Untitled Document

عدد المشاهدات : 986

الفصل الواحد والخمسون: فك الحصار

 أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة  

الجُزْءُ الثَالِث: مِنْ نُزُول الوَحْي حَتَى الهِجْرَة - مَرْحَلَة الدَعْوَة المَكِيَة

الفصل الواحد والخمسون

*********************************

فك الحصار

*********************************

 

*********************************

تحدثنا في الفصل السابق عن حصار قريش للمسلمين في شعب أبي طالب، وقلنا أنه هذا الحصار وتلك المأساة استمرت ثلاثة أعوام كاملة

*********************************

"هِشَام بن عَمْرو" وتحركه لنقض الصحيفة

ولم تكن كل قريش موافقة على هذا الحصار البشع، خاصة أن هناك صلات قرابة كثيرة بين بنى هاشم وبنى عبد مناف من جهة وبقية بطون قريش من جهة أخري، وكان أبو سفيان مثلًا غير موافقًا على هذه المقاطعة، ولكن موقفه كان سلبيًا

وكان من أشد المعارضين لهذا الحصار من قريش رجل اسمه "هِشَام بن عَمْرو بن رَبِيعَةَ بن الحَارِث" وكان "هشام" ممن يحمل الطعام سرًا الى بنى هاشم، وكان هذا يعرضه للمخاطر، لأن قريش كانت تتربص بكل من يحاول فك هذا الحصار

ولكن "هشام بن عمرو" وجد أن هذا ليس كافيًا، فتحركت عزيمته على نقض الصحيفة بالكامل، وأخذ "هشام بن عمرو" يبحث عن من يكون معه في هذا الأمر، واستقر رأيه على "زهير بن أبي أمية" لأن أم زهير من بنى هاشم وهي "عاتكة بنت عبد المطلب" عمة النبى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

وقال له: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك حيث تعلم؟!

ثم فيقول: أما إني فأحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام (يعني أبا جهل)، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا.

فقال له زهير: ويحك! ما أصنع وأنا رجل واحد، أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها.

فقال له هشام بن عمرو: قد وجدت رجلاً، فقال زهير: فمن هو؟ قال: أنا.

 

أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك حيث تعلم؟!

فرد زهير بقوله: أبغنا رجلاً ثالثًا.

ذهب "هشام بن عمرو" إلى رجل آخر وهو "المطعم بن عدي" وأخذ يلومه على موافقته للظلم الذي وقع على بنى هاشم وبنى عبد مناف

فقال له المطعم:  ويحك، ماذا أصنع؟! إنما أنا رجل واحد.

قال هشام: قد وجدت ثانيًا.

قال: من هو؟

قال: أنا.

قال المطعم: أبغنا ثالثًا.

فقال له هشام : قد فعلت.

قال: ومن هو؟

قال: زهير بن أبي أمية.

 

ويحك، ماذا أصنع؟! إنما أنا رجل واحد.

فقال له المطعم: أبغنا رابعًا.

وذهب هشام بن عمرو، الى أبي البختري بن هشام، وقال له مثل ما قال للمطعم.

فقال أبو البختري: وهل من أحد يعين على هذا؟

قال هشام: نعم، زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا.

فقال له أبو البختري: أبغنا خامسًا.

فذهب هشام بن عمرو إلى زمعة بن الأسود

فقال له زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟

قال: نعم. ثم ذكر له الأربعة السابقين، فوافق زمعة بن الأسود الأسدي.

 

وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟

*********************************

انقسام "قريش" الى فريقين

هكذا اجتمع هؤلاء الرجال الخمسة، وأخذوا القرار الجريء وهو العمل على نقض الصحيفة، وهؤلاء الخمسة لم يكونوا مسلمين، ولكن كانت عندهم نخوة، وللأسف هذه النخوة لا نراها في كثير من المسلمين، الذين رأوا بأعينهم جرائم الحصار والقتل لملايين المسلمين في البوسنة والعراق وكشمير وفلسطين وبورما

هؤلاء الخمسة كانوا كفار، ومع ذلك لم يتحملوا أن يأكلون ويشربون ويتمتعون، بينما  المسلمون محاصرين! والآن أكثر من مليار ونصف مليار يأكلون ويتمتعون ولا يفكرون في أخوانهم المعذبين من المسلمين في كثير من أنحاء العالم

اجتمع الرجال الخمسة واتفقوا فيما بينهم على خطة، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.

 

اجتمع الرجال الخمسة واتفقوا فيما بينهم على خطة

فلما كان الصباح ذهبوا إلى المسجد الحرام، ونادى زهير على أهل مكة فاجتمعوا له، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى ؟! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

فقام أبو جهل زعيم بني مخزوم، ورد في غلظة، وقال: كذبت، والله لا تشق.

فقام زمعة بن الأسود وقال: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.

ثم  قام أبو البختري بن هشام فقال: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقرّ به.

ثم قام المطعم بن عديّ وقال: صدقتما وكذب من قال غير ذلك "يقصد أبا جهل" نحن نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.

ثم قام هشام بن عمرو، وقال مثل ذلك

حدث كل ذلك في دقيقة واحدة، ووجد أبو جهل نفسه محاصرًا بأراء هؤلاء الخمسة، وهم من سادة قريش، ومن بطون مختلفة، فصاح فيهم أبو جهل: هذا أمر قضى بليل

انقسمت قريش الى فريقين: فريق مع نقض الصحيفة، وفريق متمسك بالصحيفة

 

ما رضينا كتابتها حين كتبت

*********************************

اخبار "أبو طالب" قريش بأكل الصحيفة

وهنا ظهر على المسرح "أبو طالب" عم النبي  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

وكانت هناك حشرة صغيرة أو دودة قد أكلت صحيفة المقاطعة المعلقة داخل الكعبة، ولم تبق فيها الا اسم الله وأطلع الله تعالى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على هذا الأمر، وأخبر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عمه أبو طالب بذلك

فذهب ابو طالب الى قريش، وهي في خلافها –كما ذكرنا- وقد انقسموا قسمين: قسم مع نقض الصحيفة، وقسم متمسك بالصحيفة وقال لهم:

-        ان ابن أخى أخبرني أن الأرضة قد أكلت الصحيفة ولم تبق عليها الا اسم الله، فان كان ما يقوله باطلًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا

فقالوا: فقد رضينا بالذي تقول

فأتوا بالصحيفة، فوجدوها كما أخبر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد أكلت الحشرة الصحيفة بالكامل ولم تبق غير اسم الله تعالى، وبرغم هذه الآية الواضحة جدًا فقد قال بعض زعماء قريش: هذا من سحر ابن أخيك

ولكن مع ذلك لم يبق أمام قريش الا نقض الصحيفة، وهكذا انتهت ثلاثة سنوات كاملة من التجويع والحصار الغاشم جدًا، وخرج المسلمون وبنو هاشم وبنو عبد مناف من شعب أبي طالب تغمرهم الفرحة، وكان ذلك في نهاية السنة التاسعة من البعثة النبوية

 

أخبر "أبو طالب" قريش بأن الأكلة أكلت الصحيفة

*********************************

لقد كانت سنوات الحصار الثلاثة حلقة في سلسلة الابتلاءات التى تعرض لها الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعرض لها المسلمون، وقد نجح المسلمون في هذا الابتلاء

محنة الحصار الي مر بها المسلمون درس لكل من يتعرض للتضييق في سبيل أن يتخلي عن مبادئه فيصبر حتى يتحقق له النصر

محنة الحصار تقول لنا أن النصر مع الصبر، ولا يمكن أن يتحقق أي نجاح الا بالصبر

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************