Untitled Document

عدد المشاهدات : 283

الحلقة (386) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (33) و(34) و(35) من سورة "الأَنْعَام" قول الله -تَعَالي- (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (386)
تدبر الآيات (33) و(34) و(35) من سورة "الأَنْعَام" (ص 131)

        

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)


        

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) 
نحن نعلم أن (قَدْ) حرف توقع.
ولكن
(قَدْ) حرف توقع اذا دخلت على المستقبل، كما نقول: قد ينزل المطر غدًا.
أما اذا دخلت على الماضي أو الحال-كما في هذه الآية- فهي لا تعنى التوقع ولكن تعنى المبالغة في الفعل. 
كما قال المتحدث (قد علمت العرب أن فينا الشرف)
ولذلك فناسب في هذه الآية استخدام الحرف (قَدْ) والذي يفيد المبالغة في العلم، لأن المتكلم هو الله، يقول تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) يعنى نَعْلَمُ هذا الأمر علمًا دقيقًا وشاملًا ومفصلا.

        

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)
(الَّذِي يَقُولُونَ) هو قول قريش أن الرسول ﷺ كاذب وساحر وكاهن وشاعر ومجنون وغير ذلك 
(فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) يعنى هم لَا يُكَذِّبُونَكَ، بل هم في قرارة أنفسهم يصدقونك، وهم الذين أطلقوا عليك قبل البعثة الصادق الأمين 
(وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) وَلَكِنَّ هؤلاء الكفار الظَّالِمون يرفضون آيات الله و يرفضون الاسلام. 
ولذلك قال تعالى
(يَجْحَدُونَ) لأن الجحود هو الإنكار مع العلم
وهذا مثل قول الله تعالي في قصة موسي (وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ)

        

روي عن "علي بن أبي طالب" أن أبا جهل قال للنبي ﷺ إنا لا نكذبك ولكنا نكذب ما جئت به فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.

وروي -أيضًا- في سبب نزول هذه الآية أن "الأخنس بن شريق" خلا بأبي جهل، وقالا له: يا ابا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، ولكن إذا ذهب بو عبد مناف باللواء والحجابة والسقاية والنبوّة، فماذا يكون لسائر قريش؟ 
وروي أن النبي ﷺ لقي أبا جهل، فصافحه، فقال رجل لأبي جهل: أراك تصافح هذا الصابئ ؟ فقال: والله إني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعاً ؟ 

 

ومن ذلك أيضًا أن "الحرث بن عامر" من قريش قال يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا إن اتبعناك نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا، وفيه نزل قول الله تعالى (وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا)
اذن فقريش كانوا يعلمون صدق الرسول ولكنهم كانوا يرفضون رسالته لحسابات دنيوية عندهم.
ولذلك فالآية تسلية وتعزية –دعم نفسي- للرسول
يقول له الله تعالى: يا محمد لا تحزن بسبب تكذيب قومك لك، فانه يصدقونك، وأنت موصوف عندهم بالصادق الأمين، ولكن الأمر أنهم يرفضون آيات الله، سواء آيات القرآن العظيم أو الآيات الكونية بسبب ما طبعوا عليه من الكفر والفجور والعناد


        

(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)
هذه تسلية أخري -دعم نفسي- من الله تعالى للرسول ﷺ ، عما ناله من قومه من تكذيب وايذاء، فيقول تعالى: 
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) ان يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك، ويؤذونك، ويقولون أنك كاذب ومجنون وساحر وغير ذلك، فقد كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ، فصبروا على تكذيب أقوامهم اليهم. 
(وَأُوذُوا) بجميع أنواع الإيذاء، فكان نوح –مثلًا- -عَلَيْهِ السَّلامُ- يضرب حتى يغشي عليه، ووصل الإيذاء الى القتل، كما حدث مع يحي وزكريا –عليهما السَّلامُ- وغيرهما الكثير من أنبياء بنى اسرائيل
(حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) يعنى وصبروا على ايذاء أقوامهم لهم، حتى نصرهم الله، فأنت أولى يا محمد بهذا الصبر، لأنك خير أنبياء الله ورسله، ولأن مهمتك أضخم من كل الرسل.

        

يقول تعالى (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) يعنى: لَا مغير لِكَلِمَاتِ اللَّهِ القدرية، وهي وعد الله تعالى لرسله بالنصر والتأييد.
وهذا مثل قوله تعالى (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)
بقول تعالى (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ )
ويقول تعالى (كَتَبَ ٱللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى)

        

يقول تعالى (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)
والمعنى وَلَقَدْ قصصنا عليك -يا محمد- أخبار الرسل السابقين مع أممهم، وعلمت كيف نصرهم الله على هؤلاء  الكافرين، مثل نوح وعاد وثمود وشعيب وموسي، وهذا دليل على أنه لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، ولا مُبَدِّلَ لوعد الله تعالى لرسله بالنصر والتأييد.

        

والنبأ هو الخبر العظيم، ومنه قوله تعالى في سورة النبأ (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ )
وقال تعالى (مِنْ نَبَإِ) مِنْ للتبعيض، يعنى بعض نَبَإِ، لأن الله تعالى لم يقص في القرآن جميع قصص الأنبياء، قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ)

        

(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) 
كان الرسول ﷺ من شدة حرصه على ايمان قومه، يريد أن يأتي لهم بالمعجزات الكونية التى يطلبونها
فيقول تعالى
(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ)  
يعنى وَإِنْ كَانَ قد عظم عَلَيْكَ يا محمد وشق عَلَيْكَ وأهمك واحزنك إِعْرَاضُهُمْ ورفضهم لدعوتك.

        

(فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ) 
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تخوض في أعماق الأرض، أو تصعد فِي السَّمَاءِ، حتى تأتهم بآية، فافعل أنت هذا،  فان الله لن يأتي الا بالآيات التى قدرها الله تعالى.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى
 يعنى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ما جئت به من الْهُدَى قهراً وجبراً.
وَلَوْ شَاءَ تعالى لخلقهم على استعداد واحد للخير مثل الملائكة.
فالقضية ليست قضية أن يؤمن هؤلاء، وليست القضية أن نأتي لهم بالآيات التى يقترحوها حتى يؤمنوا، ولكن الله تعالى له سنن في كونه لا تتغير، وله –تعالى- حكمة في اختيار الآيات التى يهتدي بها أصحاب الفطر السليمة

        

(فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
يعنى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ بسنن الله في كونه.
وقد يقول قائل: كيف يخاطب الله الرسول ﷺ ويقول له (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) نقول هذا نفي للجهالة عن الرسول ﷺ لأن الله تعالى أمره ألا يكون من الجاهلين، وطالما أن الله أمره بذلك فلابد أن الرسول ﷺ قد امتثل لأمر ربه.
وهذا مثل قوله تعالى للرسول ﷺ في القرآن (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هو نفي للشرك عن النبي ﷺ 


        

قوله تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) من الاشارات العملية في القرآن العظيم، لأن وقت نزول القرآن لم تكن هناك أنفاق في الأرض، ولم يكن هناك صعود في الفضاء.
والعجيب أن العلماء يعملون الآن في تنفيذ مشروع مصعد فضائي، يماثل المصعد المستخدم في الأبنية العادية، يعمل على نقل ركاب من الأرض الى محطات ومركبات الفضاء 
حتى أن أحد المقالات العلمية التى تناولت هذا الموضوع كانت تحت عنوان "Stairway to heaven" يعنى "سلم الى السماء" وهو نفس التعبير الذي ذكره القرآن العظيم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا  
قال تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ)
ومن دقة الأداء القرآن أنه تعالى لم يقل (سُلَّمًا الى السَّمَاءِ) لأنه لا يمكن أن يبلغ أحد نهاية السَّمَاءِ ، ولذلك قال تعالى (سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) لأن هذا السلم حين يوجد فانه يكون داخل السَّمَاءِ
فهذه الآية الكريمة وغيرها من عشرات بل مئات الاشارات العملية في القرآن والتى لم تنكشف الا حديثًا دليلًا على صدق نبوة هذا النبي الكريم. 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇