعاء الذبائح ويقومون بشويه وأكله
أما ما صَارَ فِي مَعْنَى اللَّحْمِ كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرَ حَرَامٍ، وذلك لقوله –صلى الله عليه وسلم- "أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال"
كذلك ما بقي في العروق وما كان مختلطًا باللحم فان ذلك ليس حرامًا.

        

(وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) والمحرم جميع الْخِنْزِيرِ وليس لحمه فقط، فيحرم لحمه وشحمه وأمعائه.
وقد أثبت العلم أن الخنزير ينقل 57 مرضًا وبائيًا للإنسان، بعضها خطير بل وقاتل.
الى جانب ذلك فان هذه عدة بحوث عن انتقال طباع الحيوان إلى آكليه، والخنزير من أهم صفاته انعدام الغيرة على انثاه، يقول ابن خلدون المتوفى سنة 808 "وأكل الافرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة"

        

(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) يعني ذُكِرَ عَلَيْهِ اسم غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ، وأصله رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ومنه "‏اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ‏"‏، وَذَلِكَ إِذَا صَاحَ حِينَ ينزل مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ.
فكانت العرب تقول عند الذبح –مثلًا- باسم اللات والعزي، أو غير ذلك من أسماء آلهتهم.
فلا يجوز أكل الحيوان الذي ذُكِرَ عَلَيْهِ اسم غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ‏.‏
لأن الله –تعالى- هو الذي سخر لك هذه البهيمة، فكيف يسخرها لك، فلا تذكر اسمه عند ذبحها وانما تذكر اسم غير اسمه ؟!

 

 
        

 
(وَالْمُنْخَنِقَةُ) وهي التي منع عنها النفس حتى ماتت، سواء خنقت بحبل أو باليد أو غير ذلك، ويدخل فيها التي ماتت غرقًا.

 

وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فكانوا يخنقون الشاة حتى تموت ثم يأكلونها.        

(وَالْمَوْقُوذَةُ) وهي التي ضربت بأي شيء حتى ماتت.
وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك أيضًا، فكانوا يضربون البهيمة على رأسها بعصا أو حديدة حتى تموت ثم يأكلونها.
والآن يقومون في المذابح غير الاسلامية بطعن الحيوان بإبرة في مكان محدد في رأسه، وهذا من الوقذ.
ويدخل في حكمها قتل الحيوان عن طريق الصعق الكهربائي.

        

وكل هذه الوسائل التي يقومون بها غير المسلمون بدعوي عدم تعذيب الحيوان هي في الواقع تعذيب للحيوان، بينما طريقة الذبح الاسلامية لا يشعر فيها الحيوان بأي ألم الا بمقدار جزء من الثانية لأن بمجرد قطع الشرايين في الرقبة فان الدم يتوقف عن الوصول الى المخ.
        

(وَالْمُتَرَدِّيَةُ) 
التردي هو السقوط من مكان مرتفع، وهذا مثل قوله تعالى (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) يعنى: سقط في النار، وهو من الردي وهو الهلاك.
فيحرم الأكل من البهيمة التي تسقط من مكان مرتفع فتموت، كالبهيمة التي تسقط من الجبل أو التي تسقط في بئر أو تسقط من الشرفة أو سطح المنزل.

        

(وَالنَّطِيحَةُ) ‏وهي الشَّاةُ الَّتِي تَنْطَحُهَا أُخْرَى فَتَمُوتُ بسبب ذلك، وتدخل فيها أي بهيمة تموت بسبب معركة بينها وبين بهيمة أخري، فيحرم أكل البهيمة التي قتلتها بهيمة أخري.
وكانت العرب تفعل ذلك، فاذا تناطح كبشان ومات أَحَدُهُمَا كانوا يَأْكُلُونَهُ‏.‏

        

(وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ)
أي ما بقي مما افترسه السبع وأكل منه، والسبع هو كل حيوان أو طائر مفترس سواء كان أسد أو نمر أو كلب أو ذئب أو ثعلب أو قطة، أو نسر أو صقر، وكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يفعلون ذلك، فاذا افترس الذنب شاة مثلًا وقتلها وأكل منها، فانهم يأكلون ما بقي منه.

        

(إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) 
يعنى يستثنى من تحريم هذه الأنواع الخمسة وهي (الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) أن تدرك تذكيتها، يعنى تذبحها ذبحًا شرعيًا قبل أن تفارق الحياة، والفقهاء تحدثوا عن حد ذلك، فقال كثير من العلماء أن ادراك تذكيتها هو أن تدرك منها عَيْنًا تَطْرِفُ، أَوْ حركت يد أو رجل أو ذنب أو أذن. 
وذهب بعض العلماء ومنهم ابن تيمية، أن كل حيوان يختلف في مدة مفارقته الحياة، وقال أن الأصل هو أنك اذا ذبحتها تضطرب اضطراب المذبوح ويسيل منها الدم، لقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "ما أَنهرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللَّهِ علَيهِ فَكُلوا"

        

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) شَامِلٌ كُلَّ مَيْتَةٍ، فهو يشمل (الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) فلماذا ذكر تعالى هذه الأنواع ؟ نقول أن العرب لم تكن تعتبر هؤلاء ميتة، وكانوا يعتبرون الميتة فقط هو الذي يموت لمرض أو يموت لأجله، فكان يجب ذكر هذه الأنواع لإثبات أنها تدخل في الميتة.
        

لماذا حرم الله تعالى أي حيوان يموت بغير الذكاة الشرعية 
السبب أن هذه الدواب اذا ماتت بغير التذكية فان دمها يظل محبوسًا في جسدها، وهذا الدم يكون مملوء بالسموم والجراثيم.
لأن الدم وظيفته في الجسم أنه ينقل المواد الغذائية من الأمعاء الرفيعة، الى سائر أنحاء الجسم، وينقل الأكسجين من الرئتين الى سائر أنحاء الجسم، وهذه مواد نافعة ينقلها الدم، وذلك عن طريق الشرايين، وفي نفس الوقت فان الدم ينقل نفايات الجسم، فهو ينقل الأحماض السامة، مثل حمض البول ثم يمر على الكليتين فيطرح فيها هذه المواد السامة، كما ينقل ثاني أكسيد الكربون من جميع أنحاء الجسم، الى الرئتين، حيث يتخلص منها الجسم عن طريق عملية الزفير.
فهذا الدم طالما انه في الجسم فانه لا يؤذيه لأنه يصفي باستمرار، أما اذا مات الانسان فان هذا الدم يكون محملًا بالجراثيم والسموم، ولذلك فيجب أن يصاحب موت الدابة التخلص من الدم وهذا يكون عن طريق التذكية الشرعية.

        

وقد أثبت أحد الأبحاث العلمية أن عدد البكتيريا في اللحم الذي ذُبحت على الطريقة الإسلامية يصل في الجرام الواحد منه إلى سبعة آلاف، بينما عدد البكتيريا في اللحم الغير مذبوح على الطريقة الاسلامية يصل في الجرام الواحد إلى عشرين مليونًا.
ولذلك فالمعنى اللغوي للتذكية هو التطييب، كما نقول "رائحة ذكية" يعنى رائحة طيبة، فعندما نقوم بتذكية الذبيحة فنحن نطيب اللحم، ولذلك فاللحم الذي ذبح على الطريقة الاسلامية يكون لونه وردي، أما الذي لم يذبح على الطريقة الاسلامية فانه يكون داكن ويميل الى اللون الأزرق.
أرادت شركة استيراد لحوم من دولة في جنوب شرق آسيا، فقالوا اذا كانت مذبوحة على الشريعة الاسلامية فإنها تكون أغلى من الغير مذبوحة على الشريعة الاسلامية، لأن الغير مذبوحة على الشريعة الاسلامية تكون دمها فيها، وهذا الدم يزن حوالى  5  كيلوجرام.

        

(وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) 
والنُّصُبِ هي أوثان كانت تنصب حول الكعبة، ولذلك أطلق عليها (نُّصُبِ) وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها أو يذبحون لها. 
وهي غير الأصنام لأن الأصنام تصور وتنقش، أما الأنصاب فلم تكن كذلك، وكان حول الكعبة ثَلَثُمِئَةٍ وَسِتُّونَ من الأنصاب وكانت العرب تعظمها وتذبح لها، كما كانوا يعظمون الأوثان.

        

(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ)
(الْأَزْلَامِ) جمع زَلَمٌ أو زُلَمٌ ، وهو السهم الصغيرالذي ليس له ريش
و(تَسْتَقْسِمُوا) يعنى طلب معرفة ما قسم لهم من خير أو شر.
فكان الرجل في الجاهلية اذا أراد الخروج لتجارة أو غزو أو أراد الزواج أو غير ذلك، يأتي الى الكاهن ويعطيه مائة درهم، فيأتي الكاهن بثلاثة أزلام، مكتوب على أحدها ‏"‏أَمَرَنِي رَبِّي‏"‏، ‏ومكتوب على الثاني ‏"‏نَهَانِي رَبِّي‏"‏ ، والثالث ليس مكتوبًا عليه شيء، ثم يضعها في وعاء أو كيس، ويدخل يده ويخرج أحد هذه السهام، فاذا خرج السهم المكتوب عليه ‏"‏أَمَرَنِي رَبِّي‏"‏ مَضَى لِمَا أَرَادَ، وإِنْ خَرَجَ المَكْتُوبٌ عليه‏ ‏"‏نَهَانِي رَبِّي‏" كَفَّ عَنِ الْمُضِيِّ ‏، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَعَادُوهَا‏، وليس شرطًا أن يكون ذلك بالسهام فربما فعلوا ذلك بحصى يكتبون عليها أو قطع من الحجارة.


        

هذا هو الاستسقام بالأزلام المشهور، وهناك نوع آخر من الاستسقام بالأزلام وهو مناسب أكثر لسياق الآية، لأن الآية تتحدث عن الأطعمة.
هذا النوع هو أن العرب اذا ارادوا ان يشترك عشرة منهم في ذبح ناقة أو بقرة او شاة - المفروض ان يوزع لحمها عليهم بالتساوي أو ان يأخذ كل واحد نصيب على قدر المبلغ الذي دفعه، ولكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك- كانوا يقسمون الناقة أو غيرها الى ثمانية وعشرين نصيباً، ويأتون بعشرة أقداح، والقدح يعنى قطعة الخشب التي تستخدم في الميسر، ومكتوب على القدح الأول "الفذ" والثاني "التوأم" والثالث "الرقيب" ، والرابع "الحِلس" والخامس "النافر" والسادس "المُسْبل" والسابع "المُعلّي" ، ثم ثلاثة أقداح أخري مكتوب عليها "المنيح" و"السفيح" و"الوغد"
وبعد ذبح الناقة أو البقرة  أو الشاة  يقسمونها الى ثمانية وعشرين نصيباً، ويقوم كل واحد اشترك في ثمنها بسحب قدح، فالذي يخرج له القدح المكتوب عليه "الفذ" له نصيب واحد، والمكتوب عليه "التوأم" يأخذ اثنان، والمكتوب عليه "الرقيب" يأخذ ثلاثة، و"الحِلس" أربعة و"النافر" خمسة "المُسْبل" ستة و"المُعلّي"سبعة، والذي يخرج عليه قدح مكتوب عليه "المنيح" أو"السفيح" أو"الوغد" فلا يأخذ شيئًا 
وهذا نوع من القمار، وهو ليس قرعة، بالعكس القرعة سنة عن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن القرعة تحيد هوي النفس.

        

(ذَلِكُمْ فِسْقٌ) يعنى كل ما ذكر من هذه الأمور من أكل الميتة حتى الاستسقام بالأزلام (فِسْقٌ) يعنى خروج عن طاعة الله عز وجل.
وأصل الفسق هو خروج الرطبة عن قشرتها؛ فالبلحة عندما تطيب تنكمش الثمرة داخل القشرة، فاذا خرجت من القشرة يقال: "فسقت الرطبة" أي خرجت من قشرتها، فكذلك من يخرج من منهج الله فان الله تعالى سماه فاسقًا، وفي هذا رمزية لأن الرطبة اذا خرجت عن قشرتها فان الذباب يقف عليها ويصيبها التراب والأوساخ وتعافها النفس، فكذلك شرع الله سياج يحيط بالإنسان ويحميه.

        

(الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)
قال بعض المفسرون معنى الْيَوْمَ يعنى هذا الوقت أو هذه الآونة.
وقد يكون المقصود بالْيَوْمَ يعنى هذا اليوم لأن هذه الآية نزلت في يوم عرفة، والمسلمون الذين حجوا مع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عددهم مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وهو عدد كبير جدًا لم تره الجزيرة العربية قبل هذا اليوم، فما رأي المشركون هذا العدد وهو يحج مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يأسوا من أن تعود الجزيرة العربية لعبادة الأوثان كما كان قبل بعثة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 

        

(فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ)
يعنى فلا تخافوا هؤلاء الكفار، أن يظهروا عليكم، ولكن خافوا الله تعالى، يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "من خاف الله عز وجل خاف منه كل شيء"

        

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)
يعنى في هذه الآونة (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) لأن هذه الآية الكريمة نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، وقد قبض الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد هذا اليوم بإحدى وثمانين يومًا
(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)
بدخول مكة، وظهور الاسلام على قبائل الجزيرة
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
يعنى رضى الله لكم أن تتعبدوه بهذا الدين وهو الاسلام.
وروي أن ابنُ عباسٍ قرأ هذه الآية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وعندَه يهوديٌّ، فقال : لو أُنْزِلَتْ علينا هذه الآيةُ ، لا تخَذْنَا يومَها عيدًا، فقال ابنُ عباسٍ: فإنها نزلت في يوم عيدين: في يومِ الجمعةِ، ويومِ عرفةَ.

        

(فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
(اضْطُرَّ) يعنى من كان مضطرًا، وأصلها من أصيب بالضرر.
(فِي مَخْمَصَةٍ) المَخْمَصَةٍ هي المجاعة، واصلها من (الخَمص) وهو ضمور البطن، كما في حديث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً"
(فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) يعنى من اضْطُرَّ الى أكل شيء من هذه المحرمات بسبب الجوع الشديد حتى أشرف على الهلاك.
(غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) الجنف هو الميل، والمعنى أن يأكل فقط ما ينقذه من الهلاك، لا أن يأكل حتى يصل الى حد الشبع.

        

(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
اذا كان الله تعالى قد رخص لنا ذلك، فما الداعي أن يذيل الله الآية بالمغفرة والرحمة ؟ نقول أن "غفر" تأتى بمعنى الستر، فمعنى مغفرة الله هو أن يستر الله العقاب عن العبد، وهناك معنى آخر للمغفرة وهو ستر الذنب عن العبد، فلا يقع العبد في الذنب أصلًا، ولذلك ناسب الآية أن تذيل بقوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وهذا يشرح لنا قوله تعالى لرسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سورة الفتح (لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ) يعنى ستر عنك الذنب فلا تقترفه ابدًا.

        

يقول المهندس "عبد الدائم الكحيل" أن قول الله تعالى في هذه الآية الكريمة (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) عدد كلمات هذا النص (23) كلمة، وهو عدد سنوات نزول القرآن، فالنص الذي يتناول كمال الدين عدد كلماته هو عدد سنوات نزول القرآن.
كذلك عدد كلمات الآية الكريمة حتى قوله تعالى (دِينًا) في قوله تعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) عدد الكلمات 63 كلمة وهو عمر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اشارة الى أن اكتمال الدين تم باكتمال عمر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇