Untitled Document

عدد المشاهدات : 187

الحلقة (385) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآيات من (27) الى (32) من سورة "الأَنْعَام" قول الله -تَعَالي- (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (385)
تدبر الآيات من (27) الى (32) من سورة "الأَنْعَام" (ص 130)

        

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) 


        

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)
(وَلَوْ تَرَى) 
(لَوْ) أداة شرط 
(تَرَى) فعل الشرط.
ولكن حذف جواب الشرط، وذلك تفخيمًا وتشنيعًا للأمر.
كما لو قال المحقق مع أحد المجرمين: والله لو قمت اليك، ثم سكت عن الجواب، فهذا أبلغ من قوله والله لو قمت اليك لضربتك بقبضتى، لأنك اذا سكت عن الجواب فسيخطر بباله كل أنواع التعذيب.

        

وقوله تعالى (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) يعنى أوقفتهم ملائكة العذاب على مشارف النار، وهي هاوية سحيقة، وعاينوا لهيبها وسعيرها، وأغلالها وسلاسلها، وزقومها وكل ما فيها من أنواع العذاب الأليم.
قال أهل اللغة قال تعالى
(وُقِفُوا) ولم يقل "أوقفوا" لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب

        

يقول تعالى (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) 
(فَقَالُوا) استخدم تعالى حرف العطف الفاء ، والذي يدل على السرعة، يعنى أول شيء يقع في قلوبهم، ويسبق الى ألسنتهم، هو أنهم يندمون على كفرهم، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا.
(فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) يعنى يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ الى الدنيا 
(وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) 


        

(بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)
(بَلْ) للإضراب.
يعنى كلامهم غير صحيح، انما الصحيح ما سأذكره

(بَلْ بَدَا لَهُمْ) أي بَلْ ظهر لَهُمْ 
(مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) أي مَا كَانُوا يُخْفُونَه من الكفر والشرك، لأن المشركون سينكرون يوم القيامة أنهم كانوا مشركين في الدنيا، ويقولون كما أخبر تعالى في الآية (23) (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فلما يكذبون هذا الكذب على أنفسهم، يأمر الله جوارحهم أن تنطق، فتشهد عليهم بالكفر، وهذا هو معنى قوله تعالى (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ)

        

أو (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) أنها خاصة بالمنافقين، فيظهر مَا كَانُوا يُخْفُونَ من النفاق في الدنيا.
أو
(بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) من المعاصي والأفعال القبيحة التى كانوا يخفونها من الناس في الدنيا فتظهر يوم القيامة
اذن فالآية تشمل الكفار والمنافقين وأهل المعاصي.

(وَلَوْ رُدُّوا) يعنى وَلَوْ رُدُّوا الى الدنيا  
(لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) لَعَادُوا الى الكفر والشرك.  
(وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) يعنى وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ في ادعائهم أنهم لو عادوا الى الدنيا سيَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لأنهم طبعوا على الكفر والفجور والعناد
وهذا مثل ما نري في الدنيا من انسان فاسق أصابه مرض، فانه يقول أنه لن يرجع الى الفسق ان برأ من المرض، فاذا شفي عاد الى الفسق مرة أخري.

        

(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)
(وَقَالُوا) وهم المشركون، لأن المشركون والكفار لا يعتقدون في البعث بعد الموت.
فلما أخبرالنبي
كفار قريش عن أن هناك يوم قيامة وثواب وعقاب وجنة ونار، قال الكفار (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) يعنى ليس هناك الا هذه الحياة الدُّنْيَا (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ليس هناك بعث بعد الموت.

        

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) 
(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) أي وَلَوْ تَرَى إِذْ عرضوا عَلَى رَبِّهِمْ 
(قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) أي قال الله لهم، أو قالت لهم الملائكة (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) أَلَيْسَ البعث حق والجنة والنار حق والثواب والعقاب حق.
(قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا) اي قال المشركون بَلَى وَرَبِّنَا انه حق. 
 اذن أقروا و أكدوا الإقرار باليمين

(قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) 
(قَالَ) تعالى (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) والأمر للإذلال
والذوق كناية عن الإِحساس الشديد بالعذاب

(فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)
أي فَذُوقُوا الْعَذَابَ بسبب كفركم.


        

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) 
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) يعنى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بيوم القيامة 
(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) يعنى وَقَالُوا ليس هناك حياة الا هذه الحياة الدنيا 
(وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) وليس هناك بعث من القبور بعد الموت
(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) حَتَّى اذا قامت القيامة (بَغْتَةً) أي فجأة. 
مع أن القيامة لها أشراط ولها مقدمات، ولكن كل انسان اذا مات فقد قامت قيامته، لأن عمله ينقطع بموته.
يقول الرسول ﷺ
"من مات فقد قامت قيامته"
يقول تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ) يعنى حَتَّى إِذَا وقعت القيامة.
وسمي يوم القيامة بالساعة، لأن مدة تأخرها بالنسبة لما بعدها كالساعة، أي أن مدة الدنيا كلها بالنسبة للآخرة كالساعة.

(قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) يعنى قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا أي في الدنيا، أو شأن يوم القيامة 
(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) يعنى وهم يحملون ذنوبهم وآثامهم عَلَى ظُهُورِهِمْ. 
قيل أن الكافر اذا خرج من قبره استقبله عمله في صورة قبيحة ورائحة خبيثة، وقال له أنا عملك السيء، فطالما ركبتني في الدنيا وأنا أركبك اليوم.

(أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) أي بئس ما يحملون.


        

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)
يقول تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) يعنى جميع مَا في الْحَيَاةُ الدُّنْيَا من نعيم ومن متع، ليست الا (لَعِبٌ وَلَهْوٌ)
كل حركة لك في الحياة لا تبتغي بها وجه الله فهي (لَعِبٌ وَلَهْوٌ)

        

اللعب هو الأمر الذي لا فائدة منه.
واللهو هو ما يلهي عن الأمور الجادة.
اللعب: مثل اثنين جلسوا ساعتين أو ثلاثة يلعبون الكوتشينة أو الطاولة، أو بلاي استيشن، ماذا استفادوا في النهاية ؟ لا شيء، ربما كانوا يستمتعون وهم يلعبون، ولكن بعد انقضاء اللعب ، لا متعة ولا فائدة ولا شيء.
وهكذا كل متع الدنيا وكل نعيم الدنيا ، ربما تستمتع بها في الدنيا، ولكن بعد أن تفارق الحياة تكون بلا فائدة، كما في الصحيح أنه يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيغنس في النار غمسة ثم بقال له: هل رأيت نعيمًا قط ؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت نعيمًا قط.
الصفة الثانية لنعيم الحياة الدنيا أنه لهو، يعنى يلهيك عما هو واجب، ويلهيك عما خلقت له وهو عبادة الله تعالى، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

        

اذن هذه الآية الكريمة تخبرك بحقيقة الدنيا، والذي يخبرك بحقيقة الدنيا هو خالقها وموجدها، لذلك فهي تأتي بالقول الفصل عن الدنيا.
وقد جاء وصف الْحَيَاةُ الدُّنْيَا بأنها (لَعِبٌ وَلَهْوٌ) في أربعة مواضع من القرآن العظيم: في هذه السورة، سورة الأنعام، والعنكبوت، ومحمد، والحديد.

        

يقول تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) 
يعنى الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ليست الا هذا فقط.
ووصف تعالى الْحَيَاةُ بالدُّنْيَا من الدنو والانحطاط.

(إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) فكل حركة لك في الحياة هي لعب يعنى حركة بلا فائدة، وهي لهو يعنى تلهيك عن الواجب الذي خلقت من أجله.
العمل مثلًا: أنت تقضي في عملك ثماني ساعات في اليوم، اذا لم تكن تبتغي بعملك هذا وجه الله تعالى، فهذا لعب ولهو.
الزوجة والأولاد: اذا لم تنظر الى الزواج والى الذرية على انه شعيرة دينية، تبتغي بها وجه الله، فكل وقت أنفقته للزوجة وللأولاد فهو لعب ولهو.

        

يقول تعالى (وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)
يعنى العمل للآخرة، وهو عمل الصالحات ليس لعبًا ولهوًا.

        

يقول تعالى (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) يحثك على التفكير في حقيقة الدنيا ، والموازنة بين اللذات العاجلة الفانية التى تكون فى الدنيا، وبين النعيم الدائم الباقى الذى يكون فى الآخرة.
ولذلك قال أحدهم: "أعقل الناس في الدنيا هم الزهاد"


هل تتصور أن رجل بات ليلة واحدة في فندق ليرتاح، لأنه عنده سفر طويل في اليوم التالى ،فلما دخل الى غرفته فلم يعجبه لون الحائط والستائر والأثاث،  فنزل وأحضر نقاش وقضي نهاره وليله كله ليغير في الغرفة التى سيغادرها تاني يوم الصبح، حتى أصبح الصباح وغادر الغرفة والتى ضيع فيها وقته وماله وصحته لأنه لم ينم طوال الليل، ثم لم يستطع السفر في اليوم التالى لأنه ضيع ماله وأصبح مهكًا.
هذا هو حال الذي يقضى حياته يلهث وراء ملذات الدنيا وينسي آخرته.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇