Untitled Document

عدد المشاهدات : 1057

خطبة: حَدِيثُ الهِجْرَة

حَدِيثُ الهِجْرَة

الخطيب: الشيخ/ وائل فوزي

تاريخ الخطبة: 1431- 2010

المكان: مسجد "السيدة مريم- عليها السلام" بمنطقة الهجانة

مدة الخطبة: 40 دقيقة

 

 

 

أما بعد

 

تظلّنا هذه الأيام ذكرى حدث هم أهم حدث في التاريخ الاسلامي كله، وهو الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة بيت الله الحرام، الى المدينة المنورة دار الهجرة، ونحن نقول أنه أهم أحداث التاريخ الاسلامي لأنه بدأ بالهجرة بناء الدولة الاسلامية، وبناء الأمة التي تعبد الله وحده لا شريك له، وتبلّغ دينه الحنيف إلى البشرية كلها

*     *      *

ونبدأ حديثنا عن الهجرة عندما بلغ الرسول –صلى الله عليه وسلم- أربعين عامًا، و جاءه جبريل –عليه السلام- وهو في الغار وقال له: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ" قال الرسول –صلى الله عليه وسلم- فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال قلت: ما أنا بقارئ. قال فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم } [العلق-/ الآية - 1 - 5 ] 

 

ويعود الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى بيته وهو يرتجف، ودخل على أمنا خديجة –رضى الله عنها- وهو يقول "زملوني زملوني" يعنى غطوني غطوني، مع أن هذا الحدث كان في شهر ابريل، وشهر ابريل يكون الجو شديد الحرارة في مكة، قص الرسول –صلى الله عليه وسلم- على خديجة ما حدث وقال لها "لقد خشيت على نفسي" قالت له أمنا خديجة "كلا، أبشر، فوالله  لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" وانطلقت به خديجة الى "ورقة بن نوفل" وهو ابن عم خديجة، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم ! اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ! ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى صلى الله عليه وسلم، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أومخرجي هم ؟ قال ورقة : نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي ولذلك فان "ورقة بن نوفل" رضى الله عنه هو أول من آمن بالرسول –صلى الله عليه وسلم-

*     *      *

بدأ بعد ذلك نزول القرآن على الرسول –صلى الله عليه وسلم- فكان أول مانزل ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ)) ونزل قول الله تعالى ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ )) يعني اذا فرغت من الدعوة في النهار، فانصب قدميك لعبادة الله تعالى في الليل، واذا فرغت من العبادة فانصب الى الدعوة، ليس هناك أي وقت للراحة، ولذلك تقول السيدة خديجة للرسول –صلى الله عيه وسلم- "ألا تنام" مش تنام شوية، مش تستريح شوية، فيقول لها الرسول "مضى زمن النوم يا خديجة" خلاص ما بقاش فيه وقت للنوم ولا وقت للراحة

 ثلاثة سنوات كاملة من الدعوة السرية، والرسول –صلى الله عليه وسلم- يبذل جهد جبار، جهد غير عادي، وطوال هذه السنوات الست لم يؤمن به الا أربعين فقط !

ومن شدة جهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة، ينزل قول الله تعالى  في سورة الكهف ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)) يعني أنت يا محمد حتموت نفسك من الغم والحزن بسبب عدم ايمانهم

*     *      *

ثم ينزل قول الله تعالى ((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)) الآن يأمره الله تعالى بالجهر بالدعوة، ماذا يفعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- هل يأمر أحد صحابته الأقوياء ليقوم بهذه المهمة، هل يجمع جميع المؤمنين به ليستقوي بهم ويعلن الدعوة، كلا ذهب الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى أعلى نقطة في مكة، صعد الى جبل الصفا، ونادي بأعلي صوته "يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان، يا بني فلان، جميع بطون قريش، فلما اجتمعت جميع قريش قال الرسول –صلى الله عليه وسلم- "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي" قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال : ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)) ، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا، فنزلت: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) ومنذ ذلك التاريخ، تبدأ مرحلة جديدة من الإضهاد، ويتعرض الرسول –صلى الله عليه وسلم- لأنواع عدة من الإيذاء، أول شيء غير كفار قريش اسمه، اسم "محمد" جاء من الحمد، يعنى يحمده أهل الأرض، ويحمده أهل السماء، همه عكسوا الإسم، خلوه "مذمم" وكان هذا يؤذي الصحابة، فكان الرسول –صلى الله عليه وسلم- "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد"

ثاني حاجة تعملها قريش أن تطلق بناته، كنوع من الإيذاء النفسي، وحتى تعود بناته الى بيته فينشغل بهن

ويكون الرسول –صلى الله عليه وسلم- سائرا في بعض طرقات مكة فيأتي أحد سفهاء قريش ويلقي في وجهه قفة مملؤة بالتراب، فيدخل الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى بيته وتأتي بناته يزلن عنه التراب ويبكين فيواسيهن الرسول –صلى الله عليه وسلم- ويقول لهن: لاتبكين فان الله ناصر أباكم

ويأتي الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي بفناء الكعبة فيقبل عليه عقبة بن أبي معيط ويلوي ثوبه، ويخنق الرسول –صلى الله عليه وسلم- خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر يدفع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: ((أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ))

 

ويقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيلقيه على محمد إذا سجد ؟ فقام "عقبة بن أبي معيط" فلما سجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وضعه على ظهره، وأخذ الكفار يضحكون، ويميل بعضهم على بعض، والرسول –صلى الله عليه وسلم- مش قادر يرفع راسه، الذي يروي هذه القصة عبد الله بن مسعود، يقول أنا قائم، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت فطرحته عنه، ثم رفع الرسول –صلى الله عليه وسلم- رأسه وأكمل صلاته

*       *      *

ويبدأ اضطهاد شديد جدا للمسملين، وخاصة العبيد والمستضعفين، ويعذبوا عذابا قاسيا شديدا، والرسول -صلى الله عليه وسلم-  يراهم يعذبون، ويكاد قلبه بنفطر حزنا وشفقة عليهم، ولكن ليس هناك شيء بيده يصنعه لهم، ويموت منهم من يموت من شدة التعذيب، وهناك من يشوه جسده، وهناك من يفقد بصره

في هذه الظروف الصعبة بيموت "عبد الله بن محمد" ابن الرسول –صلى الله عليه وسلم- وكان عمره أقل من سنتين، وتشمت به قريش، ويقولون أن محمدًا أبتر، يعني ماعندوش الا بنات، فينزل قول الله تعالى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)

وبعد ذلك تبدأ قريش في فرض حصار على المسلمين، حصار شديد جدا،لا يبيعون لهم، ولا يشترون منهم، ولا يتزوجون منهم، ويدخل المسلمون في شعب أبي طالب، ولايجدون ما يأكلون الا ورق الشجر، حتى قال بعض الصحابة "كنا نبعر كما يبعر البعير" المخرجات بتاعتهم أصبحت مثل مخرجات البعير، لأنهم لا يأكلون الا ورق الشجر، واستمر هذا الحصار ثلاثة سنوات كاملة، وبعد هذه الثلاث سنوات كانت السيدة خديجة قد أنهكت، ابت هذه السيدة العظيمة –رضى الله عنها- الا أن تكون مع المسلمين، ومع زوجها الحبيب في شعب ابي طالب، ولكنها كانت متقدمة في السن، كانت قد تعدت الستين عاماً، فلما انتهي الحصار كانت قد أنهكت، وماتت رضى الله عنها، وفي نفس الشهر الذي ماتت فيه السيدة خديجة، قبل أن تموت بأيام، مات "أبو طالب" عم الرسول حتى سُمَّي هذا العام بعام الحزن

لماذا ماتا في عام واحد ؟ ولماذا ماتا في هذا التوقيت ؟ في أشد مراحل الدعوة حرجاً وصعوبة يفقد الرسول –صلى الله عليه وسلم- النصير القوي، عمه أبو طالب، والحضن الدافيء زوجته خديجة، لو حد فينا هوه اللي بيحط الأحداث كان أكيد اختار توقيت غير ده، كان خلاهم يموتوا –مثلاً- بعد الهجرة أو بعد فتح مكة، انما لأ فقد الرسول –صلى الله عليه وسلم- عمه أبو طالب وزوجته الحبيبة السيدة خديجة في ذروة ايذاء قريش له، ليه ؟ ربنا عاوز يقوله يا محمد مالكش حد غيرى، برضه انته لما تجد كل اللي حوليك اتخلوا عنك، اعرف ان ربنا عاوزك تحس بهذا المعنى، عاوز يقولك مالكش حد غيري

*     *      *

ويخرج الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى الطائف، يخرج اليها مشيا على قدميه، مسافة 100 كم ، مثل المسافة من هنا لطنطا، ويجلس مع ثلاثة من زعماء الطائف، فيجيبونه اجابات سمجة، يقول له أحدهم: أما وجد الله غيرك ليرسله، ويقول الآخر: والله لو رايتك متعلقا بأستار الكعبة ما صدقتك، ويقول الثالث: اما أنك نبيا حقا فأنت أعظم من أن أكلمك، واما أنك تكذب فأنت أدني من أن أكلمك، فيقول الرسول: فان أبيتم فلا تخبروا قريش، مش عاوزين تآمنوا بلاش، بس بلاش تبلغوا قفريشا حتى لا تستقوي علىَّ، فقالوا: لا والله لنخبرن قريشاً قم يا فلان فأخبر قريشاً، فيقول الرسول –صلى الله عليه وسلم- فإن ابيتم فدعوني أذهب، قالوا: لا والله حتى ترضخ بالحجارة، فيقوم الرسول –صلى الله عليه وسلم- يمشي ومعه غلامه العظيم "زيد بن حارثة" وتقف الطائف صفين يرمونه بالحجارة، وزيد يحميه بجسده، وتدمي قدمي الرسول –صلى الله عليه وسلم- بالدم، ويجلس مع زيد يستريح الى جوار حديقة، ويرفع يديه ويقول " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس . . . أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي . . . إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري . إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي . . ! ! أعوذ بنور وجهك ألذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل علي غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك . لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك" ويسمعه صبى نصراني اسمه "عداس" ويعلم أنه نبي فيكب علي يديه وقدميه فيقبلها" ويراه سيده، فيقول له عندما يعود الى البستان: ويحك يا عداس ما هذا ؟ قال: ما في الأرض خير من هذا الرجل

*     *      *

وتبدأ رحلة الإسراء والمعراج، اذا كان هذا ما لقيته يا رسول الله من أهل الأرض فانظر الى مكانتك عند أهل السماء

ويدخل في الإسلام ستة شباب من المدينة، لقيهم الرسول –صلى الله عليه وسلم- عند الحلاق، شوف نبيك بيروح يكلم الناس فين، عند الحلاق، اشمعنى الحلاق، عند الحلاق الواحد قاعد مافيش حاجة يتشغله عنده استعداد يستمع الى اي شيء، ولو على سبيل التسلية، العام القادم السنة يصبحوا اثني عشر، ويبايعوا الرسول –صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الأولي، في العام التالي يصبحوا ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتين ويبايعوا الرسول –صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الثانية

*       *       *

ويأتي الاذن للمسلمين بالهجرة، فيهاجر المسلمون، ولم يبق بمكة الا أبو بكر والرسول –صلى الله عليه وسلم- وعائلة أبي بكر وعائلة الرسول، وفكرت قريش ان أكيد الرسول –صلى الله عليه وسلم- على وشك الهجرة، طالما جميع المسلمين هاجروا، يبقي الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان منتظر لما جميع المسلمين يهاجروا ويطمئن عليهم وبعد ذلك يهاجر

اجتمعت قريش في دار الندوة لبحث هذا الأمر الخطير، لأن معنى هجرة الرسول –صلى الله عليه وسلم- هو بداية دولة اسلامية في المدينة، والمدينة موقعها استراتيجي، موقعها بين مكة والشام، وهو طريق تجارة قريش، وتجارة قريش هي مصدر أموالها، هي الأجنحة التى تطير بها، والمخالب التى تفتك بها

اجتمعت قيادات قريش في دار الندوة: أبو جهل، أبو سفيان، أمية بن خلف، شيبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة، جميع قيادات قريش اجتمعوا واتفقوا على ضروة التخلص من الرسول –صلى الله عليه وسلم- وكان هذا الاجتماع قبل الهجرة بيوم واحد

لماذا لم يتم التخلص من الرسول –صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك، ما بقاله ثلاثة عشرة عام في مكة يدعو الى الاسلام، لمذا لم يقتلوه طوال تلك الأعوام الثلاثة عشر، السبب أن كل قبيلة من القبائل كانت تخشي من قبيلة الرسول –صلى الله عليه وسلم- ان تأخذ بثأر الرسول –صلى الله عليه وسلم- ان هي قتلت الرسول –صلى الله عليه وسلم-

 

اذن ما الجديد ؟! الجديد أن قيادات قريش، ورؤس الكفر فكروا في على أن تتولى جميع القبائل قتل الرسول –صلى الله عليه وسلم- مندوب من كل قبيلة لقتل الرسول –صلى الله عليه وسلم- وبكده آل الرسول –صلى الله عليه وسلم- وقرابته من "بنى هاشم" يصبحوا عاجزين عن الأخذ بثأر الرسول –صلى الله عليه وسلم- ويقبلوا الدية، وينتهي الأمر على ذلك

هذا الاجتماع كما ذكرت كان قبل الهجرة بيم واحد، ولكن ينزل جبريل –عليه السلام- على الرسول –صلى الله عليه وسلم-  ويحذره، ويأمره ألا يبيت هذه الليلة في بيته، ويخرج الرسول –صلى الله عليه وسلم- من بيته في وقت الظهيرة، وهو وقت لا يخرج فيه أهل مكة من بيوتهم لشدة الحرارة، ويخرج وهو ملثم ليخفي وجهه، وكل ذلك امعانًا في التخفي، ويذهب الى أبي بكر ويخبره بأنه سيكون صاحبه في الهجرة، فيبكي أبو بكر من شدة الفرح، لماذا بكي أبو بكر الصديق من الفرح لأنه سيكون ملازمًا للرسول–صلى الله عليه وسلم- عدة أيام بالرغم من أن الرحلة فيها خطورة على حياة أبي بكر الصديق0

وكما كانت قريش تشعر أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- على وشك الهجرة بعد أن هاجر جميع أصحابه، كان أبو بكر الصديق يشعر كذلك أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- على وشك الهجرة، وكان أبو بكر كان قد استأذن الرسول –صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، فقال له الرسول –صلى الله عليه وسلم-  "لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبًا" عندما قال له الرسول –صلى الله عليه وسلم- ذلك شعر أبو بكر وتمنى أن يكون هو صاحب الرسول –صلى الله عليه وسلم- انما لما قاله الرسول –صلى الله عليه وسلم- كده لم يلح في السؤال أدبًا وتوقيرًا للرسول–صلى الله عليه وسلم- انما –في نفس الوقت- اخذ يخطط للهجرة، ازاي خطط أبو بكر وازاي استعد ؟!  اشترى راحلتين، وخلى الراحلتين عن "عبد الله بن أريقط" يرعاهم، لأنه لو خلى الراحلتين عنده سيلفت الانتباه واتفق كذلك مع "عبد الله بن اريقط" على أن  يكون دليلهم في الرحلة من مكة للمدينة، اشمعى اختار أبو بكر "عبد الله بن اريقط" لأنه أولًا لأنه مشرك، مش ممكن أهل مكة يفكروا ان الرسول –صلى الله عليه وسلم- ممكن يستعين بمشرك في مهمة شديدة الخطورة مثل الهجرة، وثانيًا: لأنه أمين لا يمكن يفشى السر، وأبو بكر تاجر ويقدر يفهم الناس ومعادن الناس كويس، وثالث حاجة انه خبير صحراء محنك ومميز جدًا، ودي خدنا منها ان ممكن الاستعانة بالخبرات أيًا كان مصدرها

يعود الرسول –صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك الى بيته، طيب لماذا عاد الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى بيته، ده الوقت ضيق جدًا، ما كان ممكن الرسول –صلى الله عليه وسلم- يخرج مع أبو بكر من بره بره ويهاجروا، عاد الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى بيته حتى يرتب مع "على بن أبي طالب" كيف يرد الودائع الى أهل مكة، يقول ابن كثير في كتابه "السيرة النبوية" ولم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه  الا وضعه عند الرسول –صلى الله عليه وسلم- شوف كل هذا التكذيب وكل هذا الايذاء ومع ذلك مافيش حد يثقوا فيه في مكة كلها الا الرسول –صلى الله عليه وسلم- وشوف الرسول –صلى الله عليه وسلم- عاوزين يقتلوك يا رسول الله وأنت كل همك الآن هو أن ترد اليهم ودائعهم، وشوف بقي لما يقعد مع سيدنا على، ويقوله دي بتاعة فلان، ودي بتاعة فلان، طب الكلام ده مش حياخد وقت، وهوه في عرض دقيقة، بالفعل عندما أراد الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن يخرج من بيته، كان البيت محاصر بالكامل بعشرات من الشباب الأقوياء يحملون سيوفهم ليضربوا الرسول –صلى الله عليه وسلم- ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه بين القبائل زي الخطة الموضوعة، شوف أخلاق الرسول –صلى الله عليه وسلم-  يخاطر بحياته في سبيل ألا يخون الأمانة، الناس اللي بتخون الأمانة، وتكتب شيكات من غير رصيد، والقصص الكثيرة جدًا اللى بنسمعها كل يوم،  الرسول –صلى الله عليه وسلم-  يخاطر بحياته في سبيل ألا يخون الأمانة

ويأمر الرسول –صلى الله عليه وسلم- على بن أبي طالب أن ينام على فراشه ويتغطى ببردته، ليه عشان لما هؤلاء الشباب المحاصرين ينظروا الى داخل البيت يعتقدون أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- لا يزال بالبيت، وبذلك يستطيع تعطيلهم

ويخرج الرسول –صلى الله عليه وسلم- ويأخذ حفنة من التراب ويلقيها في اتجاههم وهو يتلو قوله تعالى في سورة يس ((وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)) فيلقى الله تعالى عليهم النوم ويظلون نائمون طوال الليل الى الصباح

 

يتوجه الرسول –صلى الله عليه وسلم- بسرعة الى بيت ابي بكر الصديق ويخرجان من فتحة في ظهر البيت امعانًا في الاستخفاء، طيب ليه ما يقرأ قول الله تعالى (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) زي ما عمل وهو خارج من بيته، لا لابد أن تأخذ بجميع الأسباب، النصرة من الله تعالى لا تأتي الا اذا أخذت بجميع الأسباب، رحلة الهجرة كلها أخذ بالأسباب، مع عدم الارتكان على هذه الأسباب، وهذا هو المعنى الحقيقي للتوكل

طب ما ممكن زي ما حصل في رحلة الاسراء يأتي البراق، وتحمل الرسول –صلى الله عليه وسلم- من مكة للمدينة، ولا تحمل كل الصحابة، انما لو حصل كده، تبقي فين القدوة، وفين الدروس اللى حنتعلمها من هذه الرحلة العظيمة

يخرج الرسول –صلى الله عليه وسلم-  هو وأبو بكر من فتحة في ظهر بيت ابي بكر الصديق، ويتفقا مع "عبد الله بن أريقط" على أن يأتيهما بعد ثلاثة ليالى عند غار ثور، وغالبًا "عبد الله بن أريقط" هوه اللى دلهم على غار ثور لأنه –كما ذكرنا- خبير صحراء

في الطريق يقف الرسول –صلى الله عليه وسلم- على مشارف مكة وينظر اليها ويقول "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله عز وجل، ولولا أني أُخْرجت منك ما خرجت"

*       *       *

يصعد الرسول –صلى الله عليه وسلم- مع أبو بكر الى غار "ثور" مسافة كبيرة جدًا حوالى ثلاثة ساعات صعود في الجبل، وكان سنك كام سنة يا رسول الله 53 سنة، وأبو بكر 51 سنة

أثناء صعود الرسول –صلى الله عليه وسلم- ينزل قول الله تعالى في سورة القصص ((وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)) الى آخر الآيات، وينزل قول الله تعالى ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ )) يعنى ستعود مرة أخرى الى مكة يا محمد

يصل الرسول –صلى الله عليه وسلم- الى غار "ثور" ويقف أبو بكر أمام الغار ويقول: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فإن كان فيه شيء فيبدأ بي

دخل أبو بكر الغار ووجد فيه شقوق كثيرة، فهذه الشقوق طبعًا تكون بيتا للحيات والعقارب، فكان معه ثوب أخذ يمزقه ويسد هذه الشقوق، حتى سدت جميعًا وبقي شق واحد، فتحة واحدة لم يسدها أبو بكر لأن الثوب الذي معه لم يكف في سد هذا الشق

ودخل الرسول بعد ذلك، وجلس أبو بكر، وأسند الرسول رأسه على فخذ أبي بكر لينام ويستريح، وأبو بكر يسد هذا الفتحة المتبقية بكعب قدمه، ولكن بالفعل هذا الشق كان فيه حية، لدغت أبو بكر، وأخذ أبو بكر يتألم، وتنحدر دموعه من شدة الألم، ولم يرد مع ذلك أن يحرك رجله حتى لا يوقظ رسول الله وتسقط دموع أبو بكر على وجه الرسول فينتبه من نومه، ويقول له: مالك يا أبا بكر؟!، قال: لدغت، فداك أبي وأمي ! فتفل رسول الله فذهب ما يجد

*       *       *

وتقتفي قريش أثر الرسول –صلى الله عليه وسلم- وبلغوا جبل ثور، وصعدوا الجبل حتى وصلوا الى غار ثور،