Untitled Document

عدد المشاهدات : 194

الحلقة (394) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (68) و(69) و(70) من سورة "الأَنْعَام" قول الله -تَعَالي- )وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (394)
تدبر الآيات من (68) و(69) و(70) من سورة "الأَنْعَام" (ص 135)

        

)وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) 


        

) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)
اختيار كلمة (يَخُوضُونَ) اختيار دقيق، لأن أصل الخوض هو الدخول في الماء، والانسان إذا دخل في الماء، فان قدمه تكون مستورة تحت الماء، ولذلك فهو لا يري ما قد يصيبه، وقد يسقط في هوة، ولذلك استعملت كلمة الخوض  في التعبير عن الدخول في المجاهل، والكلام بالباطل، لأنه كلام بلا اهتداء.
يقول تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا)
(وَإِذَا رَأَيْتَ) يا محمد والخطاب لجميع المؤمنين 
(الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا)
يعنى الكفار وهم يستهزئون ويطعنون في آيات القرآن العظيم.
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعنى لا تجلس معهم وقم عنهم.
(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) يعنى لا تجلس معهم حتى يأخذوا في حديث آخر غير حديث الاستهزاء بآيات الله.

        

وهذه اشارة الى عدم مقاطعتهم بالكلية، لأن هناك واجب لدعوة هؤلاء، فعندما يخوضون في آيات الله، لا ندخل في معركة معهم، حتى لا ننشغل بمعارك جانبية تبعدنا عن هدفنا الأساسي، ولكن نكتفي ألا نجلس معهم، فاذا تكلموا في أمر آخر فيمكن أن نجلس معهم، لأن علينا واجب –كما ذكرنا- لدعوة هؤلاء، والله تعالى يريد الخير لكل خلقه.
        

(وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
وقرأت (يُنَسِّينك) بنصب النون وتشديد السين.
والشيطان يُنْسِي الانسان بأن يشغله بوسوسته.

والمعنى: وإذا شغلك الشيطان بوسوسته حتى نسيت النهي عن الجلوس معهم، ثم تذكرت نهي الله تعالى، فقم عنهم ولا تقعد مَعَ هؤلاء الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وقال تعالى عنهم أن قوم ظالمين لأنهم ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات الله تعالى. 

        

قال بعض المفسرون أن هذا الخطاب وان كان ظاهره للنبي ﷺ ولكن المقصود به أمته، لأن الرسول ﷺ منزه عن أن ينسيه الشيطان.
وقال البعض بل الخطاب للرسول ولعموم المؤمنين، لأن النسيان جائز في حق الرسول ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال "إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كما تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي"

        

وهذه الآية نأخذ منها حكم هام وهو عدم جواز مجالسة المستهزئين بالقرآن العظيم وبالرسول ﷺ وبثوابت الدين، كما لا يجوز أن يتاح لهم مساحة للحديث في وسائل الاعلام، ولا يجوز الاستماع الى أحاديثهم عندما يتحدثون في الفضائيات أو غير ذلك.   
قال القرطبي في تفسيره: قال بعض أهل البدع لأبى عمران النخعي –من التابعين-: اسمع منى كلمة فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة.

        

ونأخذ من الآية أيضًا أن النسيان من الشيطان، قال تعالى (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) كما قال تعالى في سورة الكهف (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) فلا ينبغي أن يعاتب أحد على أحد بسبب النسيان، لأن النسيان من الشيطان.
        

(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) 
(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ) يعنى ليس على المؤمنين الَّذِينَ يَتَّقُونَ الله تعالى.
(مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) يعنى ليس علهم شيء من ذنوب وآثام هؤلاء الذين يخوضون في آيات القرآن الكريم
(وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وَلَكِنْ عليهم أن يذكروهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الله، ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الخوض في آيات الله ولا يعودون اليه.
كما قال تعالى في قصة أصحاب السبت (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
كما أنه ليس عليهم ذنب إذا كانوا لا يستطيعون أن يتركوا مجلسهم، أو كانوا لا يستطيعون نهيهم، هناك مثلًا شخص أسلم في عائلة غير مسلمة، وهو ضعيف ويخفي اسلامه، وهم يخوضون أمامه في القرآن وفي الاسلام وفي الرسول ﷺ ولو رد عليهم لانكشف أمره 

        

وروي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال: لما نزلت: (وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ).. إلخ قال المسلمون للرسول ﷺ: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً ؟ يعنى إذا كان لا يجوز أن نقعد والكفار يخوضون في القرآن، وهم لا يتوقفون عن الخوض في القرآن، فمعنى ذلك أننا لن ندخل المسجد الحرام ولن نطوف ولن نذهب الى الأسواق، وسننعزل في بيوتنا، فأنزل الله تعالى (وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعنى ليس مطلوبًا منك في هذه القضية الا أن تذكرهم، وإذا لم تستطع ذلك فلا شيء عليك.


        

(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) 
(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا)
يعنى واترك وأعرض عن هؤلاء (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ) (دِينَهُمْ) أي الدين الذي كان يجب عليهم الدخول فيه –وهو دين الاسلام- (لَعِبًا وَلَهْوًا) حيث سخروا بالقرآن واستهزئوا به.
أو أن دِينَهُمْ الذي هم فيه هو لعب ولهو، من عبادة الأصنام، وكانوا يعلقون في أعناق الأصنام بيض نعام، وتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والاستسقام بالأزلام، وأنواع الزواج التي كانوا عليها من زواج البدل والشغار والمتعة. 

        

(وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) يعنى وخدعتهم الْحَيَاةُ الدُّنْيَا حتى آثروها على الآخرة. 
وليس هناك وصف لهذه الْحَيَاةُ التى نعيشها أبلغ من هذه الوصف لينفرك منها، وهي ان هذه الْحَيَاةُ حياة دنيا، يعنى من الدناءة والانحطاط.
يقول الامام عبد الرحمن الثعالبي: ٱعْلَمْ أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته، قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا؛ كما ٱغترَّ بها الحمقَىٰ، بل جعل همَّهُ واحداً؛ هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه؛ وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً؛ هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ؛ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ"

        

(وَذَكِّرْ بِهِ) يعنى وَذَكِّرْ بالقرآن
(أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ) 
الابسال هو أن يسلم الانسان نفسه للهلاك، كانت العرب تقول "أبسلت فلان" يعنى سلمته للموت.
والتعبير بقوله تعالى (تُبْسَلَ نَفْسٌ) يعنى تُسَّلَم نَفْسٌ الى الهلاك 
وتحبس في العذاب وفي النار.

فيكون المعنى (وَذَكِّرْ بِهِ) يعنى وَذَكِّرْ بالقرآن (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ) كي لا تُسَّلَم نَفْسٌ الى الهلاك، وتحبس في العذاب وفي النار (بِمَا كَسَبَتْ) أي بسبب ما ارتكبت من الذنوب.

        

(لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ)
يعنى لو ماتت هذه النفس على الكفر فليس لها (مِنْ دُونِ اللَّهِ) يعنى في مواجهة الله تعالى (وَلِيٌّ) يعنى ناصر ينصرها (وَلَا شَفِيعٌ) يعنى ولا من يشفع لها عند الله، وينقذها من العذاب.

        

(وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا) 
العدل هو الفدية، لأنها تعادل المُفْدَي، والمعنى مهما تقدم من فداء فلن يقبل منها.
وهذه هي منافذ النجاة الثلاثة في الدنيا، فإما أن تلتمس من ينصرك ويواجه عدوك، فاذا لم تستطع وهذا العدو لا يستطيع أن يتغلب عليه أحد، تبحث عمن يشفع لك عنده، فاذا لم تجد من ينصرك أو يشفع لك تقدم فداء، فاذا سدت هذه المنافذ الثلاثة فلا سبيل الى النجاة. 

        

(أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا) 
(أُولَئِكَ) يعنى هؤلاء الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا 
(الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا) يعنى الَّذِينَ حبسوا في العذاب، وحبسوا في النار بسبب ما ارتكبوا من أعمال قبيحة وبسبب عقائدهم الفاسدة.

        

(لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) 
صورة من صور العذاب الذي حبسوا فيه، فيقول تعالي: 
(لهم شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) يعنى يشربون شرابًا حارًا يغلى في بطونهم، ويقطع أمعائهم. 
(وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) يعنى بسبب كفرهم

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇