Untitled Document

عدد المشاهدات : 20

الحلقة (462) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" الآيات من (157) الى (159) من سورة "الأَعْرَاف" (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ….

الحلقة رقم (462)
تفسير وتدبر الآيات من (157) الى (159) من سورة "الأَعْرَاف" (ص 170)

        

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

        

تحدثنا في اللقاء السابق عن قوله تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) 
وقلنا إن المقصود بالرحمة هنا التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ هي الرحمة في الدنيا، لأن الرحمة في الدنيا تشمل الجميع: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، ولكن هذه الرحمة بالنسبة للكافر تنتهي مع نهاية الدنيا، أما المؤمن فرحمة الله مستمرة في حقه في الدنيا والآخرة. 
ولذلك قال بعدها (فَسَأَكْتُبُهَا) بصيغة المستقبل يعنى فسأكتب هذه الرحمة يوم القيامة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)
ثم تستكمل الآيات صفات هؤلاء الذين خصهم الله تعالى برحمته يوم القيامة، فيقول تعالى:

        

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) 
هناك آراء للعلماء في الفرق بين الرسول والنبي: والراجح أن الرسول هو الذي يأتي بتشريع جديد، أما النبي فهو يتبع شرع رسول قبله، ليكون "قدوة سلوكية" و"تطبيق عملي للمنهج" ولذلك فان كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول.
هنا يقول تعالى
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) اشارة الى أن وصف نبي آخر الزمان في كتبهم قبل تحريفها أنه: )رسولٌ نبيٌ أُمِّيَّ( وهذا الوصف حذفوا منه وصف "رسول" وحذفوا منه وصف "أُمِّيَّ" ولم يبق منه الا وصف واحد وهو (نبيٌ) لماذا ؟ حتى يتفق ويصدق على أنبياء بنى اسرائيل، لأن أنبياء بنى اسرائيل لم يكونوا رسلًا بل كانوا أنبياء يتبعون شرع موسي -عليه السلام- ولم يكونوا أميين بل كانوا يقرأون ويكتبون.
والذي كشف هذا الأمر هو عالم يهودي مغربي اسمه "شموائيل بن يهوذا" المتوفي سنة 1180م والذي أسلم، وأصبح اسمه "السموأل بن يحيى بن عباس" وكانت هذه الآية هي سبب اسلامه، لأنه قرأ هذه الآية، واكتشف تحريف اليهود لهذه الأوصاف في التوراة، وذكر ذلك في كتابه الذي سماه "غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود"

        

كلمة (الْأُمِّيَّ) هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهي نسبة الى الأم، وهذه صفة خاصة بالرسول ﷺ لا يشاركه فيه غيره من جميع الأنبياء، ولذلك حذفوها من كتبهم كما ذكرنا.
وذهب البعض الى أن كلمة (أُمِّيَّ) لا تعنى أنه لا يقرأ ولا يكتب، ولكنها تعنى أنه من أهل مكة، لأن الله تعالى وصف مكة فقال إنها "أم القري" كما نقول لرجل من دسوق مثلًا "دسوقي" أو رجل من مصر "مصري" وهكذا. 
أو أن (أُمِّيَّ) يعنى من أمة العرب، لأن العرب أمة أمية، لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها كتاب قبل القرآن. 
ونقول أن القرآن العظيم قد فَصَّلَ معنى أميته ﷺ فقال تعالى (وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون) يعنى لو كنت تعرف يا محمد القراءة والكتابة ربما يكون ذلك سببًا -عند البعض- للشك في نبوتك، ولكن كونك لا تعرف القراءة والكتابة، ثم تأتي بهذا الكتاب المعجز، وتغير نظم البشر، وتؤثر في حياة الأمم، وتكون أكثر انسان تأثيرًا في التاريخ، فهذا لا يدع مجالًا للشك في أن ما جئت به ليس من عند نفسك، وانما من عند الله تعالى.

        

ونقول إن الذي يقول إن كلمة (أُمِّيَّ) لا تعني عدم معرفة القراءة والكتابة، هو ينظر الى الأمية على أنها نقص، ولكن الأمية ان كانت نقص عند عموم الناس، فهي قمة الكمال في حق رسول الله ﷺ، لأنها تعنى أن كل ما جاء به ﷺ من علوم غيرت نظم البشرية وحياة الأمم، ليست علوما تعلمها من بشر مثله، ولكنها علومًا جاءت من السماء مباشرة.
قال أحد العلماء: كما أن صفة التكبر في الله مدح، وفي غيره ذم، فكذلك صفة الأمية في حق الرسول ﷺ مدح وفي غيره ذم.


        

عندما ألف "مايكل هارت" وهو رجل غير مسلم كتابًا أطلق عليه "الخالدون المئة" وضع قائمة بأكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ، فكان على رأس القائمة الرسول ﷺ
والمفارقة أن الذي ألف هذا الكتاب وهو "مايكل هارت" يهودي الديانة، وهو أيضُا عنصري، ويعترف بعنصريته، وهو وصف نفسه بأنه "انفصالي عرقي مناصر للبيض"  
والذي كان يجب أن يتوقف عنده "مايكل هارت" وغيره ممن قرأ الكتاب من غير المسلمين، أن صاحب أكثر شخصية تأثيرًا في تاريخ البشرية هو رجل أمي، لم يقرأ كتابًا ولم يجلس الى معلم، وهذا في حد ذاته آية من آيات نبوة الرسول ﷺ 
كما قال البوصيري:
"كفَاكَ بالعلمِ في الأمِّي مُعْجزةَ "


        

(الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) 
يعنى يَجِدُونَهُ صفته فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
وكلمة
(يَجِدُونَهُ) تفيد أن صفته مذكورة بدقة حتى كأنهم يرونه بأعينهم، كما قال تعالى (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ)
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضى الله عنهما- قال: قرأت في التوراة صفة النبي ﷺ: محمد رسول الله عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله" 

أخرج الإمام أحمد عن أبى صخر العقيلى قال: حدثني رجل من الأعراب فقال : جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة النبي ﷺ فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال : فتلقاني بين ابى بكر وعمر يمشيان، فتبعتهم حتى إذا أتوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها، يعزى بها نفسه، عن ابن له في الموت، كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال له رسول الله ﷺ: "أنشدك بالذي أنزل التوراة: هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي" فقال برأسه هكذا، أي: لا، فقال ابنه: أي والذى أنزل التوراة، إنا لنجد فى كتابنا صفتك ومخرجك، وانى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ "أَقِيمُوا الْيَهُودي عَنْ أَخِيكُمْ"، ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ، وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ.


        

والعجيب لأته بالرغم من تحريف اليهود والنصارى لكتبهم على مدار مئات السنين، بل وتركيزهم على محو وتبديل الآيات التي تتناول صفة الرسول ﷺ والبشارة به ﷺ، بالرغم من ذلك ظلت بعض البشارات الواضحة بالرسول ﷺ في التوراة والإنجيل.

        

وكان من أوائل من تناول هذا الموضوع في القرن قبل الماضي هو عالم هندي اسمه "رحمة الله الكيرواني" المتوفي سنة 1891م في كتابه "اظهار الحق" وقد نقل "محد رشيد رضا" كثير من نصوص هذا الكتاب في تفسير المنار.

 

مما جاء في كتاب "اظهار الحق" في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية: "جاء الرب من سينا، وأشرق لنا من ساعير، واستعلى من جبال فاران، ومعه ألوف الأطهار"
"جاء الرب من سينا" المقصود إعطاء الله التوراة لموسى عليه السلام.
"وأشرق لنا من ساعير" إعطاء الله الإنجيل لعيسى عليه السلام.
"واستعلى من جبال فاران" انزال الله القرآن على الرسول ﷺ لأن جبال فاران من جبال مكة.
طبعًا هم لا يريدون الاعتراف أن "فاران" من جبال مكة، وستجد تحت الفيديو رابط فيه مناظرة للدكتور منقذ السقار، يثبت بما لا يدع مجالًا للشك بأن "فاران" من جبال مكة.


        

جاء في الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا: "فأما إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم، من الأب روح الحق، الذي من الأب ينبثق، فهو يشهد لي، وأنتم تشهدون، لأنكم معي من الابتداء"، والفارقليط بالعبرية معناه أحمد- كما قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)


        

وأيضًا من أفضل من كَتَبَ في هذا الموضوع: قسيس كاثوليكي اسمه " دِيفِيد بِنْجَامِينْ" ثم أسلم وأصبح اسمه "عبد الأحد داود" وألف كتابًا قيمًا أسمه (محمد في الكتاب المقدس) أو Muhammad and the Bible وهو جزئين: جزء للتوراة وجزء للإنجيل.


        

أيضًا ممن برعوا في هذا الباب "أحمد ديدات" ثم تلميذه دكتور ذاكر نايك، والذي عندما فشلوا في مواجهته بالحجة أتهموه بالإرهاب، وأصبح محاصرُا في بيته، والجديد بالنسبة لذاكر نايك أنه لم يأتي ببشارات الرسول ﷺ فقط في التوراة والانجيل، ولكن ايضًا من كتب الهندوس المقدسة، والتي يبدوا أنها بقايا كتب سماوية.
وستجد أسفل الفيديو رابط رائع للدكتور ذاكر نايك حول هذا الموضوع.


        

ثم اخيرا وليس آخرًا الدكتور منقذ السقار، والذي له مناظرة شهيرة مع "رشيد حمامي" وهو مغربي أنشأ قناة لمهاجمة الإسلام، وكان عنوان المناظرة "هل بشر الكتاب المقدس بمحمد"؟ وكانت مناظرة ممتعة، وستجد أسفل الفيديو رابط هذه المناظرة، وستري كيف أفحمه الدكتور منقذ، لكن كان من نتائج هذه المناظرة أنه لم يجرؤ أحد على مناظرة دكتور منقذ بعد هذه المناظرة. 


        

(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) 
يعنى: يَأْمُرُهُمْ بِالْخير وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْشر.
        

(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) 
يعني وَيُحِلُّ لَهُمُ أطعمة وأشربة طيبة كان الله تعالى ما كان قد حرمها عليهم، مثل تحريم أكل كُلَّ ذِي ظُفُرٍ أو الشحوم، يقول تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أو ما حرموه هم على أنفسهم دون أمر من الله تعالى كلحوم الإبل وألبانها.
ويدخل فيها أيضًا ما كان أهل الجاهلية من العرب يحرمونه على أنفسهم من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام

        

(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)
يعنى وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ أطعمة خبيثة التي كانوا يستحلونها، مثل الميتة ولحم الخنزير والدم المسفوح والخمر.


        

(وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) 
الإصر الثقل، وَ(الْأَغْلَالَ) جمع غُلْ وهو القيد من حديد يكون في اليدين أو القدمين أو يجمع اليدين الى العنق 
فالمقصود بقوله تعالى: (إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) هو التشديد الذي كان في شريعتهم، فشبه هذا التشديد برجل يحمل أثقالًا وهو فوق ذلك مقيد بالسلاسل في عنقه ويديه وقدميه.
 ومن هذه التكاليف الشاقة، وجوب القصاص في القتل العمد أو الخطأ، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتحريم العمل يوم السبت، وغير ذلك.
ثم جاء الاسلام بالتيسير يقول الرسول ﷺ "بعثت بالحنيفية السمحة" وقال الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل وأبي موسي الأشعري عندما بعثهما لليمن "بشّروا ولا تنفّروا، ويسروا ولا تعسّروا"
يقول الإمام أبو زهرة في زهرة التفاسير أن هذا التشديد على بنى إسرائيل كان لقمع نفوسهم المريضة السقيمة عن الإسراف في الشهوات، ثم جاء الإسلام بالتيسير والسماحة موائمًا للفطرة السليمة، 

        

اذن فمن الواجب على بنى إسرائيل وغيرهم أن يتبعوا الرسول الذي هذه صفاته: يَأْمُرُهُمْ بِالْخير وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْشر، أحل َهُمُ الطَّيِّبَاتِ، حرم عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، يسر وخفف عليهم التكاليف. 
        

ثم يبين الله -تعالى- كيفية اتباعه ﷺ فقال تعالى: (فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ المفلحون)
(فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ) يعنى آمنوا بنبوته ﷺ
(وَعَزَّرُوهُ) 
يعنى حموه من أعدائه مع التوقير، لأن من الممكن أن يحمي الناس ملوكهم وهم يكرهونهم، ولكن أتباع الرسول ﷺ يحمونه من أعدائه مع توقيره ﷺ واجلاله.
من أحداث صلح الحديبية، عندما أرسلت قريش "عروةُ بنُ مسعودٍ" لمفاوضة الرسول ﷺ أخذ يراقب صحابة الرسول ﷺ ثم عاد الى قريش وقال لهم: أيْ قومِ واللهِ لقد وفَدْتُ إلى الملوكِ ووفَدْتُ إلى كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ، واللهِ ما رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا، وواللهِ إذا توضَّأ اقتتلوا على وَضوئِه، وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه، وإذا تكلَّم خفَضوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له، وإنَّه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها.
(وَنَصَرُوهُ) 
يعنى لا يكتفون بحمايته فقط، بل يسيرون معه في حروبه وينصرونه على أعدائه.
كان اتفاق الرسول ﷺ مع الأنصار في بيعة العقبة الثانية هو أن يحمونه إذا هاجر إليهم، ولكن لم يتفق معهم على أن يسير بهم الى أعدائه، كان الاتفاق على (وَعَزَّرُوهُ) لم يكن هناك اتفاق على (وَنَصَرُوهُ) فلما كانت غزوة بدر، وقال الرسول ﷺ "أشيروا علىَّ أيها الناس" قام سعد بن معاذ - زعيم الأوس- فقال: "امضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد” 

        

(وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) 
يعنى ويعملون بالقرآن العظيم الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ الرسول ﷺ
(أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
أُولَئِكَ هُمُ الفائزون يوم القيامة.


        

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) 
يعنى قُلْ يا محمد لكل البشر إني رسولٌ من عند الله إلى جميع أهل الأرض، وهذه خصوصية للرسول ﷺ لأن كل رسول كان يبعث إلى قومه خاصة وبعث محمد ﷺ إلى النَّاسُ كافة، يقول الرسول ﷺ "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"
وهذا رد على بعض اليهود الذين قالوا، ان محمد ليس كذاب هو نبي، ولكنه نبي للعرب فقط، ولذلك كانوا يقولون عنه "نبي العرب" ولذلك لما قال رسول الله لابن صياد ــــ وهو يهودي ــــ أتشهد أني رسول الله، قال ابن صياد: أشهد إنك رسول الأميين. 
فرد الله على هؤلاء وقال: قُلْ يا محمد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) وقد أكد القرآن العظيم على عموم رسالة الرسول ﷺ في أكثر من موضع. 

        

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) 
هذا الوصف، لإلقاء مهابة الرسالة في نفوس الناس، فهي رسالة من ملك السماوات والأرض، والذي له السلطان المطلق فيهما.
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ) 
وما دام يملك السماوات والأرض، فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد.
وذلك قال بعدها
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)
ثم دلل على الوهيته فقال (يُحْيِي وَيُمِيتُ)
يعنى: هو وحده القادر على الإحياء والإماتة.  
وهي إشارة الى قدرته تعالى على أن يميت شريعة ويحي شريعة، يعنى يميت شريعة موسي، ويحي شريعة جديدة وهي شريعة محمد ﷺ

        

(فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) 

يعنى إذا كان له تعالى الملك، وهو مالك الحياة والموت، فلابد أن تؤمن به الاهًا. ولذلك قال بعدها (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) 

تأكيد مرة أخري على هذا الأوصاف للرسول ﷺ لأنها أوصاف -كما قلنا- عمدوا الى تحريفها حتى تتفق مع أنبيائهم.
        

(الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) قيل إن معنى (كَلِمَاتِهِ) يعنى القرآن الكريم، وقيل إن (كَلِمَاتِهِ) هي القرآن وما قبله من التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الكتب السماوية.
وقيل إن معنى (كَلِمَاتِهِ) هو عيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ- لأن عيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ- هو كلمة الله، يعنى يؤمن بنبوة عيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ-
(وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) يعنى واتبعوا محمد ﷺ كي تَهْتَدُوا أو رجاء أن تَهْتَدُوا.


        

(وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
لما تحدث الله تعالى عن المهتدين باتباع الرسول ﷺ عطف عليهم بحال المتبعين لموسى -عَلَيْهِ السَّلامُ- حق الاتباع 
يقول تعالى
(وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى) يعنى وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى من بني اسرائيل (أُمَّةٌ) يعنى جماعة.
(يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) يعنى هذه الجماعة بَقُوا على الدين الصحيح، ويَهْدُونَ الناس بِالْحَقِّ الذي معهم.
(وَبِهِ يَعْدِلُونَ) يعنى ويحكمون بهذا الحق فيَعْدِلُونَ في الخصومات بينهم.
(أو) ويَعْدِلُونَ به عن غيره.
وهؤلاء الأمة المهتدية من بني اسرائيل كانوا في عصر موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- وبعد عصره، وحتى وقت الرسول ﷺ وهم الذين آمنوا بالرسول ﷺ كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار والسيدة صفية وغيرهم.


        

وأخيرًا ننبه الى أن كثير من كتب التفسير نقلت في تفسير هذه الآية خرافة وهي أن بنى إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء بقي أحد أسباطهم على الإيمان، وسألوا الله أن ينقذهم منهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين على أحد الأنهار 
وهذه القصة ذكرها القرطبي في تفسيره العظيم "جامع البيان" موقوفا على بعض التابعين ونقلتها عنه كثير من كتب التفسير، وهي قصة ليس لها مسند معتبر، وهي أيضًا بعيدة عن العقل.
ولكن ما تشير اليه هذه الآية الكريمة أن جماعة من بنى اسرائيل ظلوا متمسكين بدينهم، وهذا ما يشير اليه قول الله تعالى (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون)
هذا والله أعلم.

        

 مناظرة د. منقذ السقار و رشيد حمامي بعنوان: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد؟
(الجزء الأول)
https://www.youtube.com/watch?v=pRnwHS7g-ig
(الجزء الثاني)
https://www.youtube.com/watch?v=y_elRk-FylQ

        

البشارة بالنبي محمد في الكتب الهندوسية (د. ذاكر نايك)
https://www.youtube.com/watch?v=YmrupcCUJTY
https://www.youtube.com/watch?v=CG9vTItOnRI
https://www.youtube.com/watch?v=qYjiLZo08RI

        

محاضرة "محمد في الكتب المقدسة" (د. ذاكر نايك)
https://www.youtube.com/watch?v=iqdYqu98Tjs

        

الدليل القاطع على أن جبال فاران من جبال مكة (د. منقذ السقار)
https://www.youtube.com/watch?v=En0xJXNDFao
https://www.youtube.com/watch?v=fSjGLcKQGg4

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇