Untitled Document

عدد المشاهدات : 134

الحلقة (412) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (125) و(126) و(127) من سورة "الأَنْعَام" (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ...

الحلقة (412)
تدبر الآيات (125) و(126) و(127) من سورة "الأَنْعَام" (ص 144)

        

(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)  


        

(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ) يعنى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ الى الايمان به تعالى.
(يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) 
أصل الشرح التوسعة، وأخذ منها شريحة اللحم أو شريحة الجبن لأنها تكون مبسوطة، ومنها تشريح الجثة، ومنها شرح الدرس، وغير ذلك.
فيكون معنى (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) أي يوسع صدره لقبول الاسلام، وهي كناية عن دخول الاسلام الى قلبه سهلًا يسيرًا.

        

لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: كيف يَشْرَحْ صَدْرَهُ يا رسول الله ؟ قال ﷺ "نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ" قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ قال ﷺ:  "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دَار الغُرور، وَالاسْتِعْدادُ للْمَوْت قَبْلَ المَوْت".

        

(وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)
يعنى وَمَنْ يُرِدْ الله أَنْ يُضِلَّهُ.
(يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)
ما هو الحرج ؟ الحرج هو أشد الضيق، بحيث لا ينفذ فيها شيء لشدة الضيق.
وأصل الحرج هو الشجر الملتف بحث لا تصل اليه الأنعام لتأكل منه، فكذلك قلب الكافر لا ينفذ اليه نور الايمان من شدة ضيقه، ولا تصل اليه الموعظة ولا تؤثر فيه. 

روي أن "عمر بن الخطاب" -وكان ذلك بعد وفاة الرسول ﷺ- قرأ هذه الآية (وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجا) فاختلف من عنده من الصحابة في معنى كلمة (حَرِجاً) فقال عمر: أبغوني رجلاً من كِنَانَة، واجعلوه راعياً، وليكن مُدْلِجيًّا، يعنى من بني مُدْلِج، فأتوه به، فقال له عمر: يا فتى ما الحَرَجة؟ قل: الحرجة فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. قال: فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.

        

اذن قوله تعالى (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) يعنى من أراد الله اضلاله بسبب عناده واصراره على الكفر، يجعل صدره ضيقًا لا ينفذ اليه -من شدة ضيقه- نور الايمان ولا تصل اليه الموعظة ولا تؤثر فيها. 
يقول ابن عباس: من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقاً والإسلام واسع، يقول تعالى (وَما جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ).

        

(كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) 
والمعنى أن قبول الايمان بالنسبة لهذا الكافر يكون أمرًا صعبًا وثقيلًا كمن كُلٍّفَ بأن يصعد الى السماء.
وقيل: كأن قلبه يصعد إلى السماء من شدة نفوره من الإسلام.

        

وهذه هي التفسيرات التى نقرأها في كتب السلف، وهي تفسيرات صحيحة؛ والآن وبعد تقدم العلم وجد العلماء أن هذه الآية الكريمة فيها اشارة –واضحة- الى ظاهرة علمية فيزيائية لم يصل اليها الإنسان الا حديثًا، فمع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تطورت صناعة المناطيد، ثم صناعة الطائرات، فاكتشف الانسان انه كلما ارتفع عن سطح الأرض كلما قل الأكسجين اللازم لعملية التنفس، وكلما قل ضغط الهواء، فاذا وصل الانسان الى ارتفاع ثمانية كيلو متر، يقل الأكسجين ويقل ضغط الهواء بدرجة تستحيل معها حياة الأنسان.
ولذلك يسمي متسلقوا الجبال الارتفاعات التى تزيد عن 8000 متر (26000 قدم) مناطق الموت، ولذلك نري متسلقوا الجبال الشاهقة يحملون على ظهورهم أنابيب الأكسجين ليتنفسوا منها في الارتفاعات العالية.

        

وقوله تعالى (يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) له قراءة ثانية، وعندما نقول قراءة ثانية يعنى قرأ بها الرسول ﷺ وهذه القراءة هي (كَأَنَّمَا يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ) وهذه القراءة الثانية تتطابق تمامًا مع ذلك التفسير العلمي للآية الكريمة، كأن الرسول ﷺ قرأها (يَصْعَدُ) لِتُفَسَّر الآية ذلك التفسير العلمي الذي أكْتُشِّفَ بعد أربعة عشر قرنًا من نزول القرآن.

        

أما القراءة الأولى وهي (يَصَّعَّدُ) فهي تشير الى وجه آخر للإعجاز العلمي في الآية الكريمة، لأن كلمة (يَصَّعَّدُ) أصلها (يَتَصَعَّدُ) وأدغمت التاء في الصاد لتخفيف النطق، وكلمة (يَتَصَعَّدُ) من "التفعُّل" يعنى كلما زاد الفعل كلما زاد أثره، وهذا يصف بدقة ما يحدث لمن يصعد الى الطبقات العليا من الغلاف الجوي وهو أنه كلما زاد الصعود كلما زادت صعوبة التنفس.
فكأن القراءة (يَصَّعَّدُ) تشير الى وجه من وجوه الاعجاز العلمي، والقراءة الثانية (يَصْعَدُ) تشير الى وجه آخر من وجوه الاعجاز العالمي.

        

(كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)
(الرِّجْسَ) الذي يجعله الله تعالى عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ له عدة معاني:
فالرِّجْس هو الشيطان الذي يسلطه الله على الكفار.
والرِّجْسَ هو النجس والنتن، والرِّجْسَ هو عذاب الله تعالى.

        

(وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)
(صِرَاطُ) لها ثلاثة قراءات وهذا في المصحف كله، وعندما نقول قراءة يعنى قرأ بها النبي 
(صِرَاطُ) بالصاد و(سِرَاطُ) بالسين و (زِرَاطُ) صاد مشمومة زاي.
فمعنى قوله (
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) يعنى هذا الذي أنتم عليه من الاسلام هو طريق الله تعالى، وهو الطريق الذي يوصل الى جناب الله تعالى.

        

ووصف الله تعالى طريقه تعالى بانه "طريق مستقيم" ونحن نعرف أن القاعدة الهندسية تقول أن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، وطالما أقصر طريق فهو أكثر الطرق راحة، ولذلك وصف تعالى طريقه تعالى بأنه "طريق مستقيم" لأنه الطريق الذي فيه راحة الانسان في الدنيا والآخرة، وفيه سعادة الانسان في الدنيا والآخرة.

        

(قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)
(فَصَّلْنَا) يعنى وضحنا وبينا 
(الْآَيَاتِ) هي الدلائل والحجج التى تدل على وجود الله تعالى ووحدانيته وصدق نبوة الرسول ﷺ 
(لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) يعنى هذه الآيات والحجج بينها تعالى لِقَوْمٍ يميزون ويفهمون، وهم الذين ذكرهم تعالى في الآية السابقة فقال (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ)

        

(لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)
(لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) يعنى ثواب هؤلاء المؤمنون هو (دَارُ السَّلَامِ)
و(دَارُ السَّلَامِ) اسم من أسماء الجنة، وسميت بهذا الاسم لأنها دار السلامة من الحزن، والسلامة من الهم، والسلامة من التعب، والسلامة من الأكدار، والسلامة من كل مكروه.
وهي  الدار التى تحية المؤمنين فيها بعضهم الى بعض، وتحية الملائكة للمؤمنين "السلام عليكم" 
قيل أيضًا من معاني (دَارُ السَّلَامِ) أن "السَّلَامِ" هو اسم من أسماء الله تعالى، فأضاف الله تعالى الجنة إلى نفسه تعظيماً وتشريفًا لها. 

        

وقوله تعالى (عِنْدَ رَبِّهِمْ) 
هذه العندية تعنى أن هذا الثواب الجزيل من الله تعالى معد ومهيأ وجاهز وحاضر عند الله تعالى. 

        

(وُهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) الولي هو القريب وهو الناصر وهو المحب.
ولفظ الولي من الأضداد ، فالمؤمنون أولياء لله، والله تعالى ولى للمؤمنين.
فالمؤمن قريب من الله، والله تعالى قريب من المؤمن في الدنيا والآخرة.
والمؤمن ناصر لله يعنى ناصر لدينه ولأمره ونهيه، والله تعالى ناصر للمؤمن في الدنيا وفي الأخرة.
والمؤمن محب لله، والله تعالى محب للمؤمن.

        

فقوله تعالى (وُهُوَ وَلِيُّهُمْ) يعنى وُهُوَ –تعالى- محبهم وناصرهم وحافظهم وهو تعالى الذي يتولى أمرهم، ويتولى ايصال الخير إليهم في الدنيا والاخرة. 

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇