Untitled Document

عدد المشاهدات : 200

الحلقة (430) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" من (3) الى (10) سورة "الأَعْرَاف" (ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ...

الحلقة (430)
تفسير وتدبر الآيات من الآية (3) الى الآية (10) سورة "الأَعْرَاف" (صفحة 151)

        

(ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)  فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7) وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (10)
        

(ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)
يخاطب الله تعالى في هذه الآية جميع الناس، فيقول تعالى (ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ) يعنى ٱتَّبِعُواْ أيها الناس ما أنزله الله تعالى إِلَيْكُمْ في آيات القرآن العظيم من أوامر ونواهي وأحكام.

وكلمة (أُنزِلَ إِلَيْكُمْ) اشارة الى أنها لم تأت من مساوي، ولكنها جاءت من أعلى، وطالما جاءت من أعلى فيجب أن تقبلوها وأن تلتزموا بها، لأن الانسان يمكن أن يرفض الأمر إذا جاء من مساوي، أما إذا جاء من أعلى فيجب أن يقبله.
        

وكلمة (أُنزِلَ إِلَيْكُمْ) يعنى نزلت لصالحكم.
وكلمة
(رَّبِّكُمْ) يعنى هو خالقكم وهو الذي اوجدكم، ولذلك فهو الأعلم بما فيه مصلحتكم.

        

(وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ) الولي هو الناصر، والمعنى ولا تطيعوا معبودات غير الله تعالى، ولا تستنصروا بغير الله تعالي.
لأنه الله تعالى هو القوي الذي بيده كل شيء، وغير الله تعالى عبيد ضعفاء ليس بأيديهم أي شيء، كما قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ)

(قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) وقرأت (قَلِيلاً مَّا تَذَكَرُونَ) بتشديد الذال، يعنى هذا هو حال أكثر أهل الأرض، أن القليل منهم هو الذي ينتفع بالموعظة، كما قال تعالى في سورة يوسف (وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)


        

(وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)
الخطاب للمشركين من أهل مكة 
(وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا)
(كَم) تفيد الكثرة.
والقرية تطلق على المكان الذي يتجمع فيه الناس.

        

(أَهْلَكْنَاهَا) ولم يقل تعالى أهلكنا أهلها، ولكن قال تعالى (أَهْلَكْنَاهَا) يعنى الله تعالى لم يهلك أهل القرية وحدهم، ولكن أهلكها بالكامل، أهلك مبانيها وزروعها وكل شيء فيها، كما قال تعالى عن قري لوط (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) يعنى عاليها واطيها.
(فَجَآءَهَا بَأْسُنَا) يعنى َأتاها عذابنا القوي الشديد.
(بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ)
(بَيَاتاً)
يعنى وهم نائمون ليلًا 
(أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ) يعنى وهم نائمون في وقت القيلولة، وهو منتصف النهار، كما حدث مع قوم شعيب.
والمقصود أن العذاب نزل على هؤلاء المكذبين وهم في وقت الدعة والسكون والاطمئنان، وهذا يكون أوقع في استقبال العذاب.

        

(فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) 
يعنى فَمَا كَانَ قولهم، واستغاثتهم (إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) يعنى إِلاَّ أَنهم اعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا ظَالِمِينَ، وهذا يدل على التحسر والندم.


        

(فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ (6)
بعد أن ذكر تعالى عذاب الأمم السابقة في الدنيا يذكرهم الله -تعالى- بعذاب الآخرة
فيقول تعالى
(فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) هذا خبر من الله تعالى، وهو خبر مؤكد بلام القسم ونون التوكيد، وإذا كان الذي يلقي عليهم هذا الخبر هو الرسول ﷺ وهو المشهور عندهم بالصدق، ويقسم كذلك على الخبر، فكان المفروض أن يستقبلوا هذا الخبر بالتصديق. 
يقول تعالى
(فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)
يعنى سنسأل الأمم ٱلَّذِينَ بلغتهم دعوة الرسل، سيسأل الله تعالى كل فرد منهم: هل بلغتك دعوة الرسول؟ كيف أجبت هذه الدعوة ؟ وماذا فعلت بها؟ 

        

(وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ) 
وسنسأل الرسل الذين أرسلوا، من الذي أطاعكم، ومن الذي عصاكم.
يقول ابن عباس في تفسير الآية: نسأل الناس عما أجابوا ٱلْمُرْسَلِينَ، ونسأل ٱلْمُرْسَلِين عما بلغوا.
وهذا فيه وعيد شديد للمكذبين لرسل الله تعالى.


        

(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)
فيخبر تعالى أنه بعد أن يسأل الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، ويسأل الرسل الذين أرسلوا، سيخبرهم الله تعالى بحقيقة ما وقع بينهم.
كلمة
(فَلَنَقُصَّنَّ) وهي مؤكدة بلام القسم وبنون التوكيد، تدل على الدقة في الاخبار، لأن أصل القصص هو "قص الأثر" يعنى تتبع الأثر، كما قال تعالى (وقالت لأخته قصيه) والذي يقص الأثر يسير في نفس الطريق الذي سار فيه من يقص أثره بالضبط، فكلمة (فَلَنَقُصَّنَّ) تدل على الدقة في الإخبار.
وقوله تعالى (بِعِلْمٍ) يعنى الله –سبحانه وتعالى- سيخبرهم بالحقيقة الكاملة وبمنتهي الدقة، لأنه حتى الرسول الذي أرسل الى قومه ربما لا يعلم الحقيقة الكاملة، ربما كان من قومه منافقون يظهرون الايمان ويبطنون الكفر، وربما مات فصلى عليه رسوله ودعا له واستغفر له، وهو لا يعلم أنه منافق وأنه كافر.
ولذلك قال تعالى
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ)
(وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ)
يعنى وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ عنهم في الدنيا بل كنا حاضرين شاهدين على كل موقف من مواقف حياتهم


        

(وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (8)
 يعنى بعد سؤالهم ينصب لهم الميزان، وتوزن أعمالهم. 
وقال البعض أنه ميزان مثل الميزان الذي يعرفه الناس، له لسان وكفتان.
وقال البعض أن الذي يوزن هي صحائف الأعمال، وقال البعض أن الأعمال تتجسد وتوضع في صورة مجسمة
وعن حذيفة، قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام.
وعن عبد لله بن سلام، أن الميزان يكون أمام العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة، والأخرى على جهنم.
ووزن الحسنات أحد أصعب ثلاثة مواقف يوم القيامة، وهي تطاير الصحف، والميزان، والصراط.

يقول تعالى (وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ) يعنى العدل.
(فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) يعنى فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُ حسناته 
(فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُون) فَأُوْلَـٰئِكَ الذين نجوا وأفلحوا وفازوا بدخول الجنة. 

        

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (9)
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُ حسناته، لقلة حسناته وكثرة سيئاته.
(فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم) كان سببًا في أن يدحل نفسه النار، كان سببًا في أن يحرم نفسه من دخول الجنة. 
(بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ) أي بسبب تكذيبهم لآيات الله تعالى ظلمًا، سواء آيات الله الكونية، أو آيات القرآن العظيم.
عن عمر بن الخطاب قال "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا" 


        

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (10)
بعد أن أمر الله تعالى الناس بمتابعة الأنبياء، وخوفهم من مخالفتهم بعذاب الدنيا ثم عذاب الآخرة، يذكر تعالى نعمه على عباده ليحثهم على الإيمان به تعالى.
يقول تعالى
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ) مَكَّنَّاكُمْ من التمكين، كما نقول "مَكَّانَه من الشقة" والمعنى: ملكنا لكم هذه الأرض، وجعلناكم أسياد هذه الأرض، وجميع المخلوقات الأخرى خلقت لخدمتكم سواء حيوان أو نبات أو جماد، لأن الجماد يخدم النبات، والنبات يتغذى منه الحيوان، والحيوان يخدم الانسان، فكل الأجناس تصب في مصلحة الانسان.
 (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِي الأرض مَا تعيشون به من مطاعم ومشارب وغيرها.
ولذلك سموا "الخبز" عيش لأنه مقوم أساسي في الحياة.

        

 (قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) يعنى ولكنكم –أيها الناس- لم تقابلوا هذه النعم الى بالقليل من الشكر.
يقول تعالى في موضع آخر (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) يعنى القليل من العباد من يشكر الله.
أما في هذه الآية فيقول تعالى (قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) يعنى القليل الذي يشكر الله قليلًا ما يشكره تعالى.

        

يحكى أن رجلا قد ذهب الى أحد العلماء، وأخذ يشكو له فقره، فقال له العالم: أَيسُرُّكَ أن تكون  أعمى ويكون لك عشرة آلاف دينار؟ فقال الرجل: لا، فقال له العالم: أيسرك أن تكون اخرس، ويكون لك عشرة آلاف دينار؟ فقال الرجل: لا، فقال له العالم: أيسرك أن تكون مقطوع اليدين ويكون لك: عشرون ألف دينار ؟ قال الرجل: لا، قال له: أيسرك أن تكون مقطوع الرجلين ويكون لك ... وأخذ العالم يعدد عليه نعم الله عليه، حتى قال له العالم: أن معك الآن مائة ألف دينار، فكيف تكون فقيرًا ؟    
        

روي عن النبي ﷺ أن رجلُا عَبَدَ اللهَ على رأس جبل في جزيرةٍ خمسمائة سنة، واخرج الله له ماءًا عذبًا ليشرب مه، وأنبت له شجرة رمان تعطيه كل يوم رمانة ، فلما كان يوم القيامة يقول الله تعالى لملائكته: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول العبد: أي رب بعملي، فيقول تعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول العبد: أي رب بعملي، فيقول تعالى:  أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول العبد: أي رب بل بعملي، فينادي الله تعالى الملائكة حتى تأتي بالميزان، وينصب الميزان، وتوضع أعمال العبد كلها في كفة، وتوضع نعمة البصر في الكفة الأخرى، فرجحت نعمة البصر على كفة الحسنات، فيقول تعالى: أدخلوا عبدي النار، فتأخذه الملائكة وتجره الى النار، فينادي العبد: يا رب برحمتكم أدخلني الجنة، فيقول الله: نعم برحمتي أدخلك الجنة؟
        

يقول تعالى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ) والظاهر أن يقول تعالى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ) ولكنه تعالى قال (نِعْمَةَ) لأن النعمة الواحدة فيها ما لا يحصي من النعم.
        

يقول الشعراوي –رحمه الله- "من الحمق ألا تشكر الله تعالى على نعمه، لأنك حين لا تشكر إنما تضيق علي نفسك أبواب النعم من الله؛ لأنك لو شكرته على النعم لزادت النعم عليك، يقول تعالى ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ)

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇