Untitled Document

عدد المشاهدات : 215

الحلقة (416) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآية (137) من سورة "الأَنْعَام" (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ...

الحلقة (416)
تدبر الآية (137) من سورة "الأَنْعَام" (ص 145)

        

(وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)  
        

قلنا إن هذه الآيات الكريمة تذكر بعض الرذائل التي كانت موجودة في المجتمع الجاهلي، يعنى مجتمع الجزيرة العربية قبل بعثة الرسول ﷺ يقول ابن عباس رضي الله عنهما "إذا اردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام" يعنى هذه الآيات.
يقول تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)
(وَكَذَلِكَ) يعنى ومن سفه المشركين وضلالهم كَذَلِكَ.
ثم تذكر الآية صورة اخري من صور من سفه العرب قبل الإسلام وضلالهم وقسوتهم، وهي قتل الأبناء أو الوأد، والوأد وهو دفن المولد حيًا بمجرد نزوله من بطن أمه، والوأد من الثقل، لأن المولود إذا دفن يموت بسبب الثقل الذي عليه، ومنه قوله تعالى في آية الكرسي (ولا يئوده حفظهما) أي لا يثقل على الله حفظ السماوات والأرض،  
فكان بعض العرب يقتلون الطفل الذكر حتى لا ينفق عليه، ويقتلون الأنثى خشية العار؛ لأن الأنثى معرضة للسبي، وبالتالي ستجلب له العار، كان الأولى لمن يفعل هذا ألا يتزوج لأن زوجته معرضة للسبي وستجلب عله العار.

        

يرى كثيرون أن أول من وأد البنات من العرب هو "قيس بن عاصم" أحد وجهاء بنى تميم، وإذا كان هذا صحيحًا فان هذه العادة عند العرب لم تكن عادة قديمة بل هي عادة حديثة بالنسبة لبعثة الرسول ﷺ لأن "قيس بن عاصم" أدرك الإسلام، وصحب الرسول ﷺ.
والقصة أن "النعمان بن المنذر" ملك "المناذرة" غزا "بنى تميم" بجيش فاخذ أموالهم وسبا نساؤهم وبناتهم، فأرسلت "بنى تميم" أحد أشهر سادتهم وهو "قيس بن عاصم" ليفاوض "النعمان بن المنذر" في تحرير اسراهم، فوافق "النعمان بن المنذر" ولكن بشرط أن يخير النساء بين أن تبقي أو أن تعود الى قبيلتها، فاختارت جميع النساء أن تعود الى قبيلتها؛ باستثناء امرأة واحدة، وهي امرأة "قيس بن عاصم" نفسه، والتي اختارت أن تظل مع سيدها الجديد أمة على أن تعود مع "قيس بن عاصم" زوجة، فعاد "قيس بن عاصم" الى قبيلته وقد لحقه العار بين العرب، فأقسم "قيس بن عاصم" أنه لا يولد له ابنة إلا قتلها، فكان اذا ولدت له بنت قتلها، حتى قتل ثماني بنات.

فلما جاء الإسلام أسلم "قيس بن عاصم" وقدم على الرسول ﷺ سنة 9 هـ في وفد "بني تميم" فأكرمه الرسول ﷺ وقال عنه: «هذا سيد أهل الوبر" يعنى سيد أهل البادية، وقيل إنه لما جاء الى الرسول ﷺ قال يا رسول الله! إني وأدت ثماني بنات كن لي في الجاهلية، قال ﷺ "فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال" فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت" 

        

وروي أن رجلاً من أصحاب ﷺ كان لا يزال مغتماً بين يديه، فقال له الرسول ﷺ ما لك تكن محزوناً؟ فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت، فقال له الرسول ﷺ: أخبرني عن ذنبك ؟ فقال: يا رسول الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها، فتركتها حتى كبرت وأدركت، فصارت من أجمل النساء، فخطبوها فدخلت عليَّ الحمية، ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت إلى البئر، ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي، فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها وأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي: يا أبت ضيعت أمانة أمي، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت، فبكى الرسول ﷺ وأصحابه وقال: لو أُمِرْتُ أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك بما فعلت" 
ومن صور قتل الأبناء كذلك أن بعضهم كان ينذر: أنه وصل ولده الى عدد معين أن يذبح واحدًا منهم لله، كما فعل "عبد المطلب" جد النبي ﷺ عندما نذر إذا ولد له عشرة من الولد ان يذبح أحدهم، "كان له ولد واحد اسمه الحارث" وكاد ان يذبح "عبد الله" أبو النبي ﷺ حتى تدخل أخوته وفدوه بمائة من الإبل.

        

يقول تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)
(شُرَكَاؤُهُمْ) هنا فاعل مؤخر.
فيكون المعنى أن
(شُرَكَاؤُهُمْ) وهم شياطين الجن الذين يوسوسون لهم زَيَّنَوا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ.
ولذلك إذا أردنا أن نعرب هذه الجملة نقول:

(زَيَّنَ) فعل ماضي. 
(لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) مفعول به اول. 
(قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ) مفعول به ثاني.
(شُرَكَاؤُهُمْ)
فاعل.
والمفعولان مقدمان، والفاعل مؤخر.

        

وهناك قراءة أخري (وَكَذَلِكَ زُيّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)
(زُيّنَ)
هنا فعل مبنى للمجهول، فتكون شُرَكَاؤُهُمْ نعت لأوْلَادِهِمْ، كما نقول للزوجة انها شريكة العمر، وهذه الصفة فيها تبكيت لهم، يعنى أنتم تقتلون أولادكم اللي المفروض أنهم شركاء لكم في حياتكم، وفي نفس الوقت إشارة الى أنهم يقتلون أبنائهم حتى لا يشاركوهم في طعامهم وأموالهم.  

        

وقال تعالى (لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لأن ليس كل الْمُشْرِكِينَ كانوا يرتكبون هذا الفعل القبيح، فكان هذا الأمر موجودًا في ربيعة ومضر، وليس كل ربيعة ومضر يفعلون ذلك، ولكن قوله تعالى (لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يدل على أن هذا الأمر كان متفشيًا بين العرب.
وفي المقابل كان بعض العرب يرفض هذا، بل ويحي الموؤدة، يعنى يستنقذ هذه المولودة من أبيها قبل أن يقتلها. 
ومن هؤلاء "زيد بن عمرو بن نفيل" والذي كان إذا بلغه أن أحدًا من العرب يريد أن يأد ابنته فانه يذهب اليه ويقول له: أعطني إياها أنا أكفلها لك، وأحيانًا كان يشتريها من ابيها.
ومنهم "صعصعة بن ناجية" جد "الفرزدق" الشاعر الأموي المعروف، كان يشتري البنات من آبائهن حتى جاء الإسلام وقد احي ثلاثمائة وستين موءودة، حتى سمي "محيي الموءُودات" وكان الفرزدق يفتخر بذلك ويقول:
وَجَدِّى الَّذِى مَنَعَ الْوَائِدَاتِ **  ** وَأَحْيَا الْوَئِيد فَلَمْ يُوأَدِ


        

أما الرواية أن عمر - رضي الله عنه – قد وأد ابنة له، فهذا غير صحيح، ورواية باطلة، ولعلها من وضع بعض الشيعة، وبدليل أن أكبر بنات عمر هي السيدة "حفصة" التي تزوجها الرسول وقد ولدت قبل اسلام عمر بعشر سنوات فلوكان يقتل البنات لكان قتلها.
        

قال تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) 
(لِيُرْدُوهُمْ) يعنى لِيُهلكْوهُمْ، من الردي وهو الموت والهلاك. 
يعنى الشياطين زينوا لهم قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ لِيُهلكْوهُمْ بهذه المعصية الكبيرة الشنيعة.

(وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) اللبس هو الخلط بين الأشياء، والمعنى أنهم يخلطوا عَلَيْهِمْ ما كانوا عليه من دين إبراهيم واسماعيل -عليهما السلام-
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) 
يعنى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تعالى لما قتلتم ابنائكم، فلا تعتقدوا أنكم قد سلبتم ارواحهم بقدرتكم أو رغمًا عن الله تعالى، ولكن فعلتم هذا بما أعطاكم الله من حرية الاختيار، ولو لم يخلق الله فيهم اختياراً ما فعلوا ذلك.
(فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي: دعهم مع كذبهم وافترائهم، فإن لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم، وهذا فيه غاية التهديد لهم والوعيد. 

        

يقول ابن عباس أن وأد البنات من سخافات العرب، فاذا كان ابن عباس يقول أن "وأد البنات من سخافات العرب" وهو يتحدث عن هذه العادة الرذيلة كانت موجودة عند بعض العرب منذ 1400 سنة، فان العجيب ان هذه الجريمة البشعة لا تزال ترتكب حتى الآن في أغلب دول العالم، فقتل الأبناء وخصوصا البنات ، امر منتشر في الصين والهند وتايوان  وكوريا وباكستان، وذكر الباحثون أن تاريخ قتل البنات يمارس في الصين منذ 2000 سنة، وزاد انتشارًا مع تطبيق الحكومة الصينية لما أطلقت عليه "سياسة الطفل الواحد" يعنى فرض عقوبات اقتصادية في حالة انجاب أكثر من طفل، وفي هذه المناطق يتم قتل الطفل عن طريق الغرق يعنى القائه في نهر او خنقه، أو تركه بلا طعام حتى يموت، ومن الشائع أن يترك في سلة، ويظل يبكي حتى يموت والناس تمر بجواره ولا تلتفت اليه.
ولكن مما يلفت النظر ان من ضمن أسماء الدول التي ذكرنا أن قتل الأبناء موجود فيها هي "باكستان" و"باكستان" دولة إسلامية وهي ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان المسلمين، ولذلك يجب على علماء المسلمين في باكستان العمل على وقف هذه الجريمة

        

فاذا تركنا دول جنوب شرق آسيا وذهبنا الى العالم المتقدم في الغرب، وغيرها من الدول التي تسير في ذيلها، سنجد ان قتل الأبناء له قانون يحميه ويقننه، وهو "قانون الإجهاض" وهو قانون يبيح الإجهاض بناءًا على رغبة الأم، وهو قانون موجود في 74 دولة حتى الآن.
وليس هناك فرق بين الإجهاض والوأد، فالاثنين جريمة قتل تقع ضد كائن حي، ففي حالة الإجهاض قتل كائن حي داخل رحم الأم، والوأد قتل كائن حي انفصل عن رحم أمه
ولدرجة أن الأمم المتحدة في عام 2016 أجبرت دولة "بيرو" على دفع تعويض لسيدة لعدم حصولها على الرعاية الطبية التي تمكنها من إجراء الإجهاض اللازم لحالتها الصحية.
وهناك محاولات حثيثة بالطبع من الدول "المتقدمة" لإقرار قوانين الإجهاض في الدول الإسلامية، ولكن ستبوء ان شاء الله محاولاتهم الرخيصة بالفشل، والحمد لله على نعمة الإسلام، وكفي بالإسلام نعمة.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇