Untitled Document

عدد المشاهدات : 260

الحلقة (369) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (95) و(96) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (369)
تدبر الآيتين (95) و(96) من سورة "المائدة" (ص 123)

❇        

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
❇        

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) 
قوله تعالى (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) يعنى وَأَنْتُمْ محرمون بحج او عمرة.
أو وَأَنْتُمْ داخل حدود الحرم، سواء كان من أهل مكة أم من خارجها، وحدود الحرم بينها جبريل للرسول ﷺ وبينها الرسول ﷺ للصحابة، والمملكة السعودية وضعت علامات واضحة لحدود الحرم، أقربها التنعيم 7 كم، وأبعدها عرفة حوالى 20 كم، وعرفة ليست من الحرم.
اذن لا يجوز الصيد للمحرم بحج او عمرة حتى وان كان خارج حدود الحرم، ولا يجوز الصيد داخل الحرم حتى وان لم يكن محرمًا.
كما لا يجوز له أن يساعد على الصيد، فلا يشير ولا يناول ولا يتدخل في عملية الصيد أبدًا

❇        

قوله تعالى (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ) 
الصيد عدة انواع:
الأول: هناك صيد البحر، وهذا أحله الله تعالى، قال تعالى في الآية التالية (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)
الثاني: صيد أمر الرسول ﷺ بقتله سواء في الحل والحرم، عن عائشة أن الرسول ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" ومن العلماء من ألحق بالعقرب الحية، ومنهم من ألحق بالكلب العقور الذئب والأسد والنمر والفهد لأن هذه الحيوانات أشد خطورة من الكلب العقور.
الثالث: صيد الحيوانات والطيور التي تؤكل، وهذا لا يجوز للمحرم أو داخل حدود الحرم باتفاق العلماء.
الرابع: صيد الحيوانات التي لا تؤكل، مثل الضبي والصقر وغير ذلك، فذهب بعض العلماء الى أن ذلك لا يجوز، وقال البعض أنه جائز.
والراجح أن صيد الحيوان الذي لا يؤكل غير جائز للمحرم، لأنه اذا لم يأكله فانه سينتفع به، كمن يصيد فيلًا مثلًا لينتفع بعاجها.

❇        

(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا)
(مُتَعَمِّدًا) يعنى قاصدًا الصيد.
قال العلماء أن هذا الحكم يشمل المتعمد وغير المتعمد، مثل الذي أصطاد وقد نسي أنه محرم، أو نسي أنه في الحرم، ومثل الذي أراد أن يصيب شجرة فأصاب طيرًا.
في كل هذه الحالات، سواء عامدًا أو ناسيًا أو خطًأً يكون الحكم، وهذا ما دلت عليه السنة الشريفة، بل ان الآية نزلت في "أبي اليسر بن عمرو" عنما قتل صيدًا وهو ناسيًا أنه محرم.
وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة ورواية عن أحمد.

❇        

لماذا قال تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) ؟
لأن الله تعالى قال بعد ذلك (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) فأراد تعالى أن يوضح أن الانتقام يعنى العقاب الشديد يترتب على العمد وليس الخطأ

❇        

 (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) 
(فَجَزَاءٌ) يعنى فكفارة هذا القتل للحيوان، وأنت محرم أو داخل حدود الحرم.
(مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) يعنى أن يذبح حيوان يشبه الحيوان الذي قتله، في شكله وفي حجمه.

❇        

(مِنَ النَّعَمِ) يعنى من الأنعام وهي الابل والبقر والضأن والماعز
فحين قتل أحد المسلمين ضبعًا أمر الرسول ﷺ من قتله أن يفدي بكبش.
وحكم الصحابة على من قتل نعامة أن يفدي بناقة، ومن قتل بقر الوحش أن يفدي ببقرة، ومن اصطاد الحمار الوحشي ببقرة
وفي الغزال بسخلة وهي أنثى الماعز، وقال البعض كبش، ومن قتل أرنب بجدي صغير، ومن قتل يربوعًا وهو حيوان أكبر من الفأر أن يفدي بجفرة، وهو ولد الماعز عندما يستغني عن لبن أمه.

❇        

(يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) يعنى الذي يحكم بذلك ويختار الحيوان الذي يذبح رجلان، تتوافر فيهما العدالة يعنى العقل والخبرة، وقوله تعالى (مِنْكُمْ) يعنى من المسلمين
روي أن عمر بن الخطاب جاءه رجلان قد صادا في الحرم، وكان في المجلس "عبد الرحمن بن عوف"  فالتفت عمر الى "عبد الرحمن بن عوف" وقال له: ما تقول في هذا الصيد الذي صاده، قال: أقول فيه كذا، فقال عمر: وأنا أقول كذلك، فحكم عمر وانصرف الرجلان، فلما انصرفا: قال أحدهما الى الآخر: امير المؤمنين لا يحكم في شاة حتى يستجلب رجل آخر ! فسمعه عمر فدعاه وقال له: متى أسلمت ؟ قال قريبًا، لو كنت أسلمت قديمًا لأوحعتك ضربًا، أما قرأتم قول الله تعالى (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)

❇        

وهذه اشارة قرآنية كان يجب أن يتنبه اليها نظام القضاء في الاسلام، فاذا كان الله لم يأمن على رأس شاة الا بحكم رجلين عدلين، فالأولى ألا يتولى القضاء رجل واحد 
❇        

(هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)
يعني يبلغ بالهدي الْكَعْبَةِ ويذبحه هناك، ويتصدق بلحمه على الفقراء.
والمقصود بالْكَعْبَةِ أن يكون داخل حدود الحرم.
والله تعالى جعل الهدي في الحج لفقراء مكة، حتى يستفيد أهل مكة من موسم الحج، وبذلك يرحبوا بالحجاج ويكرموهم، حتى عندما أصبحت أغلب هذه اللحوم تنقل خارج مكة الى الدول الاسلامية الفقيرة، فان أهل مكة يستفيدون من النشاط التجاري في موسم الحج، وبذلك ينتظرون موسم الحج، ويكرمون الحجاج.

❇        

 (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ)  
يعنى أو يكون على قاتل الصيد أن يطعم مساكين أهل مكة.
والطعام الذي يخرجه هو الذي يساوي قيمة الحيوان المماثل للحيوان الذي صاده.
يعنى مثلًا: من قتل نعامة، فان الحيوان المماثل له هو الناقة، فيخرج الذي قتل النعامة طعامًا بقيمة الناقة.
قال العلماء: ويعطي كل مسكين نصف صاع من قوت اهل البلد، أي حوالى كيلو جرام ونصف من قوت اهل البلد.

❇        

(أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) يعنى أو قيمة ذلك الطعام صيامًا، فيصوم عن كل مسكين كان سيطعمه يومًا 
يعنى يصوم يومًا عن كل نصف صاع من الطعام.
يعنى يصوم يومًا عن كل كيلو ونصف من الطعام.
مثال: من قتل غزالًا وهو محرم أو داخل حدود الحرم، فان الحيوان المماثل للغزال هو السخلة وهي انثى الماعز، فاذا لم يجد فانه يقدر قيمتها، وليكن 2000 جنيه مثلًا، أو 1000 ريال، فيشتري بقيمة الـ 2000 جنيه طعامًا ويطعم به مساكين، كل مسكين كيلو ونصف من قوت أهل البلد، فاذا لم يستطع يصوم عن كل مسكين كان سيطعمه يومًا.
يعنى اذا كان سيشتري بالـ 2000 جنيه 50 صاع من الطعام، وكل مسكين يأكل نصف صاع، يعنى كان سيطعن 100 مسكين، فيجب عليه صيام 100 يوم
وقال بعض الفقهاء لا تزيد أيام الصيام عن 60 يومًا، كما هو الحال في غير ذلك من الكفارات، مثل كفارة الظهار والقتل الخطأ وغير ذلك.

❇        

سؤال: هل هذا الصيد يحل اكله ؟ قال العلماء هذا يعتبر ميتة، فلا يجو أكله، فلا يحل أكله لا لمن قام بالصيد أم لغيره.
❇        

(لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)
حتى يدفع ثمن فعتله وهو قتل الصيد وهو محرم أو داخل الحرم.
(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) 
يعنى عَفَا اللَّهُ عن من اصطاد قبل هذا الحكم
(وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)
أي ومن عاد الى قتل الصيد وهم محرم، أو من عاد الى قتل الصيد داخل الحرم، فان الله تعالى ينتقم منه أي يعاقبه عقوبة شديدة، وذلك يوم القيامة.
وجمهور العلماء على أن من قتل الصيد وهو محرم، أو من قتل داخل الحرم، فان عليه الجزاء كما في الآية، فان عاد يكرر عليه الجزاء.
وقال البعض أن الجزاء يكون لمرة واحدة فقط، فان عاد فلا جزاء عليه، وانما يقال له "ينتقم الله منك"
عن شريح: أن رجلاً أتاه فسأله أن يحكم عليه، فقال له شريح: هل أصبت صيداً قبله؟ قال: لا، قال: لو كنت أصبته قبل ذلك لم أحكم عليك.

(وَاللَّهُ عَزِيزٌ) يعنى لا يغلب
(ذُو انْتِقَامٍ) يعنى ذو عقاب شديد.

❇        

(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
هذه الآية تضع القاعدة العامة بالنسبة لما أحله الله وما حرمه من الصيد بالنسبة للمحرم، فقال تعالى أنه قد أحل صَيْدُ الْبَحْرِ، وَحُرِّمَ صَيْدُ الْبَرِّ.
والله تعالى وضع هذا التشريع تكرمة للمحرم نفسه، فلو أن الله تعالى قد أحل صيد البر للمحرم، فان ذلك سيثير حفيظة أهل الحرم على من يقصد الكعبة للحج أو العمرة أو الزيارة، وقد يدفعهم ذلك الى اساءة معاملة المحرمين أو التضييق عليهم، والله تعالى لا يريد ذلك، لأنه تعالى هو المزور، وهو –تعالى- بل يريد اكرام زوار بيته 
أما صيد البحر فاذا صيد المحرم من البحر لا يؤثر في صيد البحر، فلا يثير حفيظة أهل الحرم.


❇        

يقول تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)
كلمة (الْبَحْرِ) لا تعنى ما نطلق عليه البحر الآن، ولكن تشمل جميع أنواع المياه العذبة والمالحة، من بحار ومحيطات وأنهار وترع وبحيرات.
وقد سمي الله تعالى النهر بحرًا، فقال تعالى في سورة الرحمن (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)
أما
(صَيْدُ الْبَحْرِ) فهو ما يعيش في البحر ولا يعيش في غيره.

❇        

وقوله تعالى (وَطَعَامُهُ) قال البعض أنه ما يلقيه البحر على ساحله من حيوانات ميتة.
وهذه الآية نزلت في بني مدلج كانوا أهل صيد البحر سألوا النبي ﷺ عن طعام البحر وعما يلقيه البحر من أسماك على شاطئه، فأنزل الله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) 

عن أبي هريرة قال: كنت في البحرين، فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك، فقلت كلوه، فلما رجعت إلى المدينة سألت عن ذلك عمر بن الخطاب، فقال: ما أمرتهم به، فقلت: أمرتهم بأكله، فقال: لو أمرتهم بغير ذلك لضربتك بالدرة، ثم قرأ عمر: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ) فصيده ما صيد وطعامه: ما رمي به
وقال البعض أن قوله (وَطَعَامُهُ) هو ما يملح من الأسماك، مثل الفسيخ والملوحة والرنجة والانشوجة، وغير ذلك
ويدخل فيه القواقع والطحالب والسوشي –وهو عبارة عن  حشو مغلف بورقة من الأعشاب البحرية- وغير ذلك مما ينتفع منه من البحر.

❇        

وقد احتج بهذه الآية من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئا، سواء كان كلب البحر أو خنزير البحر.
❇        

في السنة الثامنة من الهجرة أرسل الرسول ﷺ سرية قوامها 300 من المهاجـــــرين والأنصار، وأمر عليهم "أبو عبيدة بن الجراح" وكان في السرية "عمر بن الخطاب" وكان تموين الجيش هو جراب من تمر، وكان "أبو عبيدة بن الجراح" يعطي كل رجل كل يوم تمرة واحدة، سأل "جابر بن عبد الله" ما كنتم تصنعون بها: فقال: كنا نمصها كما يمص الصبي، فلما فني التمر، كانوا يخبطون الشجر لتسقط أوراقه ويأكلون ورق الشجر، فلما وصلوا الى ساحل البحر، ألقي البحر اليهم حوتًا ضخمًا، فأقاموا شهرًا كاملًا يأكلون من لحمه حتى سمنوا، ثم حملوا من لحمه وقدموا الى المدينة، فلما أخبروا الرسول ﷺ قال لهم: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء 
❇        

(مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)
(مَتَاعًا لَكُمْ) أي منفعة للمقيمين في القري والمدن المطلة على شواطئ البحار 
(وَلِلسَّيَّارَةِ) أي للمسافرين والقوافل، والبواخر التي تسير في البحر 

❇        

(وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) تأكيد 
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) يعنى أكثر ما يعين على تقوي الله –عز وجل- أن نعلم أننا –يقينًا سنحشر اليه وسنقف بين يديه ويسألنا على أعمالنا.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇