Untitled Document

عدد المشاهدات : 248

الحلقة (368) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (93) و(94) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (368)
تدبر الآيتين (93) و(94) من سورة "المائدة" (ص 123)

        

(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)
        

قلنا في لقاء سابق أن الله تعالى قد أنزل تحريم شرب الخمر، في الآية رقم (90) من سورة المائدة، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
فلما نزل تحريم الخمر، قال الصحابة للرسول ﷺ: يا رسول الله لنا اخوان ماتوا وفي بطونهم الخمر، فكيف يكون حالهم ؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة، قال تعالى
(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ) أي اثم أو ذنب.
(فِيمَا طَعِمُوا) أي فيما شربوا من الخمر قبل تحريمه، وماتوا قبل تحريمه
لفظة "طَعِمُوا" تستخدم غالبًا في الأكل ولكن يمكن أن تستخدم في الشرب، كما في قوله تعالى في سورة البقرة  (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)
لأن الطعام أصله من الطعم، وهو تذوق الشي، وهذا يكون في الأكل وفي الشرب.
يقول القرطبي في تفسيره أن من فعل شيئًا ثم حرم بعد ذلك ومات قبل أن يحرم فلا شيء عليه، ولكن الصحابة سألوا الرسول ﷺ ذلك لغلبة الخوف عليهم، ولشدة شفقتهم على اخوانهم.

        

ثم يقول تعالى (إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) 
هذه العبارة تشمل الذين ماتوا قبل تحريم الخمر، والأحياء الذين شربوا الخمر قبل تحريمه.
والمعنى: لا جناح ولا اثم على الذين ماتوا قبل تحريم الخمر، ولا على الأحياء الذين شربوا الخمر قبل تحريمه، ولكن بشرط التقوي والايمان وعمل الصالحات

        

ثم يقول تعالى (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
هذه العبارة في حق الأحياء الذين شربوا قبل تحريم الخمر، وقد كرر الله تعالى لفظ التقوي في حقهم ثلاثة مرات، لأن الذي يشرب الخمر لابد أن تحدثه نفسه بالعودة لشرب الخمر، لذلك فهو في حاجة الى تجديد الايمان، وفي حاجة الى استدامة التقوي، وفي حاجة الى الترقي في مقامات الايمان 
ولذلك قال تعالى
(إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) 
والاحسان هو أعلى درجة من درجات التقوي.

        

روي البيهقي في سننه أن رجلًا جيء به الى عمر بن الخطاب وقد شرب الخمر، فأمر عمر بأن يجلد أربعين جلدة، فقال الرجل: يا امير المؤمنين لا يجوز لك جلد ظهري، ألم تقرأ القرآن، قال تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
فقال عمر للصحابة: ألا تجيبوه ؟ فقال عبد الله بن عباس: ان هذه الآية نزلت فيمن فعلوا ذلك قبل التحريم فلا جناح عليهم، أما وبعد أن حرم هذا الخمر فاقرأ (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فانه لا يضرب القرآن بعضه بعضا.
فقال عمر: اري أن الرجل جادل بالباطل ليدحض به الحق، فأزيد على الاربعين أربعين

        

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)
نزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، والمسلمون محرمون -والمحرم يحرم عليه صيد البر- ويحرم الصيد كذلك داخل حدود الحرم، حتى لو كان الشخص غير محرم، فلما نزل الصحابة وهم محرمون في بعض الطريق، كثر عندهم الصيد جدًا حتى دخل في رحالهم، وكان هذا اختبار من الله تعالى لهم، لأن أهل البادية بصفة عامة والعرب بصفة خاصة مولعون بالصيد.
وهذا يشبه اختبار الله تعالى للقرية من بنى اسرائيل التي كانت مطلة على البحر، فابتلاهم الله تعالى بألا تأتيهم الأسماك الا يوم السبت، وهو يوم يحرم عليهم فيه الصيد.

        

يقول تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ) 
يعنى ليختبركم اللَّهُ.
(بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) 
قوله تعالى (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ)
للتقليل والتحقير، يعنى هذا اختبار بسيط، يجب ان تنجحون فيه، وهو ليس اختبارًا كبيرًا، مثل الاختبار بفقد الأموال والأرواح.
يقول تعالى
(تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) يعنى تستطيعون صيده بسهولة، سواء باليد اذا كان صغيرًا أو بالرمح اذا كان كبيرًا.
كما نقول "في متناول اليد" والمقصود كل أنواع الصيد.

(لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) أي ليتميز الذي يخاف الله تعالى، وهو في مكان لا يراه فيه أحد.

        

لماذا قال تعالى (مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) مع أن الصيد غالبًا يكون أمام الناس ؟
الاجابة: حتى تكون هذه الآية نصب عين كل مسلم، حين يختبره الله بأن يجعل المعصية  في متناول يده، ولا يراه أحد الا الله تعالى، فيتذكر في ذلك الوقت قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)
وهذه من الأمور التي عمت بها البلوي في ذلك الزمان، فأصبح كل انسان معه في غرفة نومه جهاز صغير يستطيع أن يطوف به في كل أنواع المحرمات.
يقول ابن القيم رحمه الله : أجمع العارفون بالله بأن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات

        

(فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ) 
يعنى مَنِ خالف أمر الله تعالى بَعْدَ أن وضح الله تعالى الحكم
(فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فَلَهُ عَذَابٌ مؤلم موجع.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇