Untitled Document

عدد المشاهدات : 1375

الفصل التاسع عشر بعد المائة: معركة أحد- الجزء الثاني- خروج المسلمون الى أحد

         أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة  

الجُزْءُ التاسع: معركة "أحد"

الفصل التاسع عشر بعد المائة

*********************************

معركة أحد- الجزء الثاني

خروج المسلمون الى أحد

 *********************************

 

 *********************************

وصول أخبار خروج جيش قريش الى المدينة

كان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المدينة يتابع أخبار قريش منذ بدر، وأخبار استعداهم للقتال، وحتى وصل اليه أخيرًا خبر خروج جيش مكة، كما وصل اليه أنه جيش ضخم، وأنه مسلح تسليحًا جيدًا

وأعلم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المسلمين بذلك فأصبحت المدينة في حالة طواريء واستنفار عام، فحمل الرجال السلاح حتى وهم في الصلاة، وتم حراسة مداخل المدينة، وكانت هناك فرقة لحراسة الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما انطلقت دوريات تتجول حول المدينة

الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستشير الصحابة

وجمع الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصحابة ليستشيرهم -كما فعل في بدر- وكان ذلك في صباح يوم الجمعة السادس من شوال من السنة الثالثة من الهجرة، وأخبرهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- برؤيا رآها، ورؤيا الأنبياء وحي من الله تعالى:

يقول الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

-        رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلَمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدَيَّ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ

و" ذُبَابِ سَيْفِي" هو حد السيف، و "ثَلَمًا" أي كسرًا

قالوا

-        فما أولتها يا رسول الله

قال

-        فَأَمَّا الْبَقَرُ فَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمَّا الثَّلَمُ الَّذِي رَأَيْتُ فِي سَيْفِي فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ، وأما الدرع فالمدينة

واستشار الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصحابه، وكان السؤال هو هل يخرج المسلمون لملاقاة جيش مكة خارج المدينة، أم يتحصنون داخل المدينة ؟ وذلك في ضوء التفوق الكبير لجيش قريش على جيش المسلمين، سواء من ناحية العدد والعدة

 

جمع الرسول أصحابه واستشارهم

الرأي الأول: التحصن في المدينة

وكان رأي "عبد الله بن أبي سلول" سيد الخزرج ورأس النفاق هو التحصن في المدينة، وعدم الخروج لملاقاة جيش مكة خارج المدينة، وقال:

-        يارسول الله كنا نقاتل في الجاهلية فيها، ونجعل النساء والصبيان في الصياصي ونجعل معهم الحجارة، فنقاتل بأسيافنا في السكك، وترمي المرأة والصبي من فوق الصياصي

يا رسول الله إن مدينتنا عذراء ما فضت علينا قط، وما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناه, فدعهم يا رسول الله فإنهم إن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن رجعوا رجعوا خائبين مغلوبين لم ينالوا خيرا, يا رسول الله أطعني في هذا الأمر واعلم أني ورثت هذا الرأي من أكابر قومي وأهل الرأي منهم فهم كانوا أهل الحرب والتجربة

اذن رأي "عبد الله بن أبي بن سلول" هو عدم الخروج لملاقاة قريش، والتحصن في المدينة، خصوصًا ان المدينة بطبيعتها الجغرافية محصنة، فاذا أقامت قريش في مكانها فهي المتضررة، واذا رجعت بلا قتال فقد رجعت خائبة لم تصنع شيئًا، واذا دخلت المدينة، تفرقت في شوارعها وقاتلها المسلمون حرب شوارع، والتاريخ يشهد أن الهزيمة هي نصيب كل من يتجرأ ويدخل المدينة

ووافق "عبد الله بن أبي بن سلول" في رأيه الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما وافقه عدد من كبار الصحابة، والخبراء العسكريين الآن يرون أن هذا كان هو الإختيار الأفضل

 

يا رسول الله أطعني في هذا الأمر

الرأي الثاني: الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة

ولكن عارض هذا الرأي وأراد الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة عدد آخر من الصحابة، على رأسهم "حمزة بن عبد المطلب" وشباب الأنصار المتحمس للقتال، وكذلك الذين فاتهم القتال في بدر، وقالوا:

-        يا رسول الله إنا نخشى أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبنًا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاث مائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، وقد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا

وقال أحد الصحابة:

-         أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب فيكون هذا جرأة لقريش.

وقال آخر:

-        يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا أتانا في دارنا، فكيف وأنت فينا

وقال آخر:

-        يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين، إما أن يظفرنا بهم أو يرزقنا الشهادة !

وقال أحدهم:

-        نحن نرجو أن نذبح ويذبح فينا فنصير الى الجنة ويصيرون الى النار

وقال البعض:

-        يا رسول الله لم تحرمنا الجنة ؟!

وقال حمزة:

-        والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة

وهكذا كان رأي الأغلبية مخالفًا لرأي الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة، ونزل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على رأي الأغلبية، وكان القرار هو الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة،  وفي هذا أقوي رد على من يقول أن الشوري ليست ملزمة لولي الأمر

 

والله لا أطعم طعاما حتى أجالدهم خارج المدينة

الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتجهز للقتال

صلى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الجمعة بالناس، وحضهم في خطبته على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، ثم أمرهم بالتهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس وانصرفوا بعد الصلاة يستعدون للقتال، ثم صلى بهم العصر، وقد اجتمع الناس بملابس الحرب، ثم  دخل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى بيته ليرتدي ملابس الحرب

خرج الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بملابس الحرب، وقد لبس الخوذة، ولبس درعين، وتقلد سيفه، وجعل الترس خلف ظهره، وأمسك القوس، وركب فرسه

 

سيف الرسول في احد متاحف تركيا

الصحابة يتراجعون عن رأيهم والرَسُولُ يحسم القرار

ولكن كان المسلمون الذين ألحوا على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالخروج قد شعروا بالندم وقالوا: استكرهنا رسول الله، فلما خرج اليهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرتديًا ملابس الحرب، قالوا:

-        يا رسول الله اصنع ما شئت، ان شئت أن نمكث

فقال لهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

-        ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته ـ أي ملابس الحرب- أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه

أي أن من خصائص الأنبياء أن النبي اذا استعد للحرب ألا يتراجع عن قراره، لأنه لا يجوز التردد في في هذه المواقف الحاسمه

هكذا خرج جيش المسلمين من المدينة بعد صلاة العصر، بقيادة الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- راكبًا فرسه، و"سعد بن معاذ" سيد الأوس و"سعد بن عبادة" سيد الخزرج يعدوان أمامه

 

خرج جيش المسلمين من المدينة بعد صلاة العصر