Untitled Document

عدد المشاهدات : 285

الحلقة (379) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (1) و(2) و(3) من سورة "الأنْعَام" قول الله -تَعَالي- (الْحَمْدُ لِلَّهِ ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (379)
تدبر الآيات (1) و(2) و(3) من سورة "المائدة" (ص 128)

        

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) 


        

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)
قوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
هذه الآية جملة خبرية بمعنى الأمر، تقدير الآية قولوا (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) 
ولم يقل تعالى "احمدوا الله" حتى يعملنا اللفظ الذي نحمده به الله.
فالذي يتلو القرآن يستجيب لأمر الله تعالى لأنه يقول (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) كما أمر الله تعالى، أما الذي لا يتلوا القرآن فهو لم يستجب لأمر الله تعالى.

        

معنى قوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
يعنى الشكر والثناء لله على خلقه السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، والشكر والثناء لله على جعله الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ.

        

وذكر تعالى حيثية الحمد فقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
فالله تعالى أعد هذا الكون لاستقبال الانسان قبل أن يستدعيه للوجود، وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ والتي هي من أهم أسباب الحياة قبل أن يخلق الانسان، لذلك فهو يستحق الحمد والثناء على ذلك الخلق وعلى ذلك الجعل.

        

الألف واللام في قوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ) للاستغراق، يعنى كل الحمد لا يكون الا لله تعالى وحده.
فكما أن الله تعالى انفرد بخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وانفرد بَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، فيكون تعالى هو المستحق للحمد منفردًا
        

        

(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) 
العدل هو المساواة، فقوله تعالى (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) يعنى يساوون بِرَبِّهِمْ غيره، فيشركون معه في العبادة الهة أخري.
وجاء العطف بـ
(ثُمَّ) كما تقول: فعلت لك كذا وكذا، وبعد كل ما فعلته، أنت فعلت كذا.
والمعنى ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مع قيام كل هذه الدلائل الظاهرة على قدرته تعالى يشركون معه في العبادة الهة أخري لا تنفع ولا تضع.
والآية فيها تعجب من هؤلاء القوم الذين يروون هذا الوجود الهائل، ويرون قدرة الله تعالى في خلق خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَفي جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثم بعد كل ذلك يجعلون لله شركاء في العبادة. 

        

والآية الكريمة ذكرت خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ والظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، للدلالة على عدم وجود شركاء لله تعالى، لأنه لم يدعِ أحد أنه خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أو جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ولا يستطيع أحد أن يدعي هذا الأمر، لأن كل انسان جاء الى هذا الكون، وهي موجودة قبل أن يوجد هذا الانسان.
ولذلك عندما ذكر تعالى قصة الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، جاء برجل من حاشيته فقتله، وجاء برجل حكم عليه بالإعدام فعفي عنه، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، قال تعالى (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)
وقد قلنا أن مقصد سورة الأنعام هو مناقشة ومحاجة المشركين والملحدين، وقلنا أن سورة الأنعام 165 آية، فيكون تعالى قد أنهي هذه المناقشة في آية واحدة.

        

روي عن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه، والاثنان كانا على علم بالتوراة، أن هذه الآية هي أول آية في التوراة.
يقول الضحاك من التابعين: هذه الآية فيها رد على المجوس لأنهم قالوا: الله خالق النور، والشيطان خالق الظلمة.


        

ومن دقة الأداء القرآني عبر تعالى في جانب السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فقال "خَلَقَ" فقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، وفى جانب الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ قال "جَعَلَ" وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
لأن الخلق يعنى الايجاد من عدم، فناسب ذلك السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، لأن الله تعالى أوجد السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ من العدم، أما الجعل فهو شيء ينشأ من شيء، كما نقول جعلت الخشب كرسيًا، فناسب لفظ الجعل الظلمات والنور، لأن الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ لم توجد عدم ، وانما نشأت نتيجة لخلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وحركة الأرض حول محورها أمام الشمس.
ولذلك فهذا التعبير فيه اشارة علمية لم يصل اليها الانسان الا بعد نزول القرآن بمئات السنين.


وهذه الآية الكريمة فيها عدد آخر من الاشارات العلمية:
يقول تعالى (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فجاءت الظُّلُمَاتِ في مقابل السَّمَوَاتِ، وَجاء النُّورَ في مقابل الْأَرْضَ، وهذا الترتيب القرآني يشير الى حقيقة كونية أثبتها العلم الحديث اليوم، فبعد ان صعد الانسان الى الفضاء اكتشفوا أن الكون يغشاه ظلام دامس، وأن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس لا يتعدى سمكه 200 كم فوق سطح البحر، وإذا ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يرى الشمس قرصًا أزرق في صفحة سوداء حالكة السواد.
ولذلك جاءت الظُّلُمَاتِ في مقابل السَّمَوَاتِ، لأن الظلام هو الذي يغلب على الكون، وَجاء النُّورَ في مقابل الْأَرْضَ لأن النور هو الذي يغلب على الأرض، لأن الشمس تنير نصف الكرة المواجه لها، والنصف الآخر يكون منيرًا بالقمر والكواكب.

الاشارة العلمية الثالثة أن الآية الكريمة ذكرت الظلام بصيغة الجمع، فقال تعالى (الظُّلُمَاتِ) وذكر النُّورَ بصيغة المفرد فقال تعالى  (النُّورَ) وقد يتفق مع ما وصل اليه العلم الحديث من أن نسبة الظلام في الكون أكثر من 96% بينما كمية النور قليلة جدًا، ولذلك يعبر القرآن الكريم دائمًا عن الظلام بصيغة الجمع وعن النور بصيغة المفرد.
الاشارة العلمية الرابعة أن الله تعالى ذكر الظُّلُمَات قبل النُّورَ، فقال تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وقد توصل العلماء الى أن الكون مر بعصور مظلمة استمرت ملايين السنين، وبدأت بعد ذلك النجوم في التشكل منهية عصر الظلام ، ولذلك فهذه الآية وهي آية تتناول بدايات الخلق، وجميع آيات القرآن التي تتحدث عن بدايات الخلق نجد أن الله تعالى يذكر الظلمات قبل النور دائمًا.


        

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) 
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) لأن الله تعالى خلق آدم من طين، فباعتبار أصلنا جميع الناس مخلوقين من طين.
وهذا دليل آخر على قدرة الله تعالى، لأنه –تعالى- حول الطين الى هذا المخلوق المفكر المبدع.
واختار الله تعالى أن يكون خلق الانسان من طين، حتى يتذكر الانسان أصله دائمًا ولا يتكبر.
يقول تعالى
(ثُمَّ قَضَى أَجَلًا) يعنى جعل لكل انسان وقت محدد لانتهاء عمره.
 
(وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) وهناك أَجَلٌ آخر للبعث والقيام من القبور وهو يوم القيامة.
وقوله تعالى (مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعنى لا يعلمه الا الله تعالى.

(ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) يعنى ثُمَّ أَنْتُمْ برغم ذلك (تَمْتَرُونَ) يعنى تشكون في الأجل الثاني، وهو البعث ويوم القيامة.

        

كأن الله تعالى يقول أن خلق الانسان ثم موته دليل على البعث يوم القيامة، لأن الانسان خلق من طين، فاذا مات عاد الى الطين، فالذي يخلق انسان من طين، ثم يعيده الى الطين قادر على أن يعيد هذا الطين انسانًا مرة أخري.
        

قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يتطابق مع ما وصل اليه العلم الحديث، لأن الطين عبارة عن تراب وماء، وجسم الانسان يتكون 70% منه من الماء، وبقية جسم الانسان يتكون من نفس العناصر الموجودة في التراب.
ولذلك يقول العلماء أن جسم الانسان عبارة عن ربع برميل ماء وكومة تراب.
وعندما يموت الانسان فان الماء الذي في جسم الانسان يتبخر وتعود هذه العناصر الى الأرض التي جاءت منها مرة أخري.


        

وقد استحب بعض أهل العلم عند القراءة، أن تقف بعد (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا)
        

قصة عن الأجل:
أحد الحكام الظلمة قبض على أحد العلماء وقتله، ثم جاء بأبيه يريد ان يذله وقال له: لقد قتلنا ابنك، فقال له الأب في ثقة المؤمن: لو لم تقتله لمات.

        

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)
يعنى وَهُوَ الاله المدبر المعبود فِي السَّمَوَاتِ، يعبده أهل السَّمَوَاتِ من الملائكة، وفي الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال "قد أطَّت السماءُ ، وحقَّ لها أن تئطَ ، ما فيها موضعَ أربعِ أصابعٍ إلا وملك قائمٌ ، أو راكعٌ ، أو ساجدٌ"
(وَفِي الْأَرْضِ) وَهُوَ الاله المدبر المعبود فِي الْأَرْضِ، يعبده المؤمنين من الانس والجن، بل وتعبده جميع المخلوقات، حتى الجمادات معبودة مسبحة لله تعالى، قال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) 
(يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)
يعنى يعلم تعالى ما في نفوسكم ويعلم ما تجهرون به.
(وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) يعنى وَيَعْلَمُ مَا تعملون من خير وشر.

        

وهذه الآية تقرأ على وجهين: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)
والوجه الآخر (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ) وتقف، يعنى أنه الله فِي السَّمَوَاتِ على عرشه، ثم تقرأ (وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇