Untitled Document

عدد المشاهدات : 191

الحلقة (388) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (40) الى (45) من سورة "الأَنْعَام" قول الله -تَعَالي- (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (388)
تدبر الآيات من (40) الى (45) من سورة "الأَنْعَام" (ص 132)

        

(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)


        

(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) 
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) قل يا محمد لهؤلاء المشركين. 
(أَرَأَيْتَكُمْ) يعنى أخبروني. 
وأصل (أَرَأَيْتَكُمْ) يعنى أخبروني إخبار من رأي 

(إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) إذا وقع بكم عذاب من الله في الدنيا، كما وقع للأمم السابقة التي كذبت رسلها، أو عَذَابُ على المستوي الشخصي كالمرض أو المصائب التي تصيب الانسان.
واضافة العذاب الى الله، يقول تعالى (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) لتهويل وتعظيم هدا العذاب.

(أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) أَوْ وقعت القيامة التي تنكرونها، وسميت السَّاعَةُ بذلك الاسم لأن مدة تأخرها بالنسبة لما بعدها كالساعة، يعنى كالوقت القصير.
(أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هل تَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ تعالى في هذا الموقف العصيب لكشف الضر عنكم 
(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في اعتقادكم أن هذه الآلهة التي تعبدونها مع الله تعالى تضر أو تنفع.
لأن المشركون كانوا يؤمنون بوجود الله، ولكنهم كانوا يعبدون مع الله آلهة أخري، ولذلك أطلق عليهم المشركون، يعنى يشركون مع الله في العبادة آلهة أخري، فكان المشركون يدعون آلهتهم في وقت الرخاء، فاذا كانت الشدة لا يدعون الا الله.

        

(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)
يعنى بَلْ تَدْعُونَ الله في هذا الموقف العصيب وتستغيثون به وتفزعون اليه.
وقدم المفعول
(إِيَّاهُ) للاختصاص، يعنى لن تَدْعُونَ في هذا الموقف العصيب الا الله تعالى، كما نقول في سورة الفاتحة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) 
(فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) أي فيستجيب الى دعائكم، ويفرج عنكم، إذا شَاءَ ذلك، وهذا يدل على ان الله قد يجيب دعوة الكافر، لأنها دعوة مضطر والله تعالى من كرمه ومن رحمته يقول (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ) 
ولكن الله تعالى علق إجابة الدعاء على مشيئته، لأنها دعوة من كافر، فقال تعالى
(إِنْ شَاءَ) أما حين خاطب الله المؤمنين قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)
        

(وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)
النسيان يأتي بمعنى الذهول عن الشيء أوعدم تذكره، كما في قوله تعالى (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) 
وقد يأتي النسيان بمعنى تعمد ترك الشيء، كما في قوله تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) يعنى تركهم وأهملهم.
هنا في قوله تعالى (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) يمكن أن تحمل المعنيين: أنهم لا يتذكرون في هذا الموقف العصيب آلهتهم، والمعنى الآخر أنهم يتذكرونها ولكن لا يلجؤون اليها.

روي في قصة اسلام "عكرمة بن أبي جهل" أنه كان من أشد الناس عداوة للرسول ﷺ فلما دخل الرسول ﷺ مكة فاتحًا فر من مكة خوفًا من القتل، ثم ركب البحر ليتجه الى اليمن، فلما ركب البحر جاءت عاصفة قوية وأوشكت السفينة على الغرق، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة : ادعوا الله أن ينجيكم، فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة في نفسه: اذا كان لا ينجيني في البحر الا الله، فلا ينجيني في البر الا الله، ثم دعا الله تعالى وقال: اللهم إن لك عليَّ عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا فأضع يدي في يده ، فلأجدنه عفوا كريما، ثم نجاه الله تعالى فذهب الى الرسول ﷺ وأسلم وحسن اسلامه ومات شهيدا في معركة اليرموك. 
يقول تعالى في سورة الاسراء (وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ)

        

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)
تقدير الآية: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رسلًا، فكذبوا رسلهم 
(فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) فأصبناهم بالمصائب والبلايا والشدائد.
و
(الْبَأْسَاءِ) هي المصائب التي تكون في الأموال. 
(وَالضَّرَّاءِ) تكون في الأبدان.
(لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) 
يعنى لَعَلَّهُمْ يعودون الى الله تعالى ويتذللون له ويتخشعون له.
والضراعة من الضرع وهو ثدي البهيمة الذي ترضع به صغارها، وهذا الصغير ليس له غذاء الا من هذا الضرع، فالذي يطلب شيئًا وليس هناك الا هذا الطريق يطلق عليه تضرع
فالضراعة هو السؤال بتذلل، وكانت العرب تقول "رجل ضارع" يعنى رجل ذليل ضعيف.

فمعنى قوله تعالى (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) 
لَعَلَّهُمْ يعودون الى الله تعالى ويتذللون له ويتخشعون له حتى يكشف عنهم هذه المصائب.
اذن فالله تعالى حين ينزل البلاء ليس انتقامًا من العبد، فان الدنيا أهون على الله في أن يجعلها ثوابًا لمؤمن أو عقابًا لعاصي، ولكن الله ينزل البلاء (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) حتى يعود العبد الى الله تعالى.


        

(فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)
(فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) 
(فَلَوْلَا) تفيد الترجي.
يعنى فهلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُ الله تَضَرَّعُوا، ولكنهم لم يفعلوا.

(وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) يعنى وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وأصروا على الكفر.
(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يعنى وصاروا معجبين بأعمالهم القبيحة، بسبب تزيين الشَّيْطَانُ لهذه الأعمال السيئة القبيحة.

        

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) 
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) فلما لم يتعظوا بما أصابهم من الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وأعرضوا عنه.
(فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) 
فتحنا عليهم كل أبواب الرزق، وصنوف النعيم
وهذا استدراج منه تعالى 

عن النبي ﷺ قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله ﷺ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)
(حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) 
يعنى حَتَّى إِذَا أعجبتهم أنفسهم بِمَا أعطاهم الله من الدنيا.
(أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) أي فجأة وعلى غفلة منهم.
(فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) يعنى واجمون يائسون 
كانت العرب تقول: أبلس الرجل إذا سكت، وأبلست الناقة إذا لم ترع.
ومنه ابليس يعنى أبلس ويأس من رحمة الله.
و(إِذَا) تدل على المفاجأة.

        

(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) 
دَابِرُ الْقَوْمِ هو آخرهم.
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ يعنى قُطِعَ آخرهم، يعنى استؤصلوا جميعاً حتى آخرهم فلم يبقي منهم أحد.
وأصلها إذا كانت هناك معركة وقتل من الصفوف الأخيرة يعنى قتل الجيش كله.
و
(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هم المشركون.
(وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) 
اشارة الى وجوب حمد الله تعالى على زوال الظلمة الذين يفسدون في الأرض.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇