Untitled Document

عدد المشاهدات : 287

الحلقة (347) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (41) و(42) و(43) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (347)
تدبر الآيات (41) و(42) و(43) من سورة "المائدة" (ص 114)

❇        

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)
❇        

لا شك أن المسلم المخلص لله تعالى، يكون عنده غيرة على دينه، ويحزنه كثيرًا عندما يري بعض المسلمين بعيدين عن الله تعالى، أو يري انسان غير مسلم، ولذلك نري في المناظرات مع غير المسلمين للدكتور ذاكر نايك، عندما يدخل أحد في الاسلام، تكون فرحة غامرة في القاعة كلها.
فاذا كان عامة المسلمون كذلك فما بالك بالرسول
فكان الرسول يحزنه كثيرًا تكذيب المشركين، ونفاق المنافين، ورفض اليهود لنبوته ﷺ ، يقول تعالى في سورة الكهف (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) ويقول تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)
وهنا يواسي الله تعالى الرسول ﷺ فيقول تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) وقرأت (لَا يُحْزِنْكَ) بضم الياء وكسر الراء
يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) نداء الله تعالى للرسول في القرآن كله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) 14 مرة الا في موضعين فقط: في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) ثم في هذا الموضع (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)
لماذا النداء في هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) ؟ لأن تبليغ الرسالة يقتضى أن يؤمن البعض بالرسول ولا يؤمن به البعض الآخر، وأن يناله الأذى من الذين لا يؤمنون به، ولذلك ناسب الآية أن تبدا بهذاالنداء (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يعنى طالما أنك رسول فسينالك أذي، فلا تحزن لأن هذا أمر طبيعي كونك رسول أن تؤذي.

❇        

وهذه الآية الكريمة نزلت في اليهود، وكان حكم التوراة في الزنا أن يرجم الزاني، ثم حدث أن زنى ابن عم أحد ملوكهم،  فلم يرجمه الملك، ثم زنى رجل آخر من عامة الناس، فأراد الـملك رجمه، فقام قومه الى الملك وقالوا: والله لا ترجمه حتـى ترجم فلاناً ابن عمك، فـاصطلـحوا بـينهم على ترك الرجم، وأن تكون هناك عقوبة الزنا هي الجلد بحبل من ليف مطلى بالقار، والتحميم، والتحميم يعنى أن يطلى وجه الزاني باللون السود، ويوضع على حمار مقلوب ويطوفون به في المدينة.
❇        

ثم وقعت حادثة زنا عند اليهود في زمن النبي ﷺ فقالوا نتحاكم الى محمد، فان حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا منه هذا الحكم، ويكون حجة لنا ، وان حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
وهذا يدل على عدم اقتناعهم بالحكم الذي يعملون به وهم الجلد والتحميم، والا لما احتاجوا الى التحاكم الى الرَسُول ﷺ وهذا مثل الذي يسأل عن حكم شرعي، فاذا قال له أحد العلماء أنه جائز، وهو غير مقتنع به يسأل آخر، ويظل يسأل حتى يقول له أحد أنه غير جائز، فيعود لمن قال له أنه جائز، وهكذا.
المهم أنهم جاءوا الى الرسول ﷺ و قالوا له: يا أبا القاسم إن رجل منا زنى بامرأة فاحكم، فقال لهم الرسول ﷺ ما الحكم في كتابكم ؟ قالوا يجلد ويحمم،فقال ﷺ ائتوني بأعلمكم، فجاءوا بحبر من أحبارهم واسمه "ابن صوريا" وكان شابًا أعور ويسكن في مدينة فدك ، وهي تبعد عن المدينة حوالى 280 كم، وقالوا: يا محمد هذا أعلـم من بقـي بـالتوراة، فخلا به الرَسُول ﷺ وقال له: الرسول ﷺ أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر،  أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال ابن صوريا لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فخرج الرَسُول ﷺ وقال: أقضى بما في التوراة، ثم أمر بهما فرجما.

❇        

يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يعنى: لَا يَحْزُنْكَ هؤلاء الَّذِينَ عندهم حرص على الكفر، كأنهم يتسابقون الى الكفر.
(مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) وهم المنافقون، فكان الرسول ﷺ يحزن لكفر هؤلاء، لاعتقاده ﷺ أن هؤلاء مؤمنون ثم ارتدوا الى الكفر، فيقول له الله –وتعالى- لا تحزن على هؤلاء يا محمد لأن هؤلاء لم يكونوا مؤمنين أصلًا، بل هؤلاء منافقون أدعوا الايمان وهم ليسوا كذلك
(وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا) يعنى ولا تحزن بسبب كفر اليهود ورفضهم نبوتك ، وكان الرَسُول ﷺ يحزن كذلك كثيرًا بسبب تعنت اليهود ورفضهم لنبوته، بالرغم من أن البشارة به وصفته مذكورة في التوراة بمنتهي الدقة، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم.

❇        

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) 
(سَمَّاعُونَ) للمبالغة في السماع.
وهذه لها معنيان: 
الأول (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) يعنى يقبلون ويصدقون أكاذيب أحبارهم ورؤسائهم، ومنقادون لهذه الأكاذيب.
كما نقول "سمع الله لمن حمده" يعنى يا رب اقبل حمدي.
كما تقول لأحد اسمع كلامي، يعنى نفذ ما آمرك به.    
أو فلان لا يسمع كلام أحد، لا يسمع الا نفسه، يعنى لا يقبل كلام أحد.
والمعنى الثاني (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) يعنى يستمعون من أجل الكذب، يعنى هم يحضرون مجلس الرسول ﷺ ويستمعون الى كلامه ﷺ بنية وبقصد أن يكذبوا على الرسول ﷺ فيبدلوا كلامه ﷺ بالزيادة والنقصان والتحريف.

❇        

(سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) 
يعنى هم يحضرون مجلسك ويستمعون لكلامك، حتى ينقلوا هذا الكلام لرؤسائهم، الذين يتكبرون عن الحضور الى مجلس الرسول ﷺ ثم يقوم رؤسائهم بعد ذلك بتحريف كلام الرَسُول ﷺ كأنهم يقومون بدور الجواسيس لصالح رؤسائهم.
❇        

في هذه الآية "تعانق الوقف"
وهذا ثالث تعانق وقف يقابلنا، وعدد تعانق الوقف في القرآن -على حسب رواية حفص خمسة مواضع- وقلنا أن علامته ثلاثة نقاط، كالتي توضع فوق حرف الثاء
ومعنى تعانق الوقف يعنى اذا وقفت على الموضع الأول لا تقف على الثاني، واذا وقفت على الثاني لا تقف على الأول، ولا يجوز أن تقف على الموضعين.
ففي هذه الآية أما أن تقرأ :
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) وتقف 
يعنى لا تحزن بسبب كفر هؤلاء المنافقون، ثم بعد ذلك نقرأ جملة جديدة (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ)
و أما أن تقرأ :
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا)
يعنى لا تحزن يا رسول الله بسبب كفر المنافقين واليهود، ثم نقرأ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) يعنى كلتا الطائفتين: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ.
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) المقصود بالْكَلِمَ يعنى كلام الله الذي في التوراة، فهؤلاء يحرفون نصوص التوراة بعد أن وضعها الله في مواضعها.
في آيات أخري يقول تعالى (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) يعنى يحرفون نصوص التوراة والتي هي ربما غير معروفة للعامة
أما قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) يعنى بعد أن سمعه الناس واستقر في الأذهان، فانهم من فجورهم لا يتورعون عن تحرفه 
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) فاذا كانوا قد حرفوا التوراة التي يؤمنون بها، فمن باب أولى سيحرفون كلامك

❇        

(يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)
أي هؤلاء يَقُولُونَ لأتباعهم إِنْ حكم لكم محمد بهذا الحكم وهو الجلد والتحميم فاقبلوا حكمه، وان لم يحكم لكم بهذا الحكم وحكم بالرجم فلا تقبلوه
❇        

(ومَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاأُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)
ليس المقصود بإرادة الله هنا أن الله تعالى يرغب في ذلك، ولكن المقصود "الارادة القدرية" يعنى من كتب الله عليه في قدره الفتنة، فأنت لا تملك له شيئًا.
وهذا مثل قوله تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)

❇        

(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
يعنى هؤلاء لشدة جرمهم لهم عقاب في الدنيا ولهم عقاب يوم القيامة، فعقابهم في الدنيا هو الخزي والذل والهوان.
فبالنسبة للمنافقين كان خزيهم أن أفتضح أمرهم، وهتك سترهم، بعد غزوة أحد، وغزوة تبوك، وحادثة الافك، وغير ذلك.
وأما اليهود فقد خزيهم هزيمتهم المريرة في بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة وخيبر، وقتل محاربيهم وسبيت نسائهم وذراريهم.

❇        

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) 
(لِلسُّحْتِ) بسكون الحاء وقرأت (لِلسُّحُتِ) بضم الحاء
"سحت" يعنى استأصل ومحي.
يقول تعالى (وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ) يعنى يعذبكم عذابًا يهلككم ويستأصلكم به
فسمي المال الذي يأتي عن طريق حرام سحتًا لأنه يهلك صاحبه، بل ويهلك المال نفسه.
فأي مال يأتي عن طريق الكسب الحرام، سواء كان سرقة أو غصب، أو احتيال، أو غش، أو قمار، أو ربا، أو تسول وهو غير محتاج، أو بسيف الحياء، أو أي طريق غير حلال، فان هذا المال يكون –كما نقول- اما ان يذهب، واما ان يكون وبالًا على صاحبه.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، مثلًا هناك ما أطلق عليه الاعلام "لعنة الياناصيب" وجدوا أن جميع الذين فازوا بجوائز الياناصيب، -والياناصيب نوع من القمار-جميعهم انتهت حياتهم اما بالإدمان واما بالإفلاس وأما بالانتحار، المهم أنهم جميعهم عاشوا حياة مأساوية، وانتهت حياتهم نهاية مأساوية.
رجل فاز في الياناصيب بمبلغ 90 مليون دولار، قتلت حفيدته في ظروف غامضة، وماتت ابنته في حادثة، وطلق زوجته، وأفلست شركة المقاولات التي أنشأها.
رجل بريطاني ربح 50 مليون دولار، انتهت حياته بأن قتل زوجته وابنيه ثم انتحر.
اصغر فائزة بجائزة الياناصيب، أدمنت الكوكايين وأصبحت تعيش على المعونات الحكومية.

❇        

قوله تعالى (سَمَّاعُونَ) و(أَكَّالُونَ) بصيغة المبالغة
تجد المرتشي عنده نهم شديد للمال، يريد أن يأخذ منك أقصى ما يستطيع. 


❇        

(فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)
يعنى (فَإِنْ جَاءُوكَ) ليطلبوا منك الحكم
(فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعنى أنت مخير بين أن تقضي بَيْنَهُمْ أو أن تعرض عنهم فترفض أن تحكم بَيْنَهُمْ.
وهذا التخيير ليس على أساس هوي النفس، ولكن تختار ما فيه المصلحة.
(وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا)
فاذا رفضت أن تحكم بينهم، فانه لا شيء عليك.

❇        

وهناك فرق بين الضرر والأذى.
فالإيذاء وارد، يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، أما الضرر  فهو بيد الله وحده، يقول تعالى في الحديث القدسي (يا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي)  فالإيذاء وارد ولكن الضرر بيد الله وحده.
ولذلك قال (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ) يعنى ترفض أن تحكم بينهم لأن في ذلك المصلحة (فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) يعنى لا شيء عليك، ولن تعاقب من الله على ذلك.

❇        

(وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)
يعنى أنت مخير بين أن تحكم بَيْنَهُمْ أو لا تحكم بَيْنَهُمْ ، ولكن اذا اخترت أن تحكم بَيْنَهُمْ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل.
❇        

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) 
القسط هو العدل، والمعنى أن اللَّهَ يُحِبُّ الذين من صفتهم العدل.
ودائمًا في القرآن إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كذا، يعنى اعمل ما يحبه الله حتى يحبك الله.
فقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) يعنى كن من الْمُقْسِطِينَ حتى يحبك الله تعالى.

❇        

هذه الآية يؤخذ بها الآن في المحاكم
فقد يأتي شخص غير مسلم –مسيحي مثلًا- ويطلب من المحكمة أن يكون الحكم في قضية ميراث أو في أحكام الأسرة على حسب الشريعة الاسلامية.
حتى في بلا غير المسلمين، وجدوا البعض بعد أن يتوفي يجدوا في وصيته أن يتم توزيع الميراث على حسب أحكام الشريعة الاسلامية.


❇        

(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)
سؤال للتعجب والاستنكار
هم عندهم التوراة، وفيها حكم الله تعالى، فلماذا يأتونك لتحكم بينهم ؟
في رواية صحيحة أن اليهود جاءوا إلى الرسول الله ﷺ وذكروا له أن رجلا وامرأة منهم زنيا، وطلبوا منهﷺ أن يحكم فيهما ، فقال لهم الرسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون، وكان جالسًا "عبد الله بن سلام" رضى الله عنه، وكان من أحبار اليهود ثم أسلم في أول يوم دخل فيه الرسول ﷺالمدينة، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فاتوا بالتوراة، فجاءوا بالتوارة، فوضعوها على الأرض، وكان الرسول ﷺ يجلس على وسادة، فنزع الوسادة من تحته، ووضع عليها التوراة ثم قال عبد الله بن سلام لأحد أحبارهم: اقرأ من موضع كذا وكذا ، فقرأ حتى اذا وصل الى آية الرجم، وضع يده عليها ليخفيها، وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم، فقال الحبر يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا 
وهذا هو قوله تعالي (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ)

في سفر التثنية الاصحاح  22
آية 13-19:- "«إِذَا اتَّخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَحِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا أَبْغَضَهَا، وَنَسَبَ إِلَيْهَا أَسْبَابَ كَلاَمٍ، وَأَشَاعَ عَنْهَا اسْمًا رَدِيًّا، وَقَالَ: هذِهِ الْمَرْأَةُ اتَّخَذْتُهَا وَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا لَمْ أَجِدْ لَهَا عُذْرَةً. يَأْخُذُ الْفَتَاةَ أَبُوهَا وَأُمُّهَا وَيُخْرِجَانِ عَلاَمَةَ عُذْرَتِهَا إِلَى شُيُوخِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَابِ، وَيَقُولُ أَبُو الْفَتَاةِ لِلشُّيُوخِ: أَعْطَيْتُ هذَا الرَّجُلَ ابْنَتِي زَوْجَةً فَأَبْغَضَهَا. وَهَا هُوَ قَدْ جَعَلَ أَسْبَابَ كَلاَمٍ قَائِلًا: لَمْ أَجِدْ لِبِنْتِكَ عُذْرَةً. وَهذِهِ عَلاَمَةُ عُذْرَةِ ابْنَتِي. وَيَبْسُطَانِ الثَّوْبَ أَمَامَ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ. فَيَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الرَّجُلَ وَيُؤَدِّبُونَهُ –يعنى يضربونه- وَيُغْرِمُونَهُ بِمِئَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ -ضعف المهر المعتاد في ذلك الوقت- وَيُعْطُونَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ، لأَنَّهُ أَشَاعَ اسْمًا رَدِيًّا عَنْ عَذْرَاءَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. فَتَكُونُ لَهُ زَوْجَةً. لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ."

❇        

آية 21،20:- "«وَلكِنْ إِنْ كَانَ هذَا الأَمْرُ صَحِيحًا، لَمْ تُوجَدْ عُذْرَةٌ لِلْفَتَاةِ. يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ."
الرجم يكون عند باب بيت أبيها لأن أبيها قصر في تربيتها.

❇        
آية 22-29:- "«إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ. «إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ. وَلكِنْ إِنْ وَجَدَ الرَّجُلُ الْفَتَاةَ الْمَخْطُوبَةَ فِي الْحَقْلِ وَأَمْسَكَهَا الرَّجُلُ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، يَمُوتُ الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا وَحْدَهُ. وَأَمَّا الْفَتَاةُ فَلاَ تَفْعَلْ بِهَا شَيْئًا. لَيْسَ عَلَى الْفَتَاةِ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ، بَلْ كَمَا يَقُومُ رَجُلٌ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَقْتُلُهُ قَتْلًا. هكَذَا هذَا الأَمْرُ. إِنَّهُ فِي الْحَقْلِ وَجَدَهَا، فَصَرَخَتِ الْفَتَاةُ الْمَخْطُوبَةُ فَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُخَلِّصُهَا. «إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ، فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَوُجِدَا. يُعْطِي الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَتَكُونُ هِيَ لَهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلَّهَا. لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ."

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇