Untitled Document

عدد المشاهدات : 28

الحلقة (461) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" الآيات من (155) الى (156) من سورة "الأَعْرَاف" (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ….

الحلقة رقم (461)
تفسير وتدبر الآيات من (155) الى (156) من سورة "الأَعْرَاف" (ص 170)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ما زالت الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- مع بنى اسرائيل، وتبدأ الآيات في ذكر موقف آخر من مواقف بنى اسرائيل.
وهذا الموقف حدث بعد أن أن عبد بنو اسرائيل العجل، ثم ندوا ندمًا شديدًا على هذا الذنب العظيم، ثم أمر الله -تعالى- موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- أن يأتيه في سَبْعِينَ رَجُلًا من بنى إسرائيل حتى يعتذروا الى الله تعالى من عبادة العجل، فاخْتَارَ مُوسَى أفضل سبعين رجلًا من بنى إسرائيل، وقيل أن هؤلاء السبعون الذين أمر الله تعالى أن يأتي بهم موسي هم الذين لم يعبدوا العجل.
فلما انطلق موسي بهؤلاء السبعين قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربِّنا، فقال موسي: نعم أفعل. فلما اقتربوا من جبل الطور، تغشي الجبل الغمام، ودخل موسي فيه، ثم قال لهم: ادنوا فدنوا ودخلوا في الغمام، فلما دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، وضرب حجاب بينهم وبين موسي، ثم سمعوا الله وهو يكلم موسي ويأمره وينهاه ويقول له افعل ولا تفعل، فلما فرغ الله تعالى انكشف الغمام، وأقبل موسي على قومه، فقالوا له: يا موسي لن نؤمن أن الذي كلمك هو الله حتى نرى الله جهرة، فنزلت عليهم صاعقة من السماء فماتوا جميعًا، فقام موسي يدعو الله تعالى ويتضرع اليه ويبكي ويقول: يا رَبِّ ماذا أقول لبني إسرائيل وقد خرجت بخيارهم، ثم أعود إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مَعِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، فاستجاب الله تعالى لدعاء نبيه موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- ورد عليهم ارواحهم.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) 
كلمة (اخْتَارَ) من طلب الخير والخيار، يعنى هؤلاء السبعون رجلًا هم خيار بنو اسرائيل، وهم صفوة بنو اسرائيل.
يقول تعالى (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) كان الظاهر أن يقول: وَاخْتَارَ مُوسَى من قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
ولكنه تعالى قال (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) ليشير الى أن هؤلاء السبعون رجلًا ممثلين لكل بنى اسرائيل، ولذلك قيل إن موسي اختار هؤلاء السبعون من كل أسباط بنى إسرائيل الإثنى عشر، وبعدد متساوٍ تقريبًا من كل سبط.
يقول تعالى (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا) كلمة
(لِمِيقَاتِنَا) يعنى أن الله تعالى هو الذي حدد المكان وحدد الوقت الذي يخرجون فيه.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)  
بعد أن طلبوا رؤية الله، بل وعلقوا ايمانهم على رؤية الله تعالى: أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ 
اما ان (الرَّجْفَةُ) هي صاعقة نزلت عليهم من السماء فماتوا منها.
أو أن (الرَّجْفَةُ) هي صيحة عظيمة رجفت منها قلوبهم وأجسامهم وقتلتهم جميعًا.
وقيل أن (الرَّجْفَةُ) زلزلة قتلتهم كذلك، المهم أن هناك عذاب نزل عليهم، وأن هذا العذاب قتلهم جميعًا.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وهناك فرق بين طلب موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- رؤية الله تعالى وبين طلب هؤلاء السبعون رؤية الله تعال، لأن موسي عندما طلب رؤية الله تعالى كان شوقًا لرؤيته تعالى بعد أن ذاق لذة مناجاته تعالى، أما هؤلاء السبعون فقد طلبوا الرؤية وعلقوا ايمانهم بالله تعالى على رؤية الله تعالى.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) 
بعد موت هؤلاء السبعون -وهم كما قلنا خيار وصفوة بنى اسرائيل- وهم ايضًا ليسوا من سبط واحد أو من بعض اسباط بنى اسرائيل، فممكن بقية الأسباط تدافع عن موسي، بل هؤلاء السبعون من كل أسباط بنى اسرائيل، فلن يجد موسي من يقف معه، فعلم موسي أنه اذا عاد الى بنى اسرائيل بدون هؤلاء السبعون ستقتله بنى اسرائيل، بل وتقتل أخيه، وتكون هناك فتنة عظيمة، ولن تكون لبنى اسرائيل قائمة بعد ذلك.
ولذلك بعد أن مات هؤلاء السبعون اخذ موسي يبكي ويتضرع الى الله تعالى ويقول (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) يا رب لو كنت تريد أن تهلك هؤلاء السبعون، وتهلكنى أنا أيضًا معهم -وهذا للاستعطاف- كنت تهلكنا قبل أن نخرج، ونحن بين بنى اسرائيل.
يا رب اذا أهلكتهم الآن فسوف أتهم بقتلهم، وسوف يقتلونني، وسوف يحل عليهم غضبك بقتلى، ولن تكون هناك قائمة لبنى اسرائيل بعد ذلك.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- كان يتحدث الى الله تعالى، ويبث شكواه الى الله تعالى.
ولا مانع أن تبث شكاوك الى الله تعالى، كما قال يعقوب -عَلَيْهِ السَّلامُ- (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) 
وكما كان من دعاء الرسول يوم بدر "اللَّهمَّ أينَ ما وَعَدْتَني؟ اللَّهمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني، اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا" 


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)  
يعنى يا رب أنت أرحم بنا من أن تُهْلِكُنَا بسبب ما فعله السُّفَهَاءُ مِنَّا، وهم الذين عبدوا العجل. 
بالرغم من أن سبب اهلاكهم ليس عبادة العجل، لأن هؤلاء السبعون لم يعبدوا العجل، وسبب اهلاكهم هم طلبهم رؤية الله تعالى، وأنهم علقوا ايمانهم على رؤية الله تعالى، والذين عبدوا العجل ليس لهم دخل في هذا الطلب.
ومع ذلك قال موسي: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا؟ لأن سبب خروج هؤلاء السبعون هو طلبهم التوبة من عبادة العجل، فكان ما أصاب هؤلاء السبعون نتيجة لفعل هؤلاء السفهاء الذين عبدوا العجل.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)
الفتنة هي الاختبار والامتحان (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) يعنى فتنة عبادة العجل، هي اختبار وامتحان منك يا رب  وأنت يا رب الذي بيدك الأمر كله، تُضِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ.
فهذا دعاء من موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- فيه تضرع وتذلل الى الله تعالى بأن يهدي الله -سبحانه وتعالى- قومه 
كما يطلب أحد من صاحب سلطة ويقول له: أنا وضعي كذا كذا والموضوع في يدك.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وقوله تعالى (تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) ليس فيها نسبة الضلال الى الله، ولكن المعنى أن هذا الامتحان من الله يكون سببًا في ظهور ما طويت عليه سرائر الناس من الضلال أو الهداية.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) 
أَنْتَ يا رب المتولى أمورنا، فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا 
(وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) وأنت يا رب خير من يغفر ويصفح ويستر.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)
هذا من دعاء موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ-  (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ) أي: وَفِي الْآَخِرَةِ حسنة.
وكان أكثر دعاء النبي ﷺ هو (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)
الحسنة في الدنيا هي: راحة القلب وطمئنية النفس والزوجة الصالحة والولد البار، والرزق الطيب.
وحسنة الآخرة هي دخول الجنة. 

(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) هاد يعنى رجع، و هُدْنَا إِلَيْكَ، يعنى رجعنا إِلَيْكَ.
نقول "حرب بلا هوادة" يعنى بدون رجوع.
(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) يعنى: إِنَّا تُبْنَا ورجعنا إِلَيْكَ.
وهذا هو سبب تسمية اليهود بهذا الإسم، لأنهم قالوا (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) 

(قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ)
يعنى لا يوجد من يرشدني في توجيه العذاب، ولا من يدفعنى لعذاب أحد، ولا من يمنعنى من عذاب أحد، ولا من يمنعنى من أن أعفو عن أحد ولا أعذبه.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) 
المقصود بالرحمة هنا التى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ هي الرحمة في الدنيا، لأن الرحمة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، ولكن هذه الرحمة تنتهي بالنسبة للكافر مع نهاية الدنيا، أما المؤمن فرحمة الله مستمرة في حقه في الدنيا والآخرة. 
ولذلك قال بعدها
(فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)
يعنى فساكتب - بصيغة المستقبل يعنى يوم القيامة- هذه الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
يقول الحسن البصري: ورحمتي وسعت في الدنيا البر والفاجر ، وفي الآخرة هي للذين اتقوا خاصة
يقول  أبي السعود في تفسيره "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم": جاء العذاب بصيغة المضارع، بينما جاءت الرحمة بصيغة الماضي، للإشارة الى أن رحمة الله تعالى أمر قديم قدم ذاته تعالى، أما العذاب فهو أمر حادث بسبب معاصي العباد.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)
فسأكتب هذه الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الله تعالى 
(وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) ويعطون زكاة أموالهم. 
وخص الزكاة بالذكر دون غيرها من الطاعات لأن اليهود نفوسهم شحيحة

(وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) يعنى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالآيات التي انزلها على رسلي.
ومن ضمن هذه الايات، الآيات التى فيها صفة الرسول ﷺ 
والآية فيها تعريض ببنى اسرائيل، لأنه ذكر ثلاثة صفات، كل صفة هي مشكلة عند بنى اسرائيل.

(فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) وبنى اسرائيل عملوا أمور كثيرة فيها جرأة على الله تعالى.
(وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) نفوسهم شحيحة. 
(وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) يجدون صفة الرسول ﷺ في كتبهم ثم ينكرون هذه الايات.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇