Untitled Document

عدد المشاهدات : 472

الحلقة (351) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (49) و(50) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (351)
تدبر الآيتين (49) و(50) من سورة "المائدة" (ص 117)

        

(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
        

(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) 

قال البعض أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله تعالى في الآية 42 (فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعنى فان جاءك اليهود لتحكم بينهم فأنت مخير بين أن تحكم لهم ، أو ترفض أن تحكم بينهم ، لأنهم ربما يحتكمون الى الرسول وهم يلتمسون حكمًا معينًا من الرسول فاذا حكم هذا الحكم قبلوه، واذا لم يحكم به رفضوه، أو ربما يحتكمون الى الرسول وهم يريدون أن يكيدوا للرسول
وهذا مثلما حدث عندما جاء بنو اسرائيل لعيسي –عليه السلام- بامرأة زانية وطلبوا منه أن يحكم عليها ، فاذا قال بالحكم الذي في التوراة وهو أن ترجم يكون قد خالف القانون الروماني ، فيوغر صدر الحاكم اليوناني عليه، واذا قال لا ترجم يكون قد حكم بغير التوراة ويسقط من عين أتباعه، ولذلك لم يقل –عليه السلام- ترجم أو لا ترجم، ولكنه قال "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" فخرجوا جميعًا وتركوها.
فاعتقد البعض أن قوله تعالى  في هذه الآية الكريمة (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ناسخة للتخيير في قوله تعالى (فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) وهذا غير صحيح فالمعنى أنك مخير –يا محمد- بين أن تحكم بينهم أو أن تعرض عنهم فلا تحكم بينهم، ولكن اذا حكمت فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

        

وهذه الآية نزلت في ثلاثة من أحبار اليهود وهم‏:‏ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُ صُورِيَا، قالوا فيما بينهم: تعالوا نذهب إِلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ ‏!‏ فذهبوا الى الرسول ﷺ وقَالُوا‏:‏ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تعلم أَنَّا أَحْبَارُ اليَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ، وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتبعك جميع اليهود، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً، فان قضيت لَنَا عَلَيْهِمْ، آمنا بك وصدقناك. فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)
        

(وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) يعنى احذرهم أن يوقعوك في الفتنة، وهي ان تحكم بغير حكم الله تعالى.
(عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) أي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ في القرآن العظيم
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) يعنى فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم الذي ستحكم به وهو الحكم الحق.
(فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) 
يعنى فَاعْلَمْ أن اللَّهُ –تعالى- يُرِيدُ أَنْ يعاقبهم على بعض ذنوبهم في الدنيا ، قبل أن يكون ما  يستحقون من عقاب يوم القيامة.
فكل من يترك حكم الله، ويحتكم الى غير شرعه تعالى، يعاقب بذلك في الدنيا قبل يوم القيامة.

قوله تعالى (أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ) ارادة الله لا تعنى أن الله يرغب في ذلك أو أنه –تعالى- يحب ذلك، ولكنها الارادة القدرية ، يعنى قدر الله عليهم وكتب عليهم في كتابه أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.
(وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)
يعنى الكثرة الكاثرة من الناس فاسقون، والكثرة الكاثرة من الناس كافرون، وأما المؤمنون فهم قلة، وهذا في كل زمن وفي كل مكان
يقول تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)
ويقول تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
المسلمون يمثلون خمس العالم، وفيهم طوائف منتسبون للإسلام وهم ليسوا كذلك –مثل الدروز- والملتزمون من هؤلاء قليل.

يقول ابن القيم "عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين"
        

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
وهذه الآية نزلت في خصومة قتيل وقعت بين بنى النضير وبنى قريظة، وكانت بنى النضير أقوي من بنى قريظة، فكانت دية القتيل في بنى النضير –قبل هجرة الرسول ﷺ  ضعف دية القتيل في بنى قريظة، فلما تحاكموا الى الرسول ﷺ  طلبت بنى النضير أن يحكم الرسول ﷺ بما كانوا عليه في الجاهلية، فرفض الرسول ﷺ  أن يحكم بذلك وقال ﷺ  "القتلى سواء ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة" فقالت بنو النضير: لا نرضى بحكمك يا محمد، أنت عدونا، وأنت ما تألو في وضعنا وتصغيرنا.
فأنزل تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) وقرأت (تَبْغُونَ)
يعنى يطلبون.
وهذا سؤال استنكاري توبيخي.
فكل حكم مخالف لحكم الله فهو حكم جاهلي
وكل دساتير الدنيا اذا لم تكن على شرع الله فهي جاهلية 
فالْجَاهِلِيَّةِ ليست فترة زمنية، ولكنه وضع يمكن أن يكون في أي وقت.

        

يقول تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
وهذا سؤال تقريري، ولذلك قال العلماء عندما تسمع أو تقرأ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) تقول "لا أحد"
فالذي يختار قانونًا غير حكم الله تعالى فكأنه يقول أن هذا القانون الذي اختاره أكثر حكمة من قانون الله تعالى.
فنحن صنعة الله، ولسنا صنعة أنفسنا، والصانع هو الأعلم بما يصلح صنعته
يقول تعالى (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇