Untitled Document

عدد المشاهدات : 226

الحلقة (432) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" من الآية (19) الى (25) سورة "الأَعْرَاف"(وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ...

الحلقة (432)
تفسير وتدبر الآيات من الآية (19) الى الآية (25) سورة "الأَعْرَاف" (صفحة 151)

        

(وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) 


        

ما زالت الآيات تتحدث عن قصة آدم -عَلَيْهِ السَّلامُ- مع إبليس، وقلنا إن قصة آدم مع ابليس تكررت في القرآن العظيم في سبعة سور: في سورة البقرة، ثم في هذه السورة: سورة الأعراف، ثم في سورة الحجر، ثم في سورة الإسراء، ثم في سورة الكهف، ثم في سورة طه، ثم في سورة ص. 
        

وجاء تعالى في كل سورة لقطة من لقطات القصة، ولم تأت القصة مرة واحدة في سورة واحدة، لأن الله تعالى يريد لنا أن نتذكر هذه القصة، وأن نتذكر هذا الموقف بين آدم -عَلَيْهِ السَّلامُ- وبين ابليس حتى لا ننسي أبدًا عداوته لبنى آدم، وأن هدفه الأول والأخير هو أن يحرم بنى آدم من دخول الجنة، وأن يدخلهم جهنم معه.
        

يقول تعالى (وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
(وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) يعنى وقال الله تعالى لآدم –عليه السلام- بعد أن طرد ابليس من الجنة أو من السماء (يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)
(الْجَنَّةَ) لغة هي البستان الذي فيه أشجار عالية كثيفة، تَجُنُ أي تستر من يمشي فيها
فالْجَنَّةَ التي كان فيها آدم وحواء اما أنها جنة الخلد لأنها ذكرت مُعَرَفَة، أو جنة في السماء، أو جنة في الأرض، وكل فريق له أدلته، وكما قلنا كثيرًا أن الأفضل عدم الانشغال بذلك لأنها مسألة لا يترتب عليها عمل.

        

(فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا) يعنى كُلَا مِنْ أي ثمرة من ثمار الجنة. 
(وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) النهي عن القرب فيه المبالغة في النهي عن الأكل. 
كما لو كان ابنك الأكبر يضرب ابنك الأصغر منه، فأنت تقول له: اياك أن تقترب منه، فيها مبالغة في النهي عن ضرب أخيه.
وتحدث العلماء كثيرًا في نوع هذه الشجرة التي حرم على آدم وحواء الأكل منها، فقال البعض أنها شجرة الحنطة، وقالوا شجرة التين وقالوا شجرة العنب وقالوا شجرة التفاح، وأكثرها منقول من اليهود والنصاري، ولكن لم يرد في تحديد نوع الشجرة لا في قرآن ولا حديث، وهذا هو منهج القرآن وهو عدم الاهتمام بتفاصيل لا أهمية منها حتى لا نتشتت عن الهدف والعبرة من القصة.

        

(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي تَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ لأنفسهم بالمعصية، لأن الذي يرتكب المعصية يعطي نفسه شهوة قليلة في زمن يسير، ثم بعد ذلك عقاب أليم وشديد في زمن طويل، وهذا ظلم للنفس.


        

(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) 
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) أصل الوسوسة هو الصوت الضعيف كالهمس والذي فيه اغواء واغراء، ومنه صوت الذهب والحلي، فكانت العرب تقول "وسوس الحلى" 
يقول الشاعر
(تَسمَعُ للحَليِ وَسْوَاساً إذا انصَرَفَتْ) 
وكلمة "وسوس" تدل على التكرار والالحاح.

        

وقوله تعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا) فيه الرد على أن حواء قد ألحت على آدم حتى يأكلا من الشجرة، لأن الوسوسة من الشيطان كانت لهما معًا.
بل في موضع آخر وضع المسئولية كلها على آدم فقال (فوسوس إليه الشيطان) لأنه نبي، فالمسئولية عليه بالدرجة الأولى.

        

(لِيُبْدِيَ لَهُمَا) يعني ليظهر لهما (مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا) 
هل معنى هذا أن هدف الشيطان من الوسوسة ان يُبْدِيَ لَهُمَا يعني ليظهر لهما مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا؟ وكيف علم الشيطان ان آدم وحواء إذا أكلا من الشجرة ستظهر سَوْآَتِهِمَا.
نقول أن اللام لام العاقبة، يعنى عاقبة الوسوسة أن بدت عرواتهما
ولام العاقبة مثل قوله تعالى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)

        

(مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا) 
يعنى ما غطي وما ستر عَنْهُمَا مِنْ عَوْراتِهِمَا.
وسميت السوأة بذلك لأنها ظهورها يسوء صاحبها
وسميت العورة بعورة لأن الانسان يعير بها اذا كشفت
وهذا يدل على أن كشف العورة للزوج أو الزوجة أمر قبيح.
تقول أمنا السيدة عائشة
"ما رأيت ولا رأى مني" ومن أدب السيدة عائشة مع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه لم تجيء حتى بكلمة عورة أو سوأة.
(وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) يعنى وَقَالَ الشيطان لآدم وحواء: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ الأكل من هَذِهِ الشَّجَرَةِ. 
(إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)
يعنى: لئلا تكونا ملكي
ن، ولماذا يريد آدم أن يكون من الملائكة، إذا كان الله تعالى قد اسجد له جميع الملائكة ؟ الميزة التى في الملائكة أنهم لا يموتون، وآدم لا يريد أن يموت وأن يترك ما هو فيه من النعيم، يقول تعالى
(أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) يعنى اذا أكلتما من الشجرة، ولم تَكُونَا مِنَ الملائكة فستكونا مِنَ الْخَالِدِينَ في الجنة ولا تموتون.
قال في سورة طه (يَٰـئَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ) 


        

(وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)
(وَقَاسَمَهُمَا) يعنى أقسم لهما وحلف لهما على ذلك.
كما قال خالد بن زهير:

وقاسَمَها بالله جَهْدًا لأَنْتُمُ *** 
أَلَذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها

يعنى ألذ من العسل عند جنيه من الخلية.
(إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) 
أقسم لهما الشيطان أنه ينصحهما وأنه يريد لهما الخير، وقال لهما أنه قبلهما في هذا المكان، وأنه أعلم منهما بهذا المكان.
وصدقه آدم وصدقته حواء، لأن آدم وحواء لم يكن لهما أي تجارب في الحياة
يقول الشاعر:

إن الكريم إذا تشاء خدعته   ... 
وترى اللئيم مجرباً لا يخدع


        

(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) 
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) الإدلاء والتدلية هو ارسال الشيء من أعلى الى أسفل، كما في قول الله تعالى (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ) 
فقوله تعالى
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) يعنى أهبطهما من المكانة العالية التى كانوا فيها الى رتبة أقل منها.
و
(بِغُرُورٍ) بخديعته لهما، لأنه أخذ يقسم ويحلف لهما، وهما ظنا أنه لا يمكن أن يحلف أحد بالله كذبًا.

        

(فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا) يعنى فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ نزلت عليهما العقوبة من الله تعالى، وظهرت لهما عوراتهما.
وقوله تعالى
(ذَاقَا الشَّجَرَةَ) يعنى أكلا اليسير.
واختلفوا على اللباس الذي كان عليهما على ثلاثة اقوال: قيل إنه حلة 
أو أن اللباس هو نور كان عليهما فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ ذهب هذا النور. 
أو أن عليهما مثل الظفر، فلما ذاقا الشجرة تقلص هذا اللباس ولم يبق منه الا أظافر اليدين والقدمين.

وقالوا أن الانسان اذا كان يضحك ولا يستطيع أن يكتم ضحكه، فاذا نظر الى أظافره فانه سيتوقف عن الضحك فورًا، لأن هذه الأظافر تحمل أسوأ ذكري في وجدان كل آدمي وهي ذكري انكشاف عورته بعد المعصية.

        

(وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) 
(وَطَفِقَا) يعنى شرعا وأخذا، كما يقول "بلش" 
(يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) 
يعنى يضعوا ورقة فوق ورقة من ورق الجنة. 
من حديث عائشةَ أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يَخيطُ ثوبَه ويخصِفُ نعلَه، يعنى إذا كان هناك خرق في نعله يأتي بقطعة جلد أوسع من الخرق حتى تتمكن منه، ويخيطه.
فقوله تعالى
(وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) 
يدل على تكرار الفعل لأن لا شك أن ورق الجنة لن يثبت على جسديهما ولن يثبت بعضه على بعض، وأنه سيسقط، وهذا يدل على الخزي والحياء والارتباك الذي كانا فيه آدم وحواء.

        

(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) هذا عتاب من الله تعالى وتوبيخ لآدم وحواء.
عن أبَيْ بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن آدم كان رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق، -يعنى نخلة طويلة، في بعض الأحاديث ان طول آدم ستون ذراعًا، والذراع 46 سم، معنى هذا أن طول آدم كان أكثر من 27 متر، يعنى عمارة 8 أو 9 أدوار- إن آدم كان رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً في الجنة فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فناداه ربه يا آدم. أتفر مني؟ قال يا رب إني أستحي" 

قال عطاء: بلغني أن الله ناداهما أفراراً مني يا آدم قال بل حياء منك يا رب ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، ثم ناداه ربه أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك في جنتي في جواري!

        

وقوله تعالى (عَدُوٌّ مُبِينٌ) يعنى عَدُوٌّ ظاهر العداوة.
لأنك يا آدم رأيت تكبره عليك ورفضه السجود لك، ورأيت أنه قد طرد من الجنة بسببك، وسمعته بأذنك وهو يقول (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) وسمعته وهو يقول (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )

        

(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) 
في سورة البقرة قال تعالى (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) يعنى أوحي الله تعالى الى آدم بالكلمات التي يقولها حتى يستغفر الى الله تعالى، ولم تذكر سورة البقرة ما هي هذه الكلمات، ثم في هذه السورة يذكر تعالى الكلمات التى تلقاها آدم من الله تعالى، وهي هذه الآية (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
بدليل أنه تعالى قال
(قَالَا) يعنى قَالَا معًا آدم وحواء وفي نفس واحد، ولو لم يكن وحيًا لقال آدم كلام وقالت حواء كلامًا آخر.
وهذا هو الفرق بين معصية ابليس ومعصية آدم، أن ابليس رد حكم الله تعالي، أما آدم فلم يرد الحكم، بل اتهم نفسه بالتقصير واعترف بالذنب، فصار أهلاً للمغفرة وأهلاً للتوبة.

        

ورد أنه عند معصية آدم في الجنة ناداه الله: يا آدم، لا تجزع من قولي لك: اخرج منها؛ فلك خلقتُها، ولكن انزل إلى الأرض، وذلَّ نفسك من أجلي، وانكسر في حبي، حتى إذا زاد شوقك إليَّ وإليها، تعال لأدخلك إليها مرة أخرى، يا آدم، كنت تتمنى أن أعصمك؟ قال آدم: نعم! فقال: يا آدم، إذا عصمتك وعصمت بنيك؛ فعَلَى مَن أجود برحمتي؟ وعلى من أتفضل بكرمي؟ وعلى من أتودَّد؟ ولِمَن أغفر؟ يا آدم، ذنب تذلُّ به إلينا، أحب إلينا من طاعة تُرائي بها علينا، يا آدم، أنين المذنبين أحبُّ إلينا من زجل المسبحين. 

(قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) 
يعنى قَالَ تعالى (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) الخطاب اما المقصود به آدم وحواء وذرييتهما، أو لآدم وحواء وابليس.
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مكان استقرار. 
(وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) وتمتع إِلَى حِينٍ قضاء آجالكم.

        

(قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) 
وقرأت (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء، وضم الراء. 
(فِيهَا تَحْيَوْنَ) يعنى تَحْيَوْنَ على الأرض. 
(وَفِيهَا تَمُوتُونَ) يعنى وَفِيهَا يأتيكم الموت، أو وَفِيهَا تدفنون بعد الموت.
(وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) يعنى تُخْرَجُونَ يوم القيامة للحساب والثواب والعقاب.


        

وبعد أن قص القرآن العظيم ما جرى بين آدم وبين إبليس، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه إخراجهما من الجنة. بعد ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم حضهم فيها على تقوى الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم، هذا هو حديثنا في الحلقة القادمة.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇