Untitled Document

عدد المشاهدات : 263

الحلقة (407) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (103) و(104) و(105) من سورة "الأَنْعَام" (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ...

الحلقة (407)
تدبر الآيات (103) و(104) و(105) من سورة "الأَنْعَام" (ص 141)

        

(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) 

        

قلنا من قبل أن المقصد الأساسي لسورة الأنعام هو تثبيت العقيدة الاسلامية، ولذلك فان سورة الانعام تتناول كثيرًا صفات الله تعالى، يقول تعالى في هذه الآية الكريمة: 
        

(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) 
أولًا لابد أن نعرف ما هو الادراك ؟ فالإدراك شيء والرؤية شيء آخر، فالرؤية معروفة وهي معاينة الشيء، ورؤية الله في الدنيا غير ممكنة، وعندما طلب مُوسَى رؤية الله تعالى، وقَالَ (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) قَالَ تعالى (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) فاذا كان مُوسَى قد خَرَّ صَعِقًا عنما رأي الجبل المُتَجَلَى عليه، فكيف إذا رأي المُتَجَلِى وهو الله تعالى.
أما في الآخرة فان الله تعالي يُحْدٍث لأهل الجنة حواس أخري غير الحواس التي عندهم في الدنيا فيستطيعون رؤية الله تعالى، قال تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وهذه هي أعظم متعة يتمتع بها أهل الجنة.

يقول الامام مالك: لم يُرَ الله في الدنيا؛ لأنه باق ولا يُرَى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورُزقوا أبصاراً باقية رأوا الباقي بالباقي. 

        

أما الإدراك فهو غير الرؤية، فالإدراك يعنى الاحاطة بالشيء، وهذا مثل قول الله تعالى في قصة موسي: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) فإذن الرؤية غير الاحاطة، فأنت تري البحر ولا تحيط به، وتري السماء ولا تحيط بها، والله تعالى أعظم وأجل من أن يحيط به بصر أحد، وهذا هو قول الله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)
اذن فقوله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) يعنى لا يمكن أن تراه في الدنيا ولا يمكن أن تحيط به يوم القيامة.

        

(وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)
يعنى وهو تعالى يري ما يراه أي مخلوق مبصر.
ليس هذا فحسب بل يراه كما يراه هذا المخلوق المبصر.
وهذا أمر لا يقدر عليه الا الله تعالى.
لأنه لا يمكن لأحد أن يري ما يراه شخص آخر، لأن كل شخص له زاوية رؤية يري بها الأشياء، ولذلك فقد لا يبصر أحد ما تراه أنت، فتقول له: تعال وقف مكاني حتى تري.
فقوله تعالى (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) يعنى ان الله تعالى من كمال قدرته يري ما يراه كل مخلوق مبصر، بل ويراه كما يراه هذا المخلوق المبصر، وهذا امر لا يقدر عليه الا الله تعالى.

        

ثم يذيل الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى.
(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) 
(اللَّطِيفُ) تناسب قوله تعالى (لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ)  
و(
الْخَبِيرُ) تناسب قوله (وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ) 
وهذا ما يسمونه في اللغة "لف ونشر" يعنى يأتي بأمرين أو ثلاثة ثم يأتي بما يقابلها.

        

(قَدْ جَاءَكُمْ بصائر مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) 
البصائر جميع بصيرة، وهي الهداية الذي تأتي في القلب، ويدرك بها الانسان الحق من الباطل، والهدي من الضلال.
فقوله تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ بصائر مِنْ رَبِّكُمْ) يعنى أن الله تعالى قد أنزل عليكم هذا القرآن العظيم، وأرسل اليكم الرسول
حتى ينير لكم طريق الحق.

        

(َمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ) 
يعنى بعد ان جاءتنا هذه البصائر من الله تعالى، فالباقي من المسألة عندكم أنتم "الكرة في ملعبكم" (َمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ) من يبصر هذا النور، ويبصر الحق، فهو ينفع نفسه (وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) وَمَنْ يعَمِيَ عن رؤية هذا النور ورؤية الحق، فهو يضر نفسه.
فطاعتكم لا تنفعني، ومعصيتكم لا تضرني، فخير الطاعة لكم، وشر المعصية عليكم.

        

(وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) يعنى أنا لم أرسل لكي أحفظكم من الكفر أو أحفظكم من المعصية، انما انا مبلغ وليس علىَّ الا البلاغ.
ولذلك حارب الرسول ليحمي الاختيار بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد بعضاً من سكانها قد ظلوا على كفرهم ولم يرغمهم أحد على الإيمان.


        

(وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
(وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ) يعنى نبينها ونوضحها ونكررها وننوعها، لأن الناس تختلف عقولها وأفهامها.
(وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الام لام العاقبة او الصيرورة، يعنى بعد أن صرفنا الْآَيَاتِ ونوعناها وكررناها فكان نتيجة ذلك أنها قالوا (دَرَسْتَ) وقرأت (دَارَسْتَ) والمعنى واحد، يعنى أن المشركون والمكذبون قالوا إنك يا محمد درست هذا العلم وتعلمته من غيرك سواء من أهل الكتاب من اليهود والنصاري، أو من بعض الموالي من الروم الذين كانوا في مكة.
وهذا مثل قول الله تعالى في سورة النحل (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)  قالوا ذلك على غلمان من الروم مثل جبر ويسار وبلعام ويعيش.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇