Untitled Document

عدد المشاهدات : 22

الحلقة (463) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" الآيات (160) و(161) و(162) من سورة "الأَعْرَاف" (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا ….

الحلقة رقم (463)
تفسير وتدبر الآيات من (160) الى (162) من سورة "الأَعْرَاف" (ص 171)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) 
بعد نجاة بنو اسرائيل وغرق فرعون، ودخول بنو اسرائيل الى صحراء سيناء، أمر الله تعالى بنى اسرائيل بدخول بيت المقدس، ولكن بنو اسرائيل لم يمتثلوا لأمر الله تعالى، خوفًا من مواجهة الكنعانيين الذين كانوا يحكمون منطقة فلسطين في ذلك الوقت، فعاقبهم الله تعالى بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة.
وتتناول هذه الآية الكريمة ثلاثة نعم تحققت لبنى اسرائيل، في هذه الفترة، وهي فترة بعد عبور البحر والنجاة من فرعون، وبين دخول بيت المقدس:
يقول تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) 
ما معنى (أَسْبَاطًا) ؟ 
الأسباط جمع سِبْط، وكلمة "سِبْط" في اللغة العربية تدل على المد، كانت العرب تقول "سبط الأصابع" يعنى طويل الأصابع، و"رجل سبط" يعنى "طويل" و"شعر سبط" أي " شعر مفرود وناعم" وكان من وصف الرسول ﷺ أنه "سبط الشعر" فالسبط عند العرب تدل على المد، ولذلك أُطْلِق السبط على ولد الولد يعنى الحفيد لأنه امتداد للإنسان.
ولذلك نطلق على الحسن والحسين أنهما سبطي رسول الله، يعني أحفاده ﷺ
اذن كلمة "أسباط" يعنى "أحفاد" 
لماذا أطلق على بنى اسرائيل أنهم أسباط؟ 
ولماذا هذا التقسيم الى اثني عشر سبطًا؟

يقول تعالى
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) 
لأن ابناء يعقوب -عَلَيْهِ السَّلامُ- وهم أحفاد يعنى اسباط اسحق-عَلَيْهِ السَّلامُ-، كان عددهم اثنى عشر، وهم اخوة يوسف ويوسف (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ )
وكل واحد من هؤلاء الأنثى عشر جاء من أبنائه وذريته قبيلة كبيرة، فاصبح بنو إسرائيل مقسمين -من ناحية النسب- الى اثنى عشر قبيلة، وأطلق على هذه القبائل الاسباط، لأن كل قبيلة منتسبة الى أحد الأسباط، يعنى أحد أحفاد اسحق -عَلَيْهِ السَّلامُ-، ولذلك كل سبط من أسباط بنى اسرائيل يحمل اسم أحد أبناء يعقوب -عَلَيْهِ السَّلامُ: شَمْعُونُ ؛ َلاَوِي ؛ يَهُوذَا؛ نَفْتَالِي ؛ جَادُ ؛ يُوسُفُ ؛ بِنْيَامِينُ ؛ شِيلُونُ ؛ دَان.. الخ
هذا هو سبب تسمية "قبائل" بنى اسرائيل، بالأسباط، وسبب تقسيمها الى أثني عشر سبطًا. 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

يقول تعالى (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) يعنى وفرقنا بنى إسرائيل الى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فرقة أو قبيلة.
وكلمة
(أُمَمًا) يعنى كل فرقة كأنها أمة منفصلة وحدها لها رئيس أو نقيب.
وهذا التقطيع لم يكن عقابًا لبنى إسرائيل، بدليل أنه جاء في معرض ذكر نعم الله تعالى على بنى إسرائيل، لأن التقسم هو أول خطوة في تنظيم الجماعة، وخصوصًا ان أعداد بنى اسرائيل كانت -كما روي- كبيرة جدًا.

وفى سفر العدد من التوراة أن عدد الرجال من بنى إسرائيل الذين كانوا صالحين للحرب، من ابن عشرين فما فوق، كان يزيد على ستمانة ألف، وهذا يعنى أن أعدادهم تقدر بمليوني نفس، وهذا عدد كبير جدَا، وفيه مبالغة، ولكن -على أي حال- يعتقد أن أعداد بنى اسرائيل كانت كبيرة، بدليل أن فرعون لجأ لهذه الفكرة الشيطانية، وهي أن يقتل في أحد الأعوام كل مولود ذكر لبنى اسرائيل، ولا يقتل في العام الذي يليه، وذلك خوفًا من كثرة أعداد بنى اسرائيل.
ولذلك كان من الصعوبة على موسي وهارون تنظيم هذه الأعداد الكبيرة، دون تقسيمها الى جماعات، ويكون لكل جماعة رئيس أو نقيب، يكون هو المسؤول عنها. وكان أول فوائد هذا التنظيم هو ما ستذكره هذه الآية من تقسيم الله تعالى للماء بين أسباط بنى اسرائيل، ولولا هذا التقسيم لشق هذا الأمر جدًا على بنى اسرائيل، وقد يصل الى الاقتتال فيما بينهم.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

يقول تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ) 
(اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ) يعنى طلبوا من مُوسَى السقيا والماء، وكانوا -كما قلنا- في صحراء سيناء، ولا ماء عندهم، وكادوا أن يهلكوا من العطش.
(أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) 
ويحتمل أنه حجر معين كانوا يحملونه معهم، ويحتمل أنه أي حجر.
ورد في كتب التفسير روايات عن حجم الحجر وشكله، وقال البعض أنه كرأس الشاة، وقيل أكبر من ذلك وأنه يحمل على ثور، وهذه كلها اسرائيليات لا ينبغي اعتمادها.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) يعنى فضرب موسي بعصاه الحجر، فنبعت من هذا الحجر اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا بعدد أسباطهم، وهذه ثالث معجزة لعصا موسي.
 في سورة البقرة يقول تعالى (فانفجرت منه اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) 

الانجباس هو خروج الماء بقلة، والانفجار خروج الماء بكثرة، وهذا يفيد أن الماء كان يظهر من الحجر قليلًا، ثم يكثر بعد ذلك ويخرج بكثرة.
لأن الماء اذا خرج كثيرًا ودفعة واحدة فان الإنسان يفقده، ولكن اذا بدأ قليلًا ثم زاد بعد ذلك، يكون قد احتاط لاستقبال هذا الماء الكثير


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) 
يعنى بعد أن فجر الله تعالى لهم المياه في هذه الصحراء القاحلة، قسَّمَ الله تعالى هذا الماء بينهم، فقيل أن كل عين كانت تسيل في جدول وتتجه إلى السبط الخاص به
وهذا من تمام نعمة الله تعالى على بنى اسرائيل، لأن أعداد بنى اسرائيل كبيرة، وحاجة الإنسان في الصحراء الى الماء حاجة شديدة، فاذا وجد الماء فقد يحدث النزاع على هذا الماء، وقد يصل الأمر الى الاقتتال بين الأسباط، وهناك حروب بين الدول تنشأ بسبب المياه، وهناك بعض الكتاب من تنبأ بأن الحرب العالمية الثالثة ستكون بسبب المياه
والفتنة الوحيدة التى كانت بين المهاجرين والأنصار في عهد رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كانت بسبب المياه، عندما اختلف رجل من المهاجرين مع رجل من الإنصار على أسبقية السقيا من أحد الآبار، وكان ذلك في غزوة "بنى المصطلق" فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ "يَالِلْمُهَاجِرِينَ" وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَالِلْأَنْصَارِ,
ولذلك فمن تمام نعمة الله تعالى على "بنى اسرائيل" بعد أن فجر لهم عيون الماء من الحجر في الصحراء القاحلة، أنه تعالى قسم هذا الماء بينهم، حتى لا يحدث نزاع بين الأسباط على المياه، والعادة في القبيلة الواحدة ألا يقع بينهم من التنازع ما يقع بين القبائل المختلفة

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ) يعنى وجعلنا السحاب يسير فوقهم فيقيهم حر الشمس، وكان كل سبط له سحابة خاصة به تسير فوقه.
(وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) 
(الْمَنَّ) مادة بيضاء لينة حلوة الطعم، تشبه حلاوتها حلاوة العسل، كانوا يجمعونه كل صباح من على ورق الشجر، وقيل أنه كان َيسْقُطُ عَلَيْهِمْ سُقُوطُ الثَّلْجِ كل يوم مِنْ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ
(وَالسَّلْوَى) هو طائر السمان، وهو طائر يشبه الحمام، فكان يأتيهم ويسقط بين أيديهم بدون تعب.
وقيل أنهم كانوا يأخذون من المن والسلوي كل يوم على قدر ما يكفيهم هذا اليوم، فاذا أخذوا أكثر من هذا فسد، حتى اذا كان يوم الجمعة أخذوا ما يكفيهم ليومين، لأن يوم السبت يوم عبادة لا يخرجون فيه لعمل.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) يعنى قلنا لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
(وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
قوله تعالى (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يدل على أن في الآية محذوف تقديره:
(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) واشكروا الله على هذه النعم الجليلة، ولكنهم كفروا بهذه النعم ولم يؤدوا شكرها، وَمَا ظَلَمُونَا بذلك وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ لأنهم عرضوا أنفسهم الى عقاب الله تعالى.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلِهِ: وَمَا ظَلَمُونَا قَالَ: نَحْنُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ نَظْلِمَ
يقول تعالى في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا "يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرّى فتضرونى، ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى"
والتعبير بالفعل المضارع (يَظْلِمُونَ) في قوله تعالى (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
 للإشارة الى أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يتسائل البعض: كيف تتحقق هذه الكرامات الثلاثة لبنى اسرائيل، وهي تفجير الماء، ونزول المن والسلوى، وتظليل الغمام، وهم في فترة التيه، يعنى في فترة عقاب.
قال العلماء أن بالرغم من عقاب بنى اسرائيل الا أن الله تعالى لم يحرمهم من لطفه ورحمته بهم.
وقال البعض الآخر: أن هذه الكرامات الثلاثة كانت بعد نجاة بنى اسرائيل من فرعون، ولكنها كانت قبل أن يأمرهم الله تعالى بدخول بيت المقدس، فلما أمرهم بدخول بيت المقدس ولم يمتثلوا، وعاقبهم الله تعالى بالتيه: رفعت عنهم هذه الكرامات.
وان كان جمهور المفسرين على أن هذه الكرامات كانت مع بنى اسرائيل حتى دخولهم بيت المقدس.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) 
تحدثت الآية السابقة عن فترة التيه، والتي استمرت أربعين سنة في صحراء سيناء وجنوب الأردن، ثم الآيتين (161) و(162) تناولت دخول بنى إسرائيل بيت المقدس، بعد انتهاء فترة التيه.
خلال فترة التيه توفي هارون -عَلَيْهِ السَّلامُ-، وبعد وفاة هارون بثلاثة سنوات توفي موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- وكان ذلك في فترة التيه أيضًا، وبعد وفاة موسي أصبح "يوشع بن نون" نبيًا، وتولى قيادة بنى اسرائيل، ثم انتهت فترة التيه، وامتثل بنو اسرائيل أخيرًا لأمر الله تعالى في دخول بيت المقدس، ونجح بنو اسرائيل بقيادة نبيهم "يوشع بن نون" -عَلَيْهِ السَّلامُ-، في انتزاع بيت المقدس من يد الكنعانيين 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) 
(هَذِهِ الْقَرْيَةَ) وهي بيت المقدس، وقيل "أريحا" وقيل غير ذلك. 
ولكن جمهور المفسرين على أن هَذِهِ الْقَرْيَةَ هي بيت المقدس.

(وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ) يعنى وَكُلُوا مِنْ ثمارها وزروعها حَيْثُ شِئْتُمْ، وقد كانوا في التِّيهِ يَتَمَنَّوْن الأكْلَ من هذا الطعام.
وكلمة
(حَيْثُ) تدل على المكان وهذه إشارة الى أن هذه الثمار والزروع في كل مكان في القرية.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَقُولُوا حِطَّةٌ) يعنى وَقُولُوا أثناء دخولكم المدينة حِطَّةٌ، يعنى يا رب حط عنا ذنوبنا، اذن (حِطَّةٌ) كلمة استغفار 
(وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) وَادْخُلُوا باب المدينة وأنتم منحنين على هيئة التواضع والاستكانة. 
لأن لحظة دخول الجندي المنتصر الى باب المدينة التى فتحها، هي أكثر الأوقات التى يمكن يشعر فيها هذا الجندي بالزهو والغرور والكبر.
ولذلك أمرهم الله تعالى بأن يدخلوا من الباب منحنين الظهر تواضعًا واستكانة وخشوعًا لله تعالى، وحتى يتذكر أن هذا النصر كان من عند الله تعالى، وبفضل الله تعالى. 

ولذلك عندما دخل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مكة، دخلها وهو على راحلته، ولم يدخلها ممتطياً صهوة جواده كما يفعل القادة الفاتحين، وكان خلفه "أسامة بن زيد" وكان عمره 15 عامًا، ابن مولاه "زيد بن حارثة" وقد استشهد قبل ذلك التاريخ بشهرين اثنين في غزوة "مؤتة"، وهو -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتلوا سورة الفتح، وأخذوا يطأطأ راسه وهو على راحلته تواضعًا لله تعالى حتى أن شعر لحيته يكاد يمس راحلته
والباب الذي دخل منه بنو اسرائيل، لا يزال موجود الى الآن، ويطلق عليه باب حطة remission gate باب المغفرة


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)
يعنى ان فعلتم ذلك نغفر لكم ذنوبكم، وسنزيد المحسنين منكم فوق الغفران رفع درجات.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
قوله تعالى (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) يعنى أنهم كانوا فريقين: فريق التزم بما أمر به الله تعالى، وفريق عصى الله تعالى. 
يقول تعالى
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) يعنى فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ بني اسرائيل ما امروا به الى غيره، فبدلًا من أن يقولوا (حِطَّةٌ) قالوا "حِنطَّةٌ" وبدلًا من أن يدخلوا منحنين متواضعين لله تعالى، دخلوا يزحفون على أدبارهم، وذلك سخرية واستهزاءً بأوامر الله. 
لأن هناك مشقة فيما صنعوا، وليس هناك مشقة فيما تركوا
فلو كانت هناك مشقة فيما أمروا به وتركوه، ربما يكون الترك بسبب المشقة
ولكن العكس أن المشقة فيما صنعوا وليس فيما تاركوا
وهذا يدل على أنهم فعلوا ذلك لارادة المخالفة والعناد، وسخرية واستهزاءً بأوامر الله

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ)
يعنى فعاقبهم الله تعالى بأن أرسل عليهم عذابًا من السماء، قيل إن هذا العذاب هو الطاعون.
وقوله تعالى (رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) يشير الى أنه المرض الذي أصابهم لم يكن معروفًا من قبل، وهذا يفسر الأمراض التي تظهر الآن مثل الإيدز أو كوفيد أو أميكرون أو غير ذلك.
(بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) بسبب ظلمهم.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

أخيرًا: الآية (161) من سورة الأعراف، تشبه الآية (58) من سورة البقرة.
في الآية (58) من سورة البقرة يقول تعالى:  (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)
وفي الآية (161) من  سورة الأعراف يقول تعالى:  (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الآيتين يتناولان نفس الواقعة ولكن الألفاظ مختلفة؟
في البقرة (وإذ قلنا) وفي الأعراف (وإذ قيل لهم)
في البقرة (ادخلوا هذه القرية) وفي الأعراف (اسكنوا هذه القرية)
في البقرة (فكلوا) بالفاء، وفي الأعراف (وكلوا) بالواو
في البقرة (حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) وفي الأعراف (حَيْثُ شِئْتُمْ)
في البقرة (ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) وفي الأعراف (قولوا حطة وادخلوا الباب سجداً)
في البقرة (نغفر لكم خطاياكم) وفي الأعراف (نغفر لكم خطيئاتكم)
في البقرة (وسنزيد المحسنين) فيها واو،  وفي الأعراف (سنزيد المحسنين) بدون واو.
اذن نفس الموضوع، ولكن الصياغة اللفظية مختلفة، لماذا هذا الاختلاف؟ وكيف أن كل لفظ يعطي لقطة من لقطات القصة، حتى تكتمل القصة في النهاية، هذا ما تناولناه في الحلقة رقم (52) من تدبر القرآن العظيم، وستجد أسفل الفيدو رابط هذاالدرس.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم الآية (162) من سورة الأعراف، تشبه الآية (59) من سورة البقرة.
في الآية رقم (59) من سورة البقرة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)
وفي الآية (162) سورة الأعراف (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
أيضًا الآيتين يتناولان نفس القصة ولكن الألفاظ مختلفة؟
في البقرة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) وفي الأعراف (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)
في البقرة (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) وفي الأعراف (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ)
في البقرة (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) وفي الأعراف (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ)

لماذا هذا الاختلاف في الألفاظ؟
تناولنا هذا في الحلقة رقم (53) من تدبر القرآن العظيم، وستجد أسفل الفيدو رابط هذاالدرس.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
المتشابهات في الآية 58 من سورة البقرة، والآية 161 سورة الأعراف
(درس مدته 16 دقيقة)
https://www.youtube.com/watch?v=LiePRgcw4XY&t=1s

المتشابهات في الآية (59) من سورة البقرة، والآية (162) من سورة الأعراف
درس مدته (6 دقائق)

https://www.youtube.com/watch?v=VeYgekLK2_g

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇