Untitled Document

عدد المشاهدات : 97

الحلقة (449) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تفسير وتدبر الآيات (94) و(95) و(96) من سورة "الأَعْرَاف" وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ….

الحلقة رقم (449)
تفسير وتدبر الآيات (94) و(95) و(96) من سورة "الأَعْرَاف" (ص 162)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

تحدثت الآيات السابقة عن هلاك قوم نوح، وعن هلاك عاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب، ثم يبين تعالى في هذه الآيات الكريمة سنته تعالى مع هذه الأمم الكافرة المكذبة لرسله.
فيقول تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)
أولًا: ما معنى قَرْيَةٍ؟ القرية في لغتنا الدارجة يعنى مكان صغير ريفي قليل السكان، ولكن القرية لغة يعنى المدينة الكبيرة الذي تقري الناس، أي تجمع الناس.
فقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) المراد بالقرية هنا هي المدينة الكبيرة التي يكون فيها الرؤساء والقادة، والتي يتبعها ما حولها -والتي نقول عنها الآن "العاصمة"- لأن الأنبياء كانوا يبعثون في هذه القري الجامعة، لأن ما حولها يكون تبعًا لها، كما أرْسَل "لوط" مثلًا الى "سدوم" لأن ما حولها من قري تابع لها، وكما أرْسَل نبينا محمد ﷺ الى مكة، لأن ما حولها من القبائل في الجزيرة تابع لها.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) يعنى وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ قبلك يا محمد، مِنْ نَبِيٍّ فكذبوا نبيهم.
(إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا) 
كلمة (أَخَذْنَا) تدل على السرعة وعلى الشدة
(إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) يعنى بالشدائد والمصائب، والْبَأْسَاءِ من البؤس، وَالضَّرَّاءِ من الضرر.
فان قلت ما الفرق بين الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؟ قال العلماء: الْبَأْسَاءِ هي المصائب في الأموال، وَالضَّرَّاءِ تكون في الأبدان.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) يعنى فعلنا ذلك، ليس عقابًا لهم، لأن الدنيا أهون عند الله من أن تكون عقابًا كافر، أو ثوابًا لمؤمن، ولكن فعلنا ذلك (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) يعنى حتى يستكينوا الى ربهم، ويرجعوا اليه، ويتوبون اليه.
وهذا هو حال الانسان عندما يحسن استقبال رسائل الله اليه، قد يكون هذا الانسان بعيد عن الله، ويعيش في غفلة، ثم يصاب بمرض أو شدة، فيعود الى الله، ويستكين اليه، ويتوب اليه، مثلًا: عندما وقع غزو العراق امتلأت المساجد في العراق بالمصلين. 


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)
ما زالت الآيات تتحدث عن سنة الله تعالى مع الأمم الكافرة، فيقول تعالى (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ)
يعنى لما ابتلاهم الله بالشدة والمصائب فلم يتضرعوا الى الله ولم يعودوا اليه، ابتلاهم الله بالخير والرخاء.
لماذا ابتلاهم الله بالرخاء بعد أن ابتلاهم بالشدة؟ 
لأن البعض لا يصلحه الا الشدة، والبعض لا يصلحه الا الرخاء، فمن رحمة الله أن يعطي هذه الأمم الكافرة فرصتين: فرصة أن يصيبهم بالشدة لعلهم يستكينوا اليه ويتضرعوا اليه، وفرصة أن يصبهم بالرخاء لعلهم يعرفوا نعمة الله تعالى عليهم، ويشكروا الله تعالى.
يقول تعالى (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) يعنى ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ الشدة الرخاء، ومَكَانَ الفقر الغنى، ومَكَانَ المرض الصحة، ومَكَانَ الخوف الأمن، ومَكَانَ الانكسار النصر.
(حَتَّى عَفَوْا) العفو تدل على الكثرة، كانت العرب تقول "عفا النبات" أو "عفا الشعر" إذا كثر.
(يسألونك ماذا ينفقون قل العفو) يعنى الزيادة
يقول الرسول ﷺ "أحْفُوا الشَّوَارِبَ وأَعْفُوا اللِّحَى"
فقوله تعالى (حَتَّى عَفَوْا) يعني حَتَّى كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَكَثُرَ أَوْلَادُهُمْ، وهذا دليل على الرخاء والنعمة.
(وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) 
يعنى كان استقبالهم لهذه النعمة أن قَالُوا: قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ.
يعنى قالوا: هذه هي طبيعة الحياة: أصابتنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ، كما أصاب أباءنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ، فالأمر ليس له علاقة بالكفر والايمان أو الطاعة والمعصية.
وعندما جاءت جائحة كورونا، قلنا إن هذه رسالة من الله حتى نعود اليه، وقال البعض أن هذه سنن كونية لا علاقة لها بذلك، فقلت لهم هذه رسالة من الله، فهناك من أحسن قراءتها واستوعبها، وهناك من قصر به عقله عن فهمها، فهو وشأنه.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
(فَأَخَذْنَاهُمْ) بالعذاب (بَغْتَةً) أي فجأة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) يعنى لم يكن يخطر ببالهم هذا الأمر.
وهذا سبب آخر لأن يأتي الله بالرخاء بعد الشدة، حتى يكون العقاب أليم.
هناك مثل "لا أحد يلقي بأحد من فوق الحصيرة"
روي مسلم أن النبي قال "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُمْلِي لِلظّالِمِ، فإذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) 
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) يعنى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى التي أهلكت، وهي قري نوح وعاد وثمود وقري لوط وشعيب، وغيرهم من القري التي أهلكت
(آَمَنُوا وَاتَّقَوْا) يعنى آَمَنُوا بالله والرسل الذين أرسلوا إليهم، (وَاتَّقَوْا) يعنى وَاتَّقَوْا الشرك والمعاصي.
(لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) 
مادة البركة تدل على الثبات والاستقرار، ومنه بركة المياه لاستقرار الماء فيها، ومنها برك البعير.
ولذلك أصبح يعبر بكلمة البركة على ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وعندما يكون الخير الإلهي في الشيء، فانه يعطي أكثر من طبيعته. 

قال المفسرون (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ) هو المطر (وَالْأَرْضِ) وهو النبات والثمار، وأيضًا جميع ما يستخرج من الأرض من خيرات والمعادن. 
والمقصود بقوله تعالى (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أن يأتيهم الخير من كل مكان.
وقوله (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ) تدل على كثرة الرزق، لو تخيلت صندوقًا معلقًا وبابه الى أسفل ثم فتحته لانهمر ما فيه 
وهذا مثل قوله تعالى في قصة نوح (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا) وقوله تعالى في قصة هود (ويا قوم استغفروا ربكم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم)
وهذه الآيات تدل على أن هناك ثواب للطاعة في الدنيا قبل الاخرة، كما أن هناك عقاب للمعصية في الدنيا قبل الاخرة، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَلَكِنْ كَذَّبُوا) يعنى ولكنهم لم يؤمنوا ولكنهم كَذَّبُوا رسل الله.
(فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
(فَأَخَذْنَاهُمْ) يعنى فعاقبناهم، والأخذ تدل على الشدة، وعلى السرعة، والله تعالى إذا أخذ الظالم فانه لا يفلته.
(فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فعقبناهم بسبب مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والذنوب والمعاصي.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇