Untitled Document

عدد المشاهدات : 133

الحلقة (417) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآيات (138) و(139) و(140) من سورة "الأَنْعَام" (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ...

الحلقة (417)
تدبر الآيات (138) و(139) و(140) من سورة "الأَنْعَام" (ص 146)

        

(وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ  (140)  


        

قلنا إن هذه الآيات الكريمة تذكر بعض الرذائل التي كانت موجودة في المجتمع الجاهلي، يعنى مجتمع الجزيرة العربية قبل بعثة الرسول ﷺ يقول ابن عباس رضي الله عنهما "إذا اردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام" يعنى هذه الآيات.
في الآية التي معنا وهي الآية رقم (138) يذكر الله تعالى ثلاثة من ضلالات وحماقات المشركين قبل الإسلام، يقول تعالى (وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) اذن الآية ذكرت ثلاثة من ضلالات وحماقات المشركين قبل الإسلام وهي:
1-    أن المشركين جعلوا جزءًا من زروعهم وأنعامهم حكرًا على الأصنام (وهذه طبعًا لا ينتفع بها الا الكهنة والسدنة وهم خدام الصنم)
2-    عمدوا الى قسم من أنعامهم فحرموا ركوبها أو الحمل عليها.
3-    جعلوا قسم من الأنعام لا يذكرون اسم الله عند ذبحها، وانما يذكرون عليها اسم أحد اصنامهم.

        

يقول تعالى:
(وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ)
هذه هي الضلالة الأولى
(وَقَالُواْ) يعنى وقال المشركون.
(هَذِهِ أَنْعَامٌ) الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والماعز
(وَحَرْثٌ) الحرث هو الزروع والثمار.
(حِجْرٌ) الحجر من المنع، ولذلك من أسماء العقل هو "الحِجْرٍ" لأنه يمنع الانسان من ارتكاب الحماقات، ومنه قوله تعالى في سورة الفجر (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) يعنى لمن له عقل، ونحن نقول في التعبير القانوني الشهير "حجر عليه" يعنى منعه من التصرف في أمواله، ونقول في التعبير الدارج "لا تحجر على رأيي" يعنى: لا تمنعنى من أن أقول رأيي. 
يقول الشاعر

فَبِتُّ مُرْتَفِقاً والعَيْنُ ساهِرَةٌ     كأنّ نَوْمي عليَّ اللَّيْلَ مَحْجُورُ
فقوله تعالى (وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا) يعنى هذه الأنعام وهذه الزروع ممنوع أن يُأْكَل منها.
(إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) يعنى إِلَّا مَنْ نَشَاءُ أن يأكل منها، وهم الكهنة وخدام الأصنام.
اذن هي الحماقة الأولى وهي أنهم جعلوا جزءًا من أنعامهم وجزءُا زروعهم لا يأكلون منها وانما يقدموها الى اصنامهم، والتي تصل في النهاية الى الكهنة وخدام الأصنام

        

ثم يقول تعالى (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا) هذه هي الحماقة الثانية، وهي أن هناك أنعام أخري حرموا أن يركب عليها أو أن يحمل عليها، وقد أطقوا عليه اسم "الحام" والحام هو الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن، فيقولون قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم فلا يركب ولا يحمل عليه.
وقد أنكر الله تعالى عليهم هذا الأمر في سورة المائدة مع أصناف اخري فقال تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ)

        

ثم يقول تعالى (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) 
هذه هي الضلالة الثالثة من ضلالات المشركين في هذه الآية 
وهي الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها عند ذبحها، وانما يذكرون اسم الصنم التي ذبحت له.

        

ثم يعقب القرآن العظيم على هذه الضلالات الثلاثة فيقول تعالي (افْتِرَاءً عَلَيْهِ) يعنى هذه الأباطيل افتراءًا على الله -تعالى- لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا، وهو تعالى لم يأمر بذلك.
يقول تعالى
(سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) 
يعنى سيعاقبهم وسيعذبهم بسبب هذا الافتراء عليه تعالى.


        

(وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)

(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ) الذي في بطون الأنعام اما اللبن واما الأجنة.
بالنسبة للبن كان المشركون يجعلون اللبن للذكور فقط دون الاناث
أما بالنسبة للأجنة، فأحيانًا تذبح البهيمة وهي حامل، يعنى في بطنها جنين، وعند ذبح البهيمة الحامل قد يخرج الجنين وفيه حياة مستقرة، وقد يخرج وهو ميت.
فاذا خرج الجنين حيًا فانه يكون للرجال فقط، لا تأكل منه النساء، وإذا خرج ميتًا يأكل منه الرجال والنساء.
يقول تعالى
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) سواء كان لبنًا أو الجنين الحي، يكون للذكور فقط دون الاناث (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ) إذا كان الجنين ميت فيكون للرجال والنساء.
هذه التفرقة العجيبة تدل طبعًا على النظرة الدونية للمرأة قبل الإسلام في المجتمع العربي، بل وفي العالم كله، حتى جاء الإسلام، فرفع من مكانة المرأة، وحرّم كل هذه الممارسات العنصرية.

        

ثم يقول تعالى (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) يعنى سيجزيهم على كذبهم وافترائهم على الله سبحانه وتعالى.
(إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي إِنَّهُ حَكِيمٌ في امره ونهيه، والحكيم هو الذي يضع كل شيء في موضعه
(عَلِيمٌ) أي عَلِيمٌ بما يصلح عباده، وعَلِيمٌ بأقوالهم وافتراءاتهم وسيجازيهم عليها.

        

بالمناسبة عندما في الإسلام ما حكم ذبح البهيمة الحامل ؟ وما حكم أكل لحم الجنين الذي في بطنها؟ الإجابة أنه يجوز ذبح البهيمة الحامل 
أما بالنسبة لأكل لحم الجنين فاذا نزل ميتًا ليس فيه حياة فيجوز اكله لأن ذكاة امه ذكاة له، كما قال الرسول في الحديث الدي رواه أبو داود.
أما إذا نزل الجنين وفيه حياة مستقرة فيجب أن يذكي هو، فاذا لم يذكي حتى مات فانه لا يجوز الأكل منه.


        

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)  
يعقب الله تعالى في الآية الكريمة على ضلالات المشركين التي ذكرت في الآيات السابقة 
فيقول تعالى
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ) 
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ، اما بقتلهم خوفًا من الفقر، أو بقتلهم الاناث خشية العار، أو بقتلهم بسبب النذر، يعنى أن ينذر أحدهم ان يذبح أحد ولده تقربًا الى الله تعالى.
(سَفَهًا) السفه هو الجهل والطيش وخفة العقل.
يقول قتادة: كان أحدهم يقتل ابنه وابنته مخافة الفقر ويَغْذُو كلبه

(بِغَيْرِ عِلْمٍ) يعنى كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم، دون أن يكون له أصل من علم أو وحي من الله.
(وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) حَرَّمُوا على أنفسهم وضيقوا عليها مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ من الزروع والثمار والأنعام، عندما قدموا هذه الزروع والثمار والأنعام الى الكهنة وسدنة الأصنام، وعندما حرموا على أنفسهم الانتفاع بأنواع من الأنعام وهي (البحيرة والسائبة والوصيلة والحام)
(افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) يعنى كذبًا عَلَى اللَّهِ، لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا، وهو تعالى لم يأمر بذلك.
(قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) قد ضلوا عن الصراط المستقيم بأقوالهم وأفعالهم القبيحة وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب.
يقول ابن كثير في تفسيره:
يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا علي أنفسهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة، فيصيرون إلى أسوأ المنازل؛ بكذبهم على الله وافترائهم.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇