Untitled Document

عدد المشاهدات : 92

الحلقة (453) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تفسير وتدبر الآيات من (127) الى (129) من سورة "الأَعْرَاف" )وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ….

الحلقة رقم (453)
تفسير وتدبر الآيات (127) و(128) و(129) من سورة "الأَعْرَاف" (ص 165)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ما زالت الآيات تتناول قصة موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- وانتهينا في الحلقة السابقة عند مواجهة موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- مع السحرة، وكيف أن موسي ألقي عصاه فاذا هي ثعبان مبين "يلقف" يعنى يأكل بسرعة كل العصي والحبال التي ألقاها السحرة، والتي هي في عيون الناس -بفعل ما نطلق عليه الخدع السحرية- حيات وثعابين.
وأدرك السحرة أن هذا ليس بسحر، وقالوا لو كان هذا سحرًا فاين ذهبت الحبال والعصي، فآمنوا كلهم بموسى -عَلَيْهِ السَّلامُ- وقيل أن هذا هو أكبر عدد آمن دفعة واحدة. وكان موقف فرعون هو أنه ادعي أن ما حدث انما هو حيلة واتفاق كان بين موسي وبين السحرة، وأمر بقتل جميع السحرة، وأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وان يصلبوا وتعلق جثثهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم.

ولم يتعرض فرعون لموسى ولا لهارون، وهذا لسبب غير معروف، يعنى كيف لم يتعرض فرعون لموسى ولا لهارون برغم قتل جميع السحرة، الذين أمنوا بموسي؟
نحن نعلم أن الله تعالى قد حصن موسي وهارون، قال تعالى في سورة القصص (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) ولكن الأسباب التي حفظ الله تعالى بها موسي وهارون غير معروفة.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
بعد أن تغلب موسي على السحرة انتشرت دعوة موسي، وان كان انتشارًا محدودًا خوفًا من بطش فرعون خاصة بعد قتله وتنكيله بالسحرة، يقول تعالى (فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ) قيل معنى الذُرِّيَّةٌ يعنى القليل من بنى إسرائيل، أو بعض الشباب من بنى إسرائيل.
وهنا تتدخل حاشية السوء، يقول تعالى:

(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ)
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ) يعنى قالت الحاشية ورجال الدولة لفِرْعَوْنَ على سبيل الإنكار والتحريض (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ) يعنى أتترك مُوسَى (وَقَوْمَهُ) من بنى إسرائيل.
(لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يعنى لِيُفْسِدُوا عليك الرعية، ويفسدوا ملكك، لأنهم يدعون الى التحرر من عبودية فرعون، والخروج من مصر.
(وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ) 
(وَيَذَرَكَ) يعنى يتركوا طاعتك ويتركوا عبادتك.
(وَآَلِهَتَكَ) يعنى ويتركوا عبادة آَلِهَتَكَ.
وكان المصريون يعبدون فرعون ويعبدون معه آلهة أخري كثيرة، قال تعالى في سورة النازعات أن فرعون قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)
وكان من هذه الآلهة الشمس، واسمها في لغتهم "رع" وفرعون عندهم هو ابن الشمس، ففرعون -عندهم- ابن اله واله.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)
قَالَ فِرْعَوْنَ للملأ (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ) والتعبير بالتقتيل يدل على الكثرة (وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) يعنى ونستبقي نِسَاءَهُمْ أحياء، وهذا يعنى أنهم يطئون نسائهم، لأن استبقاء النساء في حد ذاته ليس عقابًا.
(وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) يعنى قادرون غالبون
وكان فِرْعَوْنَ قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل، فلما جاء موسى بالرسالة، أمر بإعادة القتل فيهم.
أو أن ابيه هو الذي كان يقتل أبناء بنى إسرائيل، فلما جاء هذا الفرعون توقف عن القتل، فلما جاء موسى بالرسالة، أمر بإعادة القتل فيهم كما كان يفعل ابيه.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ومرة أخري نجد فِرْعَوْنَ لا يتعرض لموسى، وانما قال (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) 
وعن "سعيد بن جبير" قال: كان فِرْعَوْنَ قد ملئ من موسى رعبًا، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
بعد أن هدد فِرْعَوْنَ بالتنكيل ببنى إسرائيل بقتل الأبناء، وبدأ بالفعل في تنفيذ تهديده، وإذا كان قتل الأبناء هو أعلى أنواع الأذى، فان فِرْعَوْنَ مارس ضد بنى إسرائيل جميع أنواع الأذى، وفي التوراة أن فِرْعَوْنَ ضاعف عليهم العمل، وكلفهم من الأعمال ما لا يطيقون.
يقول تعالى
(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) يعنى قال موسي لِقَوْمِهِ على سبيل التشجيع: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ) يعنى اطلبوا معونة الله تعالى، وتأييده لكم (وَاصْبِرُوا) على ما أنتم فيه من بلاء. 
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) يعنى هذه الأرض وهي أرض مصر ملك لله تعالى.
(يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) يعنى يعطيها ويملكها لمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. 
واستخدم التعبير (يُورِثُهَا) لأن الميراث هو أموال تأتي دون مجهود يبذل، وكذلك النصر سيأتي لكم دون أسباب لهذا النصر: سيهلك الله جيش فِرْعَوْنَ بالكامل أمام أعينكم دون أي مجهود منكم.
ليس مطلوبًا منكم في هذه المرحلة -وهي مرحلة الاستضعاف- الا أن تستعينوا بالله وتصبروا، يعنى التوكل على الله والصبر، والاثنين أعمال قلبية.
(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) عاقبة الشيء آخره، والمعنى أن سنته تعالى هي النصر في النهاية لعباده المتقين.
وهذا الوعد بالنصر ليس وعدًا فرديًا، وانما وعد للمجتمع المؤمن، يعنى ليس شرطًا أن يري كل فرد من أفراد الجماعة المؤمنة النصر والتمكين، قد يموت قبل أن يتحقق النصر، فالسيدة سمية أول شهيدة في الإسلام لم تري النصر، وزوجها ياسر لم يري النصر، وعدد كبير من الصحابة ماتوا وهم في مكة قبل الهجرة، ومئات الصحابة ماتوا قبل فتح مكة.
فوعد الله تعالى للأمة بالنصر وبالتمكين، ليس وعدًا لأفراد الأمة، ولكنه وعد لعموم الدين ووعد للمجتمع بالكامل.
والذي لا يفهم هذه القضية يُخْشى أن يسيء الظن بالله تعالى
اذن قول موسي لقومه
(اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) يعنى إذا توكلتم على الله وصبرتم واتقيتم الله تعالى فان هذه الأرض، وهي أرض مصر، ستكون لكم في النهاية، وهذا هو ما سيحدث بالفعل كما سنري

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ماذا كان تأثير وصية موسى عليه السلام لقومه؟ وبم أجابوه عليها؟ 
(قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) 
يعنى قال بنو إسرائيل لموسى: يا موسي أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا، وأُوذِينَا -كذلك- مِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا أو اشد.

(قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)
قال لهم موسي (عَسَى) التي تفيد الرجاء، حتى لا يتواكلوا ويتركوا ما يجب عليهم من الاستعانة بالله والصبر.
(قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) 
يعنى يمكنكم فِي الْأَرْضِ، سواء أرض مصر، أو الأرض المقدسة بعد ذلك (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) يعنى فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ بعد أن يمكنكم فِي الْأَرْضِ.
كأن موسي ينبههم الى أن الله -تعالى- حين يرفع عنهم البلاء، ويبدل حالهم من بعد العسر يسرا، ومن بعد الضعف قوة، فان هناك نوع آخر من البلاء، وهو بلاء الرخاء. 
فإذن موسي يبشرهم الى أن الله تعالى سيرفع عنهم بلاء الضر، وينبههم حتى يستعدوا لبلاء الرخاء.
وبرغم ذلك فان بنى إسرائيل وقعوا في الأمر الذي حذر من موسي، لأن بني إسرائيل صبروا في وقت الشدة، ونجحوا في امتحان الضراء، يقول تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) ولكنهم بعد أن أهلك الله عدوهم لم ينجحوا في امتحان السراء.
وهذا درس لمن يستعجل التمكين، قد يكن ما انت فيه من الاستضعاف أفضل لدينك وعقيدتك ولقلبك.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇