Untitled Document

عدد المشاهدات : 211

الحلقة (505) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تفسير وتدبر الآيات (25) و(26) و(27) من سورة "التَوْبًة" )لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ ……

الحلقة رقم (505)
(تًدَبُر القُرْآن العَظِيم)
تفسير وتدبر الآيات (25) و(26) و(27) من سورة "التوبة" ص 190

        

(لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم ﴿٢٧﴾

        

هذه الآيات الكريمة تناولت غزوة "حنين" والحديث عن غزوة "حنين" هو توطئة لغزوة "تبوك"، لأن المسلمين خرجوا للقاء الروم في "تبوك" ، ومن المعروف أن هناك فرق كبير بين أعداد الروم وبين أعداد المسلمين، فأراد الله تعالى أن يذكر المسلمين بأنهم لا ينصرون بالكثرة، ولكن النصر من عند الله تعالى وحده، ولذلك ذكرهم وهم في طريقهم الى "تبوك" بغزوة حنين 
تناولنا غزوة "حنين" في حلقات "أسرار السيرة الشريفة" بالتفصيل في ست حلقات، أرجو أن ترجعوا لها، وملخص غزوة "حنين": أن الرسول ﷺ بعد أن تم له فتح "مكة" في 20 رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، بلغه أن "هوازن" تجمع لقتال المسلمين.

        

من هي هوازن ؟
"هوازن" هي مجموعة من القبائل، وأكبر هذه القبائل هي "ثقيف" ثم "بنو نصر" و"بنو سعد". و"بنو سعد" هي القبيلة التي استرضع فيها الرسول ﷺ.  
وكانت أغلب قبائل "هوازن" في الشمال الشرقي من مكة، على بعد حوالي 20 كم من مكة، بينما قبيلة "ثقيف" وحدها كانت في مدينة "الطائف" في الجنوب الشرقي من "مكة"
وكانت هذه القبائل من "هوازن" -كما هو حال كل العرب في ذلك الوقت- بينهم تاريخ طويل من الحروب، ولكن بعد أن تمكن المسلمون من فتح مكة، استطاع "مالك بن عوف" وهو زعيم قبيلة "بنو نصر" أن يجمع كل قبائل "هوازن" -ولأول مرة في تاريخها- في جيش واحد تحت قيادته لحرب الرسول ﷺ 

وكان "مالك بن عوف" زعيم قبيلة "بنو نصر" شابًا لم يبلغ الثلاثين عامًا من عمره، ولكنه كان من أشهر فرسان الجزيرة، وكان معروفًا بخططه العسكرية الذكية، كما كان شاعرًا وخطيبًا مفوهًا، وله قدرة على حشد الناس والتأثير عليهم، ولذلك استطاع -كما ذكرنا- أن يحشد كل قبائل "هوازن" تحت قيادته، وهذا أمر لم يحدث -كما ذكرنا- في كل تاريخ قبائل "هوازن" 


        

وكان "مالك بن عوف" قد أمر هوازن أن يصحبوا معهم الى المعركة نسائهم وأبنائهم وأموالهم، حتى يستميت الجنود في  القتال، يعنى اذا هزمت فستفقد كل شيء.
وكان قد خرج مع الجيش رجل هو "دريد بن الصمة" وكان هو اشهر فرسان العرب، وكان قد جاوز المئة وفقد بصره، وقيل أنه خاض مائة معركة فلم يهزم في واحدة منها، فخرج مع الجيش حتى يسترشدوا برأيه، فلما خرج مع الجيش سمع أصوات أطفال ونساء ونهيق الحمير، وهذه أصوات لا تسمع في أرض المعركة، فقال لمن معه: 
ما لي أسمعُ رغاءَ البعيرِ، ونهاقَ الحمير، وبكاءَ الصّغير‏؟‏ قالوا:‏ ساقَ "مالك بن عوف" مع النّاس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فامر أن يأتوه بمالك بن عوف، ثم قال له: يا مالك ما لي أسمعُ رُغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاءَ الصّغير؟‏
قال "مالك بن عوف"‏:‏ سقتُ مع النّاس أموالَهم وأبناءَهم ونساءَهم، قال:‏ ولمَ ذاك‏؟‏ قال‏:‏ أردتُ أن أجعلَ خلفَ كلّ رجلٍ منهم أهلَه ومالَه، ليقاتِلَ عنهم؛ 
فقال له "دريد بن الصمة":
راعيَ ضأنٍ والله‏!  يعنى أنت لا تصلح لأن تكون قائدًا في الحرب، ولكن كبيرك إنك تروح ترعي شوية غنم، ثم قال له: وهل يردُّ المنهزمَ شيء‏؟!‏ إنَّها إن كانت لكَ، لم ينفَعك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليكَ فُضحتَ في أهلِك ومالك.
فقال له مالك: والله لقد كبرت وكبر عقلك.
فقال دريد بن الصمة:
هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتني.
يعنى أنا غير مسئول عن نتائج هذا اليوم لأنه لم اشهده، وفي نفس الوقت (ولم يَفُتني) يعنى أنا حضرت وعملت اللى عليه 


        

وبالرغم من ان ما فعله “مالك بن عوف" لم بنفعه كما قال "دريد بن الصمة" لكن "مالك بن عوف" معذور، لأنه يعلم أن المسلمون يقاتلون عن عقيدة، ويقاتلون وهم حريصون على الموت، وهذا شيء غير موجود في جيشه، مهما بلغت شجاعة المقاتلين، فاراد أن يعوض هذا الفرق في الروح المعنوية بين الجيشين 
        

أما عدد جيش "هوازن" فاختلف فيه، فقيل إن "مالك بن عوف" تجمع له من قبائل "هوازن" أربعة آلاف، ثم تجمع له بعد ذلك عدد آخر من قبائل العرب حتى وصل العدد الى عشرة آلاف وقيل خمسة وعشرون ألف.
        

 لماذا تقاتل "هوازن" الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟
أما لماذا تقاتل "هوازن" الرَسُولُ ﷺ ؟ فالسبب معروف وهو ما نشأ عليه العرب من "القبلية" يعنى الاعتزاز الشديد بالقبيلة، ورفض الانضواء تحت راية قبيلة أخري، فكانت "هوازن" وغيرها من القبائل العربية تنظر الى الرَسُولُ ﷺ ليس أنه رسول من الله تعالى، ولكن تنظر اليه على أنه رجل من "قريش" وأنها ستنضوي تحت راية قبيلة "قريش"

        

في الجانب الآخر عندما وصل الى الرسول ﷺ أن "هوازن" قد تجمعت لحربه، خرج في جيش قوامه اثنى عشر مقاتل، وكان ذلك في 9 شوال، من السنة الثامنة من الهجرة، يعنى بعد 19 يوم فقط من فتح مكة، وكان جيش المسلمين اثنى عشر ألف مقاتل: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، الذين فتح بهم الرسول ﷺ مكة، وألفان من أهل مكة وغيرهم من الأعراب الذين أسلموا حديثُا، وكان هاذان الألفان هم نقطة ضعف جيش المسلمين، لأنهم لا يزالوا حديثي الإيمان، وفيهم منافقون، ولكن الرسول ﷺ قبلهم في الجيش حتى يندمجوا في مجتمع المسلمين. 
        

كان عدد جيش المسلمون -وهو 12000 مقاتل- هو أكبر عدد لجيش المسلمين حتى ذلك الوقت، حتى قال أكثر من واحد من المسلمين: "لن نغلب اليوم من قلة" وعلم الرسول ﷺ بما يقوله الناس، فسائه وأحزنه ما يقوله الناس، لأن هذه هي أول مرة يعتمد فيها المسلمون على أنفسهم وليس على الله تعالى.
        

سار جيش "هوازن" حتى وصل الى سهل يقال له "أوطاس" على بعد حوالي 50 كم من مكة، ووصلت هذه الأخبار الى الرسول ﷺ فتوجه الى "اوطاس" 
كان "مالك بن عوف" يعلم أن الرسول ﷺ وهو في طريقه الى "أوطاس" لابد أن يمر على وادي منحدر يطلق عليه: وادي
"حنين" والوادي هو الطريق بين جبلين.
فقام "مالك بن عوف" في الليل وقبل وصول جيش المسلمين بإعداد عدد من الكمائن على المرتفعات وفي الشعاب والمضايق وخلف الأشجار، على جانبي وادي "حنين" 

        

ووصل جيش المسلمون الى وادي "حنين" مع الفجر، وكما قال الرواة في "غبش الصباح" 
ودخل المسلمون في وادي "حنين"، وعندما أصبح أكثر الجيش داخل الوادي، أعطي "مالك بن عوف" الى "هوازن" اشارة البدء، فأمطرت "هوازن" المسلمين بآلاف من السهام، وكانت "هوازن" قومًا رماة، والمسلمون لا يعرفون مصادر السهام لظلمة المكان، فاضطربت صفوف المسلمين، وماج بعضهم في بعض، وبدأ المسلمون في التراجع والفرار.


        

وثبت حول الرَسُولُ ﷺ في هذا الموقف العصيب، عدد قليل من الصحابة، ذكرت لنا كتب السير تسعة أسماء، وهم: أبو بكر وعمر وعلى بن ابي طالب والعباس وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن مسعود، وأيمن ابن أم أيمن 
        

وبينما كان المسلمون يفرون الى الوراء، ووسط هذا الهرج والمرج، كان الرَسُولُ ﷺ يندفع بفرسه في اتجاه المشركين، وأخذ الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول بأعلى صوته:
-  
 أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، هَلُمُّوا إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله
وأخذ العباس –وكان رجلًا جسيمًا- يشد لجام فرس الرَسُولُ ﷺ ليحد من اندفاع الرَسُولُ ﷺ الى هذه الأمواج من "هوازن"
و هذا المشهد من أروع مشاهد القتال في التاريخ كله: الجيش كله في حالة هرج ومرج، ويتراجع الى الخلف، وقائد الجيش وهو الرَسُولُ ﷺ يندفع في اتجاه العدو، ويقاتل وحده عدة آلاف من الأعداء، وهو الذي كل هؤلاء الأعداء حريصون على قتله 

        

وأراد الرَسُولُ ﷺ في هذه اللحظات الحرجة أن يستخلص المسلمون الصادقون، فصاح الرَسُولُ ﷺ بالعباس عمه، وكان العباس جهير الصوت، حتى يقال أن صوته كان يسمع على مسافة أكثر من 10 كم، ويروى أن من شدة صوته: أن أغير يوما على مكة فنادى واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته وقال:
-    
يَا عَبَّاسُ، نَادِ يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ.
وبدأ العباس يصيح بأعلى صوته: 
يا أصحاب السَّمُرَةِ.
و"السمرة" هو اسم الشجرة الى بايع الرسول ﷺ تحتها المهاجرون والأنصار في صلح الحديبية، عندما تأخر "عثمان بن عفان" في مكة، وكان الرسول ﷺ قد أرسله ليفاوض قريش، واعتقد المسلمون أن قريش قد قتلت "عثمان" فبايع المسلمون الرسول ﷺ في ذلك اليوم تحت الشجرة على القتال حتى الموت.
وهؤلاء هم الذين فتح الرسول ﷺ بهم "خيبر" وهم خير أهل الأرض في ذلك الوقت
أخذ العباس -رضى الله عنه- ينادي
"يا أصحاب السمرة" "يا أنصار الله وأنصار رسوله الذين آووا ونصروا"
"يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة"

 "يا أصحاب سورة البقرة"
وخص سورة البقرة لأن فيها قول الله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) وفيها قصة جيش "طالوت" الذي هزم "جالوت"


        

وسمع المسلمون صوت العباس فأخذوا يجيبونه "يالبيك يالبيك" وارتفعت أصوات الصحابة من كل مكان في أرض المعركة "يالبيك يالبيك" 
يقول "العباس" عن هذا الموقف:
-  
 فوالله، لكأن عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي عَطْفة الإبل إذا حنَّت إلى أولادها،
يعنى تجمعوا بسرعة فور سماعهم صوته مثل الإبل الذي تدافع عن أولادها الصغار
وكان الرجل يحاول أن يصل الى الرَسُولُ ﷺ وهو على فرسه فلا يستطيع أن يصل اليه بسبب الزحام الشديد والفوضى في أرض المعركة، فكان ينزل من على فرسه، ويتجه الى الصوت، حتى يصل الى الرَسُولُ ﷺ
  وتجمع حول الرَسُولُ ﷺ في لحظات قليلة مئة من المهاجرين والأنصار، وكان الصبح قد طلع ورأي الناس بعضهم بعض، وبدأ الرَسُولُ ﷺ القتال مرة أخري بهؤلاء المائة، فاستقبلوا العدو وحملوا عليهم
ثم بدأت الأعداد تزيد حول الرَسُولُ ﷺ وعادوا المسلمون الى تنظيم صفوفهم ونظر الرَسُولُ ﷺ وقال
"الآن حمي الوطيس" ووقع قتال من أشرس أنواع القتال
        

وأخذ الرَسُولُ ﷺ بيده الشريفة حفنة من الرمال، والحصباء من أرض المعركة،  وألقاها في وجه "هوازن" وهو يقول "شاهت الوجوه، انهزموا ورب محمد، اللهم نصرك الذي وعدت"
يقول العباس فما رأيت أحداً من هوازن إلا يفرك عينيه 
يقول أبناء المشركين الذين حضروا القتال نقلًا عن آبائهم: ما بقي مِنَّا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب.


        

وكان يحمل راية هوازن رجل على جمل أحمر، وبيده رمح طويل، في نهايته راية سوداء، فكان إذا اقترب منه أحد طعنه بالرمح، وإذا رفع رمحه تبعه من وراءه من "هوازن" فانطلق "على بن ابي طالب" ورجل من الأنصار، فجاءه على من خلفه وضرب الجمل في ركبته فسقط الجمل، فوثب اليه الأنصاري وقتله
        

  ونزلت الملائكة من السماء لتثبيت قلوب المسلمين ورأي المشركون هذه الملائكة، في هيئة رجال بيض، يرتدون عمائم حمراء، ويمتطون خيل بلق يعنى هناك سواد وبياض في لونها، فلما رأي المشركون هذه الكتائب أصابهم الرعب 
        

يحكي رجل من المشركون الذين أسلموا بعد ذلك يقول: لما التقينا نحن وأصحابَ رسول الله ﷺ يوم حنين، لم يقوموا لنا حَلَب شاة.
يقول: فلما كشفناهم جعلنا نسُوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله ﷺ قال: فتلقانا عندَه رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه فقالوا لنا: "شاهت الوجوه، ارجعوا !"، يقول: فانهزمنا، وركِبُوا أكتافنا.

        

كان ممن حضر المعركة مع المسلمين أحد أهل مكة اسمه "شيبة الحجبي" وقد خرج وهو يظهر الإسلام، ولكنه كان لا يزال على كفره، وكان يبغض الرسول ﷺ وانما خرج خوفًا من أن تنتصر "هوازن" على "قريش" فرأي "شيبة" هذه الملائكة، فقال: 
-    
يا رسول الله انى لأري خيلًا بلقًا –يعنى في لونها سَوَادٌ وَبَيَاضٌ- 
فقال له الرَسُولُ ﷺ
-    
يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر
ثم وضع الرَسُولُ ﷺ يده على صدر "شيبة" وقال "اللهم اهد شيبة" وقال ذلك ثلاثًا، يقول شيبة "فما رفع يده عن صدري الثالثة حتى ما أجد من خلق الله أحب إلى منه"
        

 وبدأت "هوازن" في الفرار وتحولت -سريعًا- هزيمة المسلمين في بداية المعركة الى نصر ساحق 
كانت نتيجة المعركة خمسة قتلى من المسلمين، مقابل 70 من المشركين.


        

يقول تعالى (لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ﴿٢٥﴾
(لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة) 
كلمة (مَوَاطِنَ) يعنى أمكنة.
يعنى نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي عدد من المواقع، كما حدث في بدر وفي الأحزاب وفي "بنى قريظة" وفي "خيبر" وفي "فتح مكة" وغير ذلك من السرايا التي كان يرسلها الرسول ﷺ 

(وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ) يعنى ونصركم كذلك في َيوۡمَ حُنَيۡنٍ.  
وقلنا أن "حُنَيۡنٍ" هو اسم الوادي الذي وقعت فيه القتال بين المسلمين وبين "هوازن"

(إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ) 
قلنا أن عدد جيش المسلمون في غزو "حنين" كان 12000 مقاتل، هو أكبر عدد لجيش المسلمين حتى ذلك الوقت، فقال المسلمون لأنفسهم: اذا كنا قد انتصرنا في كل المعارك السابقة ونحن أقل عددًا، فلابد أننا سننتصر ونحن أكثر عددًا، حتى قال أكثر من واحد من المسلمين: "لن نغلب اليوم من قلة" 
وقلنا أن الرسول ﷺ كره ما قاله الناس، لأنهم بذلك يتوكلون على الأسباب، وليس على رب الأسباب.

(فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡ‍ٔا) 
يعنى لم تنفعكم هذه الكثرة في شيء.
(وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ) 
كانت العرب تقول "مكان رحيب" يعنى واسع، وكانت تقول "رجل رحب الصدر"
فقوله تعالى
(وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ) يعنى: ضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ على اتساعها.
يعنى لم تجدوا مكانًا تفرون اليه.

كأن بلاد الله وهى عريضة ... على الخائف المطلوب كِفَّة حابل
        

(ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ﴿٢٥﴾
يعنى ثم فررتم من عدوكم منهزمين.
        

(ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴿٢٦﴾
(ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ) 
 السَكِينَهُۥ من السكون وهو ضد الحركة.
والمعنى انزل الطمأنينة في قلب الرسول ﷺ وقلوب ٱلۡمُؤۡمِنِينَ.
لأن الرسول ﷺ لا شك قد أصابه الحزن عندما رأي فرار المسلمين.

        

(وَأَنزَلَ جُنُودا لَّمۡ تَرَوۡهَا) 
وهي الملائكة، وقد ذكرنا أن المشركون قد رأوا الملائكة، في هيئة رجال بيض، يرتدون عمائم حمراء، ويمتطون الخيول فلما رأي المشركون هذه الكتائب أصابهم الرع، ولم يري المسلمون الملائكةـ وان وجدوا آثارها في قلوبهم، ولذلك قال تعالى (وَأَنزَلَ جُنُودا لَّمۡ تَرَوۡهَا) يعنى (لَّمۡ تَرَوۡهَا) أنتم أيها المؤمنون، ان كان قد رآها المشركون.
        

(وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ) 
 يعنى وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ بالقتل والهزيمة


        

(ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٢٧﴾
قلنا أن سورة "التوبة" من أولها تهديد للمشركين، وفي نفس الوقت تفتح باب التوبة، يقول تعالى (ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ) يعنى ثُمَّ يوفق الله تعالى للتوبة، ويقبل توبة مَن يَشَآءُ من عباده.
أو أن المعنى: ثُمَّ يقبل الله َتُوبًة مَن يَشَآءُ من عباده ان يتوب.

        

والذي حدث بعد هزيمة "هوازن" أن فروا الى: ثلاثة اتجاهات: جزء الى "أوطاس" وهو السهل الذي الى جانب وادي "حنين" وجزء الى بلدة "نخلة" والجزء الأكبر اتجه الى مدينة الطائف، فطاردهم المسلمون، حتى يمنعوهم من التجمع مرة أخري، فاتجه البعض الى "أوطاس" والبعض الى "نخلة" بينما توجه الجيش الرئيسي بقيادة الرَسُولُ ﷺ الى "الطائف"
        

 وقبل أن يتوجه الرَسُولُ ﷺ الى "الطائف" أمر بوقف توزيع الغنائم، وأن تجمع في وادِ اسمعه "الجعرانة" بالقرب من "حنين" حتى يعود من "الطائف" وكانت أكبر غنائم تحصل في معركة واحدة في تاريخ العرب، لأن "هوازن" كانت قد جاءت -كما ذكرنا- بكل أموالها.
        

كانت "الطائف" مدينة حصينة فحاصرها الرَسُولُ ﷺ وأخذ أهل "الطائف" يرمونهم بالسهام، حتى قتل بعض المسلمين، فابتعد الرسول ﷺ بمعسكر المسلمين عن الحصن حتى لا تصل اليهم السهام، وصنع المسلمون المنجنيق لأول مرة، وأخذوا يقذفون أسوار الطائف حتى تكسر جزء، كما صنعوا الدبابة الخشبية التي يسير الجنود تحتها، وكاد المسلمون أن يدخلوا الحصن لولا أن أخل الطائف أخذوا يرموهم بالحسك الشائك المُحمَّى في النار، وهو عبارة عن أشواك حديدية ضخمة يوقد عليها النار حتى تحمر، فتراجع المسلمون.
        

ومن الأحداث التي وقعت أثناء الحصار: أن الرسول ﷺ أمر بحرق نخيلهم وأشجارهم، حتى يستفزهم للخروج للقتال، فناشدوا الرسول ﷺ أن يدعها ولا يحرقها، فاستاجب لهم الرسول ﷺ
        

واستمر الحصار أيامًا طويلة، حتى قرر الرسول ﷺ رفع الحصار والعودة الى المدينة المنورة، حتى لا يسقط عدد أكبر من القتلى او الجرحى بين صفوف المسلمين، خاصة أن الرسول ﷺ قد حقق نصر عليهم في "حنين" كما ان نسائهم وابنائهم وأموالهم بيد الرسول ﷺ 
        

وقبل انصراف المسلمون جاء عدد من شباب المسلمين الى الرسول ﷺ وطلبوا منه ان يدعو على "ثقيف" فرفع الرسول ﷺ يده وقال "اللهم اهد ثقيفًا وائتني بهم" ثم انصرف الرسول ﷺ الى "الجعرانة" وهم المكان الذي أمر الرسول ﷺ أن تجمع فيه الغنائم، ولكن قبل أن يصل الرسول ﷺ الى "الجعرانة" كانت قد جاءت اليه "ثقيف" ليعلنوا اسلامهم.
        

بل ووزع عليهم من الغنائم، حتى أنه ﷺ أعطي "مالك بن عوف" والذي كان قائد جيش "هوازن" مائة من الأبل حتى يتألف قلبه، واستعمله على قومه.
والعجيب أنه بالرغم من أن "ثقيف" من أواخر القبائل التي دخلت في الإسلام، الا أنه بعد وفاة الرسول ﷺ ارتدت جميع القبائل العربية باستثناء أربعة فقط وهي: المدينة المنورة، ومكة المكرمة، وقبيلة صغيرة في شرق الجزيرة، والطائف.
وربما لو كانت "الطائف" قد ارتدت، ما كان المسلمون قد استطاعوا الانتصار في حروب الردة.

(ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٢٧﴾


        

آخر موقف عندما عاد الرسول ﷺ الى الجعرانة، كان الأنصار يتحدثون بأن الرسول ﷺ سيعود الى مكة، وكان هذا أمر يحزنهم كثيرًا، ثم فوجئوا عندما قام الرسول ﷺ يتوزيع الغنائم أنه أعطي الكثير من العطايا لزعماء مكة حتى يضمن استقرار مكة، وأعطي الكثير من العطاي لزعماء القبائل حتى يضمن استقرار الدولة الإسلامية، ولم يعطي الأنصار أي شيء
وذهب "سعد بن عبادة" زعيم الخزرج الى الرسول ﷺ وقال له:
-    
يا رسول الله ان هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظيمة في قبائل العرب، ولم يكن لهذا الحي من الأنصار منها شيء !
فقال له الرسول ﷺ -  : 
-  
 فأين أنت من ذلك يا سعد ؟
فقال سعد: 
-  
 ما أنا الا رجل من قومي !
فقال له الرسول ﷺ -  :
-    
فاجمع لى قومك
فخرج سعد فجمع الأنصار، وأتاهم الرسول ﷺ فحمد الله وأثنى عليهم ثم قال:
-    
ما قالة بلغتني عنكم ووجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ 
ثم قال:  ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ 
قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المن والفضل ؟ 
قال الرسول ﷺ
-    
أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار
فبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم
اقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇