Untitled Document

عدد المشاهدات : 190

الحلقة (400) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (80) الى (83) من سورة "الأَنْعَام" (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ...

الحلقة (400)
تدبر الآيات من (80) الى (83) من سورة "الأَنْعَام" (ص 137)

        

(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) 


        

(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)
(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) يعنى وجادله قومه.
وسمي الجدال محاجة لأن كل طرف يلقي حجته.

وهنا نلحظ كيف أن الأداء القرآني له أثر في فهم القرآن، كيف ؟
وفي علم القراءات أن هذه الكلمة (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) فيها مد كلمى مثقل، يعنى حرف المد وبعده حرف مشدد، والمد الكلمى المثقل ينطق ست حركات هكذا (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) اشارة الى أن المناقشات مع قومه كانت طويلة جدًا.
فالأداء القرآني يساعدك على تذوق القرآن 

(قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ) يعنى قال لهم إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- في استنكار أنتم تجادلونني حتى أترك عبادة الله وحده.
(وَقَدْ هَدَانِ) وقد أنعم الله علىَّ بأن هَدَانِي ووفقني الى معرفته والى توحيده بالعبادة.
(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) يعنى قوم إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- خوفوه من انتقام الهتهم منه بعد أن أنكر أنهم آلهة، وقال أنهم حجارة لا تنفع ولا تضر، وقد روي أن قوم ابراهيم عندما خوفوه آلهتهم قال لهم: اني لا أخاف ما لا يسمع ولا يبصر. 
 (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) هذا احتياط من إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- لئلا يفتن قومه به إذا أصيب بمرض أو أذي، فيقولون أن ذلك بسبب انتقام آلهتهم منه، فاحتاط إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- لذلك –وذلك من شدة حرصه على هدايتهم- فقال لهم (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) يعنى اذا أصابني شيء فهذا بقدر الله تعالى ومشيئته وليس لآلهتكم دخل فيه.

        

وقد روي أن آزر أبو إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- كان يصنع الأصنام، فلما كبر إِبْرَاهِيمُ أخذ آزر يصنع الأصنام ويعطيها الى إِبْرَاهِيمُ حتى يبيعها، فكان إِبْرَاهِيمُ يذهب بها الى السوق وينادي "من يشتري ما لا ينفعه ولا يضره" فكان لا يشتري منه أحد، ثم يذهب بها الى النهر، ويضع رؤوسها في الماء ويقول: اشربي استهزاءً بها، حتى فشا استهزاؤُهُ بها بين قومه، وجعلوا يخوفونه من عقاب الآلهة وانتقامها منه.
فقَالَ لهم ابراهيم (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا)

        

وهذا مثل قصة "المغيرة بن شعبة" عندما أرسله الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهدم صنم "اللات"، وكان صنم "اللات" موجودًا في قبيلة "ثقيف" فقال "المغيرة بن شعبة" لأصحابه هل أضحككم على ثقيف ؟ فقام وضرب الصنم بالمعول، ثم ألقي نفسه في الأرض وجعل ينتفض، ففرح من بقي على الشرك من ثقيف، وأخذوا يصيحون ويقولون قتلته الربة، ثم قام وضحك هو وأصحابه عليهم، وأخذ يقوض حجارتها حتى سواها بالأرض.
        

(وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) 
يذكر لهم إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- صفة من صفات الله تعالى، وهو انه تعالى يعلم كل شيء، ولا يخفي عليه شيء، حتى يقارنوا بين الله تعالى وبين هذه الآلهة التى يعبدونها وهي من حجارة او خشب أو غير ذلك، لا تفقه شيء ولا تعلم شيء,
ثم يقول لهم إِبْرَاهِيمُ (أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) يعنى أفلا تنتبهون الى ما أنتم فيه من الضلال ؟


        

(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) 
هذا سؤال للتعجب والاستنكار.
(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ) وَكَيْفَ أَخَافُ من هذه الأصنام التى لا تنفع ولا تضر، أو من هذه الكواكب والنجوم والتي هي ليس لها أي علاقة بحياة الناس.
(وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) 
وأنتم لا تَخَافُونَ الله تعالى أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ معه تعالى في العبادة أصنام وكواكب.

        

(مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) السلطان هو الحجة والدليل والبرهان، 
والمعنى أن الله لم ينزل عليكم كتابًا يأمركم فيه بعبادة هذه الأصنام وهذه الكواكب والنجوم، وليس بين يديكم دليل ولا حجة أن الله أمركم بعبادة هذه الكواكب والنجوم.
وقد ذكرنا من قبل قصة عبادة قوم إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- للأصنام وللكواكب والنجوم، وقلنا أن قوم إِبْرَاهِيمُ عندما لاحظوا أن جو الأرض والفصول الأربعة تحدث نتيجة اقتراب أو بعد الشمس من الأرض، وأن الكواكب والنجوم تؤثر بصفة على جو الأرض، اعتقدوا أن هذه الكواكب والنجوم هي التى تتحكم في الأرض، وقالوا أن الاله الأعظم خلق هذا الكوكب، ثم ترك ادارة هذه الكون للكواكب والنجوم، ثم لما وجدوا هذه الكواكب والنجوم تأتي وتغيب، جعلوا لكل نجم أو كوكب صنم، فجعلوا هناك صنم للشمس وصنم للقمر وصنم للزهرة وهكذا..
يقول تعالى (وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) يعنى أنتم تقولون أن الله خلق الكون ثم ترك ادارة الكون للكواكب والنجوم، فهل عندك كتاب من الله يقول هذا الكلام ؟ هل عندكم أي دليل أو برهان من الله تعالى على هذا الكلام ؟ 

        

(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) 
سؤال تقريري استنكاري
من الأولى ومن المفروض يكون آمن من العذاب، ومن المفروض أن يخاف.


        

(الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) 
هذا جواب مستأنف على السؤال السابق، يعنى الأحق بالأمن هم: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) 
وهذه اشارة الى المشركين، لأن المشركون كانوا يقولون إنهم مؤمنون بالله تعالى، ولكننا نعبد هذه الأصنام حتى تشفع لنا عند الله تعالي، فقال تعالى
(الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا) وَلَمْ يخلطوا (إِيمَانَهُمْ) أي إِيمَانَهُمْ بالله تعالى (بِظُلْمٍ) أي بشرك به تعالى.

        

وعندما نزلت هذه الآية شقت على كثير من الصحابة، لأن أي معصية هي ظلم للنفس، فيكون المعنى: أن الذين لَهُمُ الْأَمْنُ من العذاب يوم القيامة هم المؤمنون الذين لَمْ يخلطوا إِيمَانَهُمْ بمعصية، فبين لهم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن المقصود بالظلم هنا هو الشرك 
عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية (ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ) شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ألا ترون إلى قول لقمان لابنه (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) يعنى الظلم المقصود في الآية هو الشرك.
لأن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم النفس بالشرك، وظلم النفس بالمعصية، وظلم الغير.
فبين الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن المقصود بالظلم في هذه الآية الكريمة، هو أعظم أنواع الظلم، وهو الشرك.

ومع اجماع العلماء أن الظلم المقصود في الآية هو الشرك، فان العلماء قالوا أن الآية فيها اشارة الى أن الأمن يوم القيامة درجات، فكلما ابتعد المؤمن عن ظلم نفسه بالمعاصي، وابتعد عن ظلم غيره، كلما كمل أمنه يوم القيامة.
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم" - : " مَن أُعطِيَ فشَكَرَ، وابتُلِيَ فصَبَر، وظُلِمَ فغَفَرَ، وظَلَم فاسْتَغفَر،  وسكت ، قالوا : يا رسول الله ما له ؟ قال : "أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ"
(وَهُمْ مُهْتَدُونَ) يعنى وَهُمْ مُّهْتَدُونَ الى الصراط المستقيم.
لأن من أكثر مواقف الخوف يوم القيامة موقف المرور على الصراط، المنصوب على متن جهنم، وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف.


        

(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) 
يعنى تِلْكَ الحجة لإِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- التى حاج بها قومه هي من توفيق الله تعالى ومدده وتأييده.
وفيها رد على من يمكن أن ينتقد إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- أو ينتقد القرآن العظيم في أنه قد نسب الى إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- أنه قد قال لقومه بأسلوب مجاراة الخصم (هَذَا رَبِّي) على الكوكب أو القمر أو الشمس، فيقول الله تعالى أن هذا القول كان بوحي والهام وتلقين من الله تعالى.

        

(نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) 
وقرأت (نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ) بالكسر بدون تنوين.
 أي نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ بالحجة على خصومه.
وهذه الآية من أسرار القرآن الكريم، من قرأها وهو مقبل على مناقشة وهو على حق فيها ويقرأها يوفقه الله الى الحجة والى غلبة خصومه.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇