Untitled Document

عدد المشاهدات : 292

الحلقة (372) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (103) و(104) و(105) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- )مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (372)
تدبر الآيات (103) و(104) و(105) من سورة "المائدة" (ص 124)

        

(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
        

(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)
(مَا جَعَلَ اللَّهُ) يعنى: مَا شَرَعَ اللَّهُ (مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ)
كان العرب في الجاهلية اذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، شقوا أذنها، حتى يكون ذلك علامة لها، وسموها "البحيرة" يعنى مشقوقة الأذن، وتركوها للآلهة فلا تنحر ولا تحلب ولا تركب. 
أما
السائبة، فهي الناقة تلد عشرة أبطن إناث، ليس بينها ذكر، فيسيبونها للآلهة فلا تنحر ولا تركب، ولذلك أطلقوا عليها سائبة.
أما
"الوصيلة" فهي الشاة اذا ولدت سبعة ابطن، فاذا كان السابع ذكر ذبح، واذا كانت أنثى تركت، واذا كانت ذكر وأنثى تركوهما، وقالوا هذه الأنثي وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، ولذلك أطلق عليها "وصيلة"
أما
"الحام" فهو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون: حمى ظهره فلا يحمل عليه، ويترك لا يمنع من ماء أو مرعى.
وهذا يشبه ما يفعله الهندوس في الهند عندما يتركون الأبقار.
وهناك روايات أخري في تفسير هذه الألفاظ، وهذا لا يهم، المهم هو أنهم ابتدعوا أمورًا حرموا بها على أنفسهم الانتفاع ببعض أنعامهم.

        

وأول من أدخل هذه البدع عند العرب هو "عمرو بن لُحَيّ" وكان سيد مكة ومن سادات العرب، وكانت الجزيرة على دين ابراهيم واسماعيل –عليهما السلام- حتى جاء "عمرو بن لُحَيّ" فكان أول من أدخل الى الجزيرة عبادة الأصنام، كما أدخل فيها هذه البدع وهي: البَحِيرَة وَالسَائِبَة وَالوَصِيلَة وَالحَام، وقد أخبر الرسول أنه قد رآه يجر قصبه أي يجر أمعاءه في النار.
        

يقول تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) يعنى ما شرع الله ما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم مِنْ الانتفاع ببعض أنعامهم من البَحِيرَة وَالسَائِبَة وَالوَصِيلَة وَالحَام.
        

(وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) يعنى وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بهذا التحريم، يفترون على الله، ويكذبون على الله، ويقولون أنه –تعالي- شرع هذه الأمور، وهو تعالى لم يشرعها.
(وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) يعنى الذي يعتقد هذه الأمور لا عقل له، وقوله تعالى (وَأَكْثَرُهُمْ) يعنى ليس كل العرب كان يعتقد في هذه السخافات، فهناك قلة كانوا لا يعتقدون بها، وان كان أكثرهم يعتقدون بها

        

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) 
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا) يعنى يكفينا (مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا)
وهذه دائمًا حجة الكفار في كل الأمم، ومنطقهم في هذا أنهم يأخذون من آبائهم، وأبائهم أخذوا من آبائهم، وهكذا حتى الأنبياء.
فيرد الله تعالى على هذا المنطق المغلوط فيقول
(أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) يعنى ماذا لو كان آَبَاؤُهُمْ أو حتى واحد من سلسلة آبائهم ليس عنده علم، أوليس مهتديًا.
وهذا هو الواقع فعلًا، فان العرب كانوا على ديانة ابراهيم واسماعيل -عليهما السلام- حتى جاء واحد من آبائهم وهو "عمرو بن لُحَيّ" فأدخل عبادة الأصنام، وأدخل البدع التى ساروا عليها من البَحِيرَة وَالسَائِبَة وَالوَصِيلَة وَالحَام، ثم سار من بعده من آبائهم على هذا الضلال.

❇        
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
ظاهر هذه الآية أن المسلم ليس عليه الا أن يصلح نفسه، وأنه لا يلزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يتعارض مع كثير من الآيات التى تأمر بالأمر بالمعورف والنهي عن المنكر، مثل (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( وقوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
ولذلك توقف بعض الصحابة عند هذه الآية، فقد
روي أن أبا بكر الصديق صعد المنبر، وقال "أيها الناس لا تغتروا بقول الله (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) فيقول أحدكم عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب"
وقد روي أن أبا ثعلبة الخشني سأل الرسول ﷺ عن هذه الآية? فقال له الرسول ﷺ: ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم فإن وراءكم أياماً أجر العامل فيها كأجر خمسين منك. 
وروي أن جماعة كانوا جلوسًا عند "عبد الله بن مسعود" فحدث مشادة بين اثنين، فقال رجل من الجلساء: أفلا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر، فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك فإن الله يقول (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) فسمعها "عبد الله ابن مسعود" فقال: ليس هذا بزمان هذه الآية، إن هذا في آخر الزمان.


        

فاذا وضعت هذه الآثار الى الأثار الى جانب حديث الرسول ﷺ تدرك أن هذه الآية تحمل معنيين، وكل معنى يوافق زمن من الأزمنة، وهذا من اعجاز القرآن العظيم.
المعنى الأول: الاية تؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) يعنى عليكم بالنصيحة لأهل دينكم، وأن يعظ بعضكم بعضا (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)  ومن ضمن الاهتداء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون المعنى: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
والمعنى الثاني: في أوقات الفتن، يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) يعنى في أوقات الفتن أنتم مسئولون عن أَنْفُسَكُمْ فقط وعن أعمالكم فقط، و(لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)
لأن في أوقات الفتن اذا أمر المسلم بالمعروف ونهي المنكر، فسيؤذي ايذاءًا شديدًا، ولن يترتب على نصحه فائدة ، وقد يوصم بالإرهاب، وقد يفصل من عمله، وقد يقبض عليه.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇