Untitled Document

عدد المشاهدات : 250

الحلقة (520) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تفسير وتدبر الآيات من (69) الى (72) من سورة "التَوْبًة" (كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ ……

الحلقة رقم (520)
(تًدَبُر القُرْآن العَظِيم)
تفسير وتدبر الآيات من (69) الى (72) من سورة "التوبة" ص 198
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّة وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلا وَأَوۡلَٰدا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ﴿٦٩﴾ أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ﴿٧٠﴾ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡض يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ﴿٧١﴾ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَة فِي جَنَّٰتِ عَدۡن وَرِضۡوَٰن مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ﴿٧٢﴾


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ما زالت آيات سورة التوبة تتحدث عن المنافقين، يقول تعالى: (كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّة وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلا وَأَوۡلَٰدا) 
(كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ) يعنى -أنتم أيها المنافقون- مشيين في نفس الطريق، اللى مشي فيه من كان قَبۡلِكُمۡ من الأمم الكافرة، والذين كان مصيرهم الهلاك والاستئصال.
ثم قال تعالى
(كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّة وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلا وَأَوۡلَٰدا) يعني لا تعتقدوا أن ما عندكم من قوة أو أموال او أولاد، أو غير ذلك من أسباب الدنيا، لا تعتقدوا أن ذلك دليل على رضا الله عنكم، أو دليل على أنكم على الطريق السليم، بدليل أن الله تعالى أهلك هذه الأمم السابقة، وكان عندهم من أسباب الدنيا أكثر منكم.(كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّة وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلا وَأَوۡلَٰدا)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وقد عرض الله تعالى هذه القضية واضحة في سورة "الفجر" قال تعالى (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) 
يبقي اللى عنده نعمة بيقول: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) واللى معندوش نعمة بيقول (رَبِّي أَهَانَنِ) فيقول تعالى تعقيباً على القضيتين (كلا).
فلا النعمة دليل اكرام، ولا سلب النعمة ديل الإهانة.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى (فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ)
الاستمتاع هو طلب المتعة ونيلها.
الخلاق هو النصيب والحظ، وأصلها ما خلق للإنسان.
فالخلاق هو: ما خلق لك من الدنيا، نصيبك من الدنيا، رزقك من الدنيا، ما كتبه الله لك من الدنيا.
ولذلك في هذا الموضع جاءهذا التعبير
(بِخَلَٰاقِهِمۡ) يعنى الله تعالى خلق لهم هذا الرزق، وكتب لهم هذا الرزق، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين.
يقول تعالى
(فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ) (فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ)
يعنى هؤلاء الكفار استمتعوا من الدنيا بما كتب الله لهم فيها، وأنتم الآن تستمتعون من الدنيا بما كتب الله لكم فيها، كما استمتعوا هم.
فهذه العطاءات الدنيوية، وهذا الرزق الدنيوي ليس دليلُا على رضا الله على العبد، لأن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، أما الآخرة فلا يعطيها الا لمن يحب. 
وأيضًا يقول لهؤلاء استمتعوا بالدنيا ومضوا وهلكوا، وأنتم أيضًا استمتعتم وتوشكوا أن تمضوا وتهلكوا.
والفاء في قوله تعالى
(فَٱسۡتَمۡتَعُواْ) الفاء تدل على السرعة.. يعنى عندهم نهم وتكالب على ملذات وشهوات الدنيا.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ويلفت النظر أن الله تعالى خاطب المنافقين بصيغة الماضي فقال (فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ) مع أن الظاهر أن يقال: أنتم تستمعون الآن، ولكن جاء بصيغة الماضي، (فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم) ليدل على قرب نهاية استمتاعهم بالدنيا، استمتعتم وتوشكوا أن تمضوا مثل هؤلاء.
وأنتم أيضًا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بنصيبكم واللى ربنا كتبهلهم من الدنيا، كما استمتع هؤلاء، وجاءت "ٱسۡتَمۡتَعۡتُم" بصيغة الماضي مع أن الظاهر أن يقال: أنتم تستمعون الآن، 
فيكون المعنى: هؤلاء استمتعوا بالدنيا فترة من الزمن ومضوا وهلكوا.. وأنتم أيضًا استمتعتم وتوشكوا أن تمضوا مثلهم.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى (وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْ) 
أصل الخوض هو الدخول في الماء والطين، ثم أصبح يستعمل في كل ما فيه تلويث وأذي.
فالمعنى أنتم سرتم في نفس الطريق الملوث الذي سار فيه هؤلاء الكفار من الأمم السابقة
خُضۡتُمۡ في الطعن على نبيكم، وقلتم إنه أذن كما تقدم.. خُضۡتُمۡ -من قبل- في عرض السيدة عائشة.. خُضۡتُمۡ في كل باطل.. خُضۡتُمۡ في شهوات الدنيا.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَة)
(حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ)
يعنى بطل ثواب أعمالهم.
لأن هؤلاء المنافقون كانوا يفعلون أعمال حسنة: فكانوا يصلون مع المسلمين، ويشهدون الجماعة، ويؤدوا الزكاة، ويخرجون للجهاد، فكل هذه الأعمال تصبح لا قيمة لها، لأنهم منافقون 
وأصلها
"الحَبْط" وهو مرض يصيب المواشي بسبب أكلها عشبة معينة تنبت مع البرسيم وتشبه البرسيم ولكنها ليست برسيما، وأكل هذه العشبة يجعلها تنتفخ ثم تموت فجأة.
فيأتي صاحب الماشية، ويري ماشيته قد انتفخت، فيعتقد أنها قد سمنت، فيفرح لذلك، ثم يفاجأ بها تسقط ميتة.
ومنها جائت كلمة "الإحباط" يقولون "أصيب بالإحباط" يعنى أصيب بخيبة أمل.
فكذلك المنافق الذي يفعل أعمال حسنة في الدينا، ويعتقد أن له ثواب عليها، فيفاجأ يوم القيمة أنها لا قيمة لها.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
فيقول الله تعالى (أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ) يعنى بطل ثواب أَعۡمَٰالُهُمۡ.
يقول تعالى
(فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَة)
يعنى ليس هناك ثواب لأعمالهم لا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَة.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ) 
لأنهم خسروا ثواب أعمالهم، وكان يقول ابن عباس خسروا منازلهم في الجنة، والحور العين، وخدمهم.
وجاءت بصيغة الحصر، يعنى هذه هي الخسارة الحقيقية، وأي خسارة بجانب هذه الخسارة لا تعتبر خسارة.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن في هذه الآية الكريمة يقول الله -سبحانه وتعالى- للمنافقين والكافرين خذوا عبرة من الأمم السابقة الكافرة من قبلكم، اياكم أن تغتروا بما عندكم من الدنيا: سواء كنتم أقوياء واصحاء، أو عندكم أموال وأولاد، فهذه العطاءات الدنيوية ليست دليلًا على أنكم على الطريق الصحيح، بدليل أن الأمم الكافرة السابقة عليكم كانوا أكثر منكم في القوة وفي الأموال والأولاد، ثم كان مصيرهم الهلاك والاستئصال.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ﴿٧٠﴾
يعنى ألم يعلم هؤلاء المنافقون والكفار ما حل بالإمم السابقة عليهم الكافرة من العذاب والهلاك والاستئصال، والإستفهام للتقرير والتوبيح.
قال تعالى:
(قَوۡمِ نُوح) وقد أغرقوا بالطوفان، (وَعَاد) أهلكوا بالريح العقيم (وَثَمُودَ) أهلكوا بالصيحة، (وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ) سلب الله منهم نعمه عليهم، وأهلك كبيرهم النمرود (وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ) وهم قوم شعيب، أهلكوا بالرجفة والصيحة والظُلة (وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِ) وهي قري لوط، ومعنى "ٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِ" يعنى المنقلبات، لأن جبريل -عَلَيْهِ السَّلامُ- رفعها الى عنان السماء ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، ثم هوي بها الي الأرض، قال تعالى في سورة النجم (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وقد فصل تعالى قصصهم في أكثر من سورة، ولكن بين هنا العبرة في قصصهم، فقال تعالى (أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ) يعنى بالحجج والدلائل وبالمعجزات الواضحة التى تدل على صدق رسالتهم. 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) 
هنا محذوف تقديره: يعنى ولكنهم كذبوا رسلهم وكفروا بهم فأهلكهم الله، ثم يقول تعالى (فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ) يعنى مَا كَانَ من سنة الله ولا من مقتضي عدله أن يظلمهم بما حل بهم من عذاب
يقول تعالى
(وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم وعنادهم.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن فالله تعالى يقول لهؤلاء المنافقين والكفار أن سنة الله في عباده واحدة لا تتغير ولا محاباة فيها، فلا بد - إن لم يتوبوا- أن يحل بهم من العذاب ما حل بأمثالهم من الأمم السابقة.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ثم لما ذكر الله -تعالى- صفات المنافقين الذميمة، ذكر صفات المؤمنين المحمودة، قال تعالى.
(وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡض يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ﴿٧١﴾
(وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡض) 
يعنى في: التواد والتعاطف والرَّحمة والمحبَّة.
وهم أنصار وأعوان بعض.

عندما تحدث الله تعالى عن ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ في الاية (67) قال تعالي (ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖ) لم يقل تعالى: (بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡض) لأن المنافقون ليس بينهم مودة أو رحمة أو محبة، بل هم مجتمعون على كراهية الدين وكراهية الرسول والمؤمنين.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم ذكر الله تعالى من صفاتهم أنهم: (يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَر وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ)
ثم قال تعالى (ٓأُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّه) 
السين في قوله تعالى (سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّه) للتأكيد والمبالغة.
فأنت حين تهدد أحد تقول له: سأنتقم منك، ولا تقول: أنتقم منك.
وهذا مثل قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ ربك فترضي)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم) 
(عَزِيزٌ) لا يغلب (حَكِيم) يضع كل شيء في موضعه.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَة فِي جَنَّٰتِ عَدۡن وَرِضۡوَٰن مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ﴿٧٢﴾
(وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ) وهذا من فضل الله -تعالى- ورحمته بعباده. 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(جَنَّٰات) الجنات جمع جنة، والجنة هي البستان، وسميت الجنة بهذا الإسم لأنه تجن يعنى تستر بأشجارها من يمشي فيها. 
(تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ) أي تجري الأنهار من تحت أشجارها ومن تحت قصورها.
(خَٰلِدِينَ فِيهَا) يعنى لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. 
(وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَة) 
مساكن الجنة قصور، وهذه القصور وصفها تعالى بأنها (طَيِّبَة) يعنى يطيب العيش فيها.
وكلمة مساكن تشير الى السكينة.


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(فِي جَنَّٰتِ عَدۡن) 
قلنا إن (جَنَّٰاتِ) يعنى بساتين
و
(عَدۡن) يعنى اقامة، كانت العرب تقول: عدن فلان بالمكان إذا أقام به، ولذلك سمي المعدن بذلك الاسم لاستقراره في باطن الأرض.
البعض يعتقد أن هناك تكرار بين كلمة "خلود" وكلمة "عدن"

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن الآية تقول إن الجنة فيها مساكن طيبة وهي قصور الجنة، وهذه القصور تجري من تحتها الأنهار، هذه القصور (فِي جَنَّٰتِ عَدۡن) 
و اذن القصور وسط البساتين، وهذه البساتين وصفها تعالى بأنها (عَدۡن) يعنى اقامة.
يعنى بساتين هذه القصور ليست مجرد بساتين يتنزه فيها الإنسان ثم يعود الى بيته مرة أخري، ولكنها بساتين يريد صاحبها من جمالها أن يقيم فيها ولا يغادرها.
اذن المساكن لا تريد أن تغادرها، والبساتين لا تريد أن تغادرها، ولذلك قال الله عن منازل أهل الجنة في سورة الكهف
(لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) يعنى من طيبها لا يريد ساكنها أن يتركها أبدًا الى مكان آخر.. ومساكن الدنيا مهما كانت ستري مكان أحسَنُ مِن بيتِكَ وتَقُولُ: يا ليتَ لى هذا المكان، أما في الجَنةِ فلا أحد يريد أن يترك مسكنه، لأن كل واحد يري نفسه أنعَمُ أهلِ الجَنَّةِ، ويري بيته أفضل بيت في الجَنَّةِ، لأن -كما قلنا- أن الجنة مئة درجة، كل درجة يري الدرجات التى أسفل منه، ولا يري الدرجات الأعلى، حتى لا يتطلع الى الأعلى منه، لأن هذا التطلع ينغص عليه سعادته، والجنة ليس فيها منغصات.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَرِضۡوَٰن مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ) 
يعنى رضوان الله أَكۡبَرُ من ان يوصف.
أو أن رِضۡوَاٰن ٱللَّهِ عليهم أَكۡبَرُ من كل ما هم فيه من النعيم.
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: "
يقول الله عز وجل لأهل الجنة يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
قال أهل الأولياء: لا تطمح نفسي إلى شيء مما في الجنة، كما تطمح إلى رضا الله عنى، وأن أحشر في زمرة المهديين المرضيين عند الله.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ)
يعنى ذَٰلِكَ الذي وعد الله به المؤمنين والمؤمنات من الجنات، ومن رضا الله تعالى عنهم، هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ الذي لا يقاربه أي فوز آخر.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇