Untitled Document

عدد المشاهدات : 381

الحلقة (353) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (54) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ....

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (353)
تدبر الآيات (54) من سورة "المائدة" (ص 117)

        

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) 
        

ذكر العلماء أن أنواع الاعجاز في القرآن العظيم أربعة، وهي: الاعجاز اللغوي او البياني، والاعجاز التشريعي، والاعجاز العملي، والاعجاز الغيبي.
ومن أنواع الاعجاز الغيبي هو اخبار القرآن العظيم عن أحداث ستقع في المستقبل، ثم تقع بالفعل كما أخبر القرآن العظيم.
وهذا مثل أخبار القرآن العظيم عن انتصار الروم على الفرس فِي بِضْعِ سِنِينَ، أي في مدة لا تزيد عن تسع سنوات، ذلك أن الفرس انتصروا على الروم، فشمتت قريش في المسلمين -وكان ذلك قبل الهجرة- لأن الفرس أهل أوثان، والروم أهل كتاب،  فنزل قول الله تعالى في سورة الروم (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) وبالفعل تحقق نصر الروم على الفرس –كما اخبر القرآن العظيم- وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.
وهذه الآية الكريمة التي معنا من آيات الاعجاز الغيبي في القرآن الكريم، لأنها تتناول ما حدث في آخر حياة الرسول ﷺ وبعد وفاة الرسول ﷺ عندما ارتدت عدد كبير من قبائل الجزيرة العربية عن الاسلام، ولم يبق على الاسلام الا مكة والمدينة المنورة والطائف، وقرية "جُواثَى" في شرق الجزيرة.
وكان سبب ارتداد كل هذه القبائل أن أعدادًا كبيرة من قبائل الجزيرة العربية دخلت في الاسلام في العامين الأخيرين من حياة الرسول ﷺ اما خوفًا من قوة المسلمين، أو رغبة في الغنائم والأموال، فلم يكن الايمان قد تمكن من قلوب هؤلاء، بل كانوا يجهلون حقيقة الاسلام، وحقيقة الرسول ﷺ
وكان ارتداد الجزيرة العربية له عدة أشكال، فمنهم من عاد الى عبادة الأصنام، ومنهم من منع الزكاة انكارًا لفرضيتها، ومنهم من اتبع من ادعي النبوة من قومه، والذين كان من أشهرهم: مسيلمة الكذَّاب، والأسود العنسي، وسَجَاح.
وكان من فضل الله تعالى على هذه الأمة، أن أيدها بأبي بكر الصديق والصحابة الكرام، فبعد وفاة الرسول ﷺ اجتمع المسلمون على خلافة أبي بكر الصديق، والذي كان أول قراراته هو انفاذ جيش "أسامة بن زيد" لقتال الروم، بالرغم من معارضة كثير من الصحابة لهذا القرار، ولكن أصر أبو بكر على قراره، لأن جيش أسامة كان هو امر الرسول ﷺ وكان لإنفاذ جيش أسامة فائدة كبيرة لأنه وجد في أثناء زحفه الى منطقة الشام بعض القبائل قد ارتدت فقاتلهم وهزمهم، كما أنه أحدث في قبائل الجزيرة رهبة من المسلمين، وجعلهم يعتقدون أن المسلمين لهم قوة كبيرة في المدينة
 بعد ذلك قام أبو بكر بحراسة المدينة حراسة مستمرة، وأرسل لجميع القبائل التي بقيت على الاسلام لتوافيه في المدينة، وأرسل الى القبائل التي ارتدت رسائل شديدة اللهجة ليلقي الرهبة في قلوبهم. 
ثم قام أبو بكر بتجهيز 11 جيشًا كاملًا لحرب المرتدين في نفس الوقت، ووزعت هذه الجيوش توزيعًا دقيقًا بحيث غطت كل منطقة في الجزيرة العربية، وكتب الله تعالى النصر لجميع هذه الجيوش، ولم يبق في الجزيرة العربية مرتد واحد.
يقول أبو هريرة –رضى الله عنه- يصف هذا الموقف المتأزم: "والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استُخْلِفَ ما عُبِد اللهُ". 

        

يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) الارتداد هو الرجوع الى الخلف، والمعنى من يرجع مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ وهو دين الاسلام، الى الكفر والضلال.
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) يعنى من يرتد عن الاسلام الى الكفر، فان ذلك لَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، بل سوف يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ مؤمنين آخرين، كما قال تعالى في سورة محمد (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)
ثم وصفهم الله تعالى بستة صفات، فقال في الصفة الأولى والثانية (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) أي يُحِبُّهُمْ الله وَيُحِبُّونَ الله.


ثم قال تعالى في الصفة الثالثة والرابعة
(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) 
ونحن قلبنا الآية بدلًا من أن نكون  (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فنحن (أَذِلَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) كما يقولون "أسد على وفي الحروب نعامة" 
        

(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وليس المقصود بأَذِلَّةٍ أنهم مهانون، ولكن المراد هو المبالغة في وصفهم بالتواضع والرفق واللين والرحمة، في تعاملهم مع المؤمنين.
ومن دقة الأداء القرآني، أن الله تعالى قال (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وحرف (عَلَى) يستدعي الارتفاع والعلو، للإشارة الى أنهم يؤدون ذلك مع الْمُؤْمِنِينَ من باب الفضل لا من باب الضعف والهوان.

دخل عمر بن الخطاب مسجد الرسول ﷺ في الليل فتعثر بأعرابي نائم في المسجد، فصاح الأعرابي في عمر، وهو لا يعلم أنه أمير المؤمنين "هل انت أعمي " ؟ فقال عمر بهدوء "لا" فقال رجل للأعرابي أتسب امير المؤمنين يا أعرابي، فقال عمر: هو لم يسبني، بل سألني ان كنت أعمي، فقلت: لا.
        

(أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) يعنى أَشِدَّاءَ غُلَظَاءَ مع الكافرين.‏
كانت العرب تقول "أرض عزاز" يعنى أرض صلبة قوية، يقول تعالى (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) يعنى غلبنى في الكلام.
وهذا مثل قول الله تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ) 

        

روي أن من صفة الرسول ﷺ في التوراة أنه "الضحوك القَتَّال" ضحوك يعنى كثير الابتسام لأصحابه، ثم هو ﷺ "قَتَّال" لأعدائه.
        

من أمثلة عزة المؤمنين قصة "عبد الله بن حذافة السهمي" عندما وقع في الأسر مع مجموعة من المسلمين في أثناء حربهم مع الروم، وكان قيصر الروم قد سمع عن حب المسلمين للشهادة فأراد ان يختبر هؤلاء الأسري، فسأل عن رئيسهم فعلم أنه "عبد الله بن حذافة" فطلبه، ثم عرض عليه اما الموت واما ان ينتصر ويخلى سبيله، فاختار "عبد الله بن حذافة" الموت، فأمر قيصر أن يصلب وترمي عليه السهام دون أن تقتله، فثبت "عبد الله بن حذافة" على دينه، فأمر قيصر جنوده أن يأتوا بقدر كبير فيه زيت مغلى، ثم دعا بأسيرين من أسري المسلمين، وأمر أن يلقوا فيه فألقوا، ثم عرضوا على "عبد الله بن حذافة" أن ينتصر ويخلوا سبيله، فأبي، فأمر قيصر أن يلقي في القدر، فلما أخذوه بكي، ففرح قيصر، وقال له: تتنصر ؟! فأجابه "عبد الله بن حذافة" والله ما بكيت جزعًا من الموت، ولكن لأن لي نفسًا واحدة تقتل في سبيل الله، وكنت أشتهي أن يكون لي بعدد شعر جسدي أنفس، فتلقي كلها في القدر في سبيل الله، فقال له قيصر "أتقبِّل رأسي وأُخلِّي سبيلك؟» فقال له لا بل عنّي وعن جميع الأسرى؟ فقبل "عبد الله بن حذافة" رأس قيصر وأخلى سبيل جميع أسري المسلمين، فلما عاد الى المدينة قال "عمر بن الخطاب" حقٌ على كل مُسلم أن يُقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ.
        

روي أن رجلًا قدم على المعتصم وقال له: يا أمير المؤمنين، كنت بعمورية فرأيت امرأة عربية في السوق تجر إلى السجن وهي تصيح: وامعتصماه وامعتصماه، وكانت عمورية واحدة من أقوي الحصون البيزنطية.
فأرسل المعتصم رسالة إلى أمير عمورية وقال له: من أمير المؤمنين إلى كلب الروم أخرج المرأة من السجن وإلا أتيتك بجيش بدايته عندك ونهايته عندي. فلم يستجب الأمير الرومي، فقاد المعتصم جيش المسلمين بنفسه، ودار قتال مرير استمر 25 يومًا، حتى نجح في اسقاط هذا الحصن، وطلب المعتصم المرأة  فلما حضرت قال لها: هل أجابك المعتصم قالت نعم. 

 

 

        

 

 
 يقول تعالى (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ إعلاء دين الله.

(وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) يعنى وهم في حال جهادهم أعداء الله، لَا يَخَافُونَ من يومهم على ذلك الجهاد، وبصرف النظر عن من هو هذا اللائم، وهذا يدل على صلابة دينهم.
        

من أمثلة ذلك: عندما لام أبو بكر على قتال المرتدين أغلب الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب، وقالوا كيف تقاتل قومًا شهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدًا رسول الله، وأصر أبو بكر على قتالهم.
ومن أمثلة ذلك: حركة حماس، بالرغم من انها حركة تقاوم محتل مغتصب للأرض، الا أن أغلب دول العالم تصنفها على أنها منظمة ارهابية، حتى أن بعض الدول الاسلامية تعتبرها منظمة ارهابية.
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : 

(لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ (بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)
        

وقد ذكر المفسرون أقوالا متعددة في المراد بهؤلاء القوم الذين نزلت فيهم هذه الآية، فقال البعض هم أهل اليمن، لأنه ورد الخبر بأنه لما نزلت هذه الآية قال الرسول ﷺ هم قوم هذا، وأشار الرسول ﷺ الى أَبَي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ‏.‏  
وقيل أن المراد هم أبو بكر الصديق ومن معه من المؤمنين، الذين حاربوا المرتدين بعد وفاة الرسول ﷺ
فيكون معنى قوله تعالى (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) يعنى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ لهؤلاء الذين ارتدوا عن الاسلام، بِقَوْمٍ يحاربونهم (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وهم أَبُو بَكْرٍ الصديق ومن معه من المؤمنين.

        

(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) 
يعنى أن يحبهم الله ويحبونه، وهذه الصفات الطيبة الكريمة التي ذكرها الله تعالى في وصف هؤلاء المؤمنين، مِنْ أَنَّهُمْ أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، كل هذا من فضل الله تعالى واحسانه الذي يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ من عباده.
(وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) والله تعالى وَاسِعٌ في كل شيء، فهو تعالى وَاسِعٌ في عطائه، وَاسِعٌ في قدرته، وَاسِعُ في مغفرته، وَاسِعُ في علمه.
وهو تعالى عَلِيمٌ، يعنى ذو علم فيمن يستحق هذا العطاء، فلا يبذله الا لمن يستحقه.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇