Untitled Document

عدد المشاهدات : 2098

الفصل الثالث والثلاثون بعد المائة: مأساة بئر معونة

  أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة

الجُزْءُ العاشر: الأحداث من "أحد" الى "الأحزاب"
الفصل الثالث والثلاثون بعد المائة
*********************************
مأساة بئر معونة
*********************************

*********************************
تحدثنا في الفصل السابق عن غدر قبيلتى "عَضَل" وَ"الْقَارَةُ" وهو مايعرف بفاجعة "الرجيع" وقلنا أن هذه الحادثة المؤسفة وقعت في شهر "صفر" من السنة الثالثة من الهجرة، أي بعد أحد بأربعة أشهر فقط
في نفس الشهر، وهو شهر صفر 3 هـ حدثت واقعة أخري، أشد بشاعة وهي مأساة "بئر معونة" 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قدوم "مُلاَعِبِ اْلأَسِنَّةِ" على الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
قدم على المدينة، فارس من أشهر فرسان العرب وهو "أبو براء عامر بن مالك" وكان يلقب بمُلاعِب الأسِنَّة، وذلك لمهارته الشديدة جدًا في القتال بالسيف والحربة، فكان يقاتل بسيفين، وكان يقاتل والفرسان يحيطون به من كل جانب، وقيل أن من أطلق عليه هذه التسمية أحد الفرسان المشهورين كان يبارزه، وكان "عامر بن مالك" يغلبه في كل مرة، فقال له هذا الفارس: من أنت يا فتى كأنك ملاعب الأسنة؟ فعرف بذلك الإسم، وبلغ من شهرته أنه صار مثلًا في العرب قولهم: "أَفْرَسُ مِنْ مُلاَعِبِ اْلأَسِنَّةِ" 
وكان "عامر بن مالك" هو سيد "بنى عامر" وهي من أقوي قبائل الجزيرة العربية، ولكنه حين قدم المدينة في ذلك الوقت كان قد شاخ وتقدم به العمر، فآلت سيادة "بنى عامر" الى ابن أخيه "عامر بن طفيل" 
وكان "عامر بن طفيل" فارسًا قويًا، من فتاك العرب، وكان شرسًا سيء الخلق

قدم على المدينة "مُلاعِب الأسِنَّة"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
"عامر بن مالك" يجير الصحابة
قدم "عامر بن مالك" على المدينة وهو -كما قلنا- شيخ كبير، وقدم هدية الى الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وعرض عليه الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الإسلام، فلم يسلم ولم يرفض الاسلام
كان "عامر بن مالك" قد اقتنع بالإسلام، ولكنه لم يسلم، خوفًا على مكانته في قبيلته لأنه من سادة  قومه، فعرض "عامر بن مالك" على الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يرسل رجالًا الى قومه يدعوهم الى الإسلام، لأنه يريد لقومه أن يسلموا ويسلم معهم، وقال:
- يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك الى أهل نجد يدعونهم الى أمرك، فإني أرجو أن يستجيبوا لك
فقال الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ 
لم يكن للدولة الإسلامية في المدينة تحالفات في منطقة نجد، لأن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان حريصًا على عقد التحالفات حول المدينة، والمنطقة من المدينة الى مكة، لأن قريش هي عدوه الأول، أما منطقة نجد فلم يكن فيها قبائل متحالفة مع المسلمين، لذلك خشي الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يرسل أصحابه الى هذه المنطقة، خاصة أن هناك عداء للمسلمين في كل أنحاء الجزيرة، بسبب الدعاية السيئة والتى لا تتوقف عنها قريش ضد المسلمين 
فقال له عامر بن مالك:
- أنا جارٌ لهم
يعنى هم في حمايتى، وكان "الجوار" من أعراف العرب
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قتل "عامر بن طفيل" لحرام بن ملحان
 
استجاب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لعامر بن مالك لحرصه على نشر الاسلام في هذه المنطقة الجديدة، وأرسل الى نجد سبعين من أصحابه، وكان ذلك –كما قلنا- في شهر "صفر" من السنة الرابعة من الهجرة، وهو نفس الشهر الذي غدرت به قبيلتى "عَضَل" وَ"الْقَارَةُ" وبعد أحد بأربعة أشهر فقط 
وكان هؤلاء السبعين الذين أرسلهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  يطلق عليهم القراء، وكانوا من خيار الصحابة وفضلائهم، وكانوا يعملون في النهار، ويشترون الطعام لفقراء الصحابة، ويتدارسون القرآن ويصلون بالليل، حتى أطلق عليهم القراء
فساروا حتى نزلوا عند بئر يطلق عليه "بئر معونة"  بين "بنى عامر" و"بنى سليم" وهو أقرب الى "بنى سليم" ولم يريدوا أن يدخلوا على "بنى عامر" دفعة واحدة، وانما قرروا أن يرسلوا رسولًا، فأرسلوا "حرام بن ملحان" ودخل على "عامر بن طفيل" وهو –كما قلنا-  سيد بنى عامر، وابن أخ " عامر بن مالك" الذي أجار المسملين، وقال له: 
- إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله
فلم يمهله "عامر بن طفيل" وأشار الى أحد رجاله، واسمه "جبار بن سلمي" فطعنه بالحربة في ظهره، وخرجت من بطنه، فأخذ "حرام بن ملحان" من دمه وهو يسيل وأخذ يدهن به وجهه وهو يقول 
- الله أكبر، فزتُ وربِّ الكعبة
وتعجب قاتله "جبار بن سلمي"  وأخذ يسأل: 
- ما فاز ؟ أوَلستُ قد قتلته؟ 
فقالوا له: 
- إنها الشهادة عند المسلمين ! 
فقال: 
- نعم فاز والله
ثم ذهب الى المدينة وأسلم

طعنه بالحربة في ظهره، فقال "حرام بن ملحان" فزتُ وربِّ الكعبة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
غدر قبائل "بنى سليم" بالصحابة
 
كان قتل "حرام بن ملحان" من سوء أخلاق "عامر بن طفيل" لأنه أولًا رد جوار عمه "عامر بن مالك" أي أنه –كما نقول- لم يحترم عمه مع أن كل "بنى عامر" احترمت هذا الجوار 
ثم هو قتل رسول، والرسل لا تقتل، وكانت هذه قاعدة عند العرب، وعند كل الدول وحتى الآن
‏ثم دعا "عامر بن طفيل" قبيلته للخروج وقتل المسلمين عند "بئر معونة" ولكنهم رفضوا لأنهم في جوار سيدهم "عامر بن مالك" فأرسل سريعًا الى قبائل "بنى سليم" فخرجت اليه ثلاثة قبائل منهم، وهم "رِعل وذَكوان وعُصيَّة" وأحاطوا بالمسلمين عن "بئر معونة" وأخذ المسلمون سيوفهم ودافعوا عن أنفسهم، ولكنهم قتلوهم عن آخرهم، لم يبق إلا "كعب بن زيد" الذي جرح وظنوه قد قتل، ولكنه عاش، ثم مات شهيدًا بعد ذلك بعام واحد في غزوة الخندق  

خرجت عليهم ثلاثة قبائل وقتلوهم عن آخرهم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
انتقام "عمرو بن أمية" من رجلين من "بني عامر"
 
في نفس الوقت كان اثنين من الصحابة يمران بالمنطقة، وهما: المنذر بن عقبة وعمرو بن أمية، فوجدوا الطيور تحوم في السماء فوق معسكر المسلمين عند بئر معونة، فقالا: والله ان لهذه الطيور لشأن، وأسرعا الى أصحابهم، فوجدوهم قد قتلوا، فانطلقا يقاتلان هما أيضَا، فقتل "المنذر بن عقبة" ووقع "عمرو بن أمية" في الأسر، ثم أعتقه "عامر بن طفيل" ولم يقتله، لأن أمه كان عليها عتق رقبة
وفي الطريق لقي "عمرو بن أمية" رجلين وعلم أنهما من "بني عامر" ونزلا معه في ظل شجرة، فلما ناما قتلهما عمرو بن أمية، ثأرًا لما فعل بأصحابه، وكان معهما عهدٌا من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو لا يعلم بذلك، فلما عاد الى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخبره قال له:
- قَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنَ لَأَدِيَنَّهُمَا
وكان ذلك من مكارم أخلاقه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فقد جاءه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خبر هذين القتيلين مع خبر استشهاد السبعين من صحابته، ومع ذلك لم تصرفه الرغبة في الثأر لمقتل هؤلاء الصحابة عن أداء ما عليه من أداء الدية لهذين القتيلين اللذين قُتلا عن طريق الخطأ

مأساة "بئر معونة"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
دعاء الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على قبائل "بنى سليم"
 
لقد كانت مأساة بئر معونة شديدة القسوة على المسلمين؛ فقد كانوا من خيرة الصحابة، وقد كانت مع مأساة "الرجيع" في شهر واحد، وهو شهر صفر عام 4 هـ ، و بعد هزيمة "أحد" بأربعة أشهر 
واذا كانت مأساة الرجيع فقد فيها المسلمون عشرة، فقد فقد المسلمون في فجيعة "بئر معونة" سبعون، وهو عدد كبير جدًا، وهو نفس عدد شهداء أحد
وغلب الحزن الشديد على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلى المسلمين، ربما أكثر من أحد، لأن في أحد كانت هناك مواجهة، وكان هناك قتلى من المشركين وجرحي، ولكن في "بئر معونة" قتل هؤلاء السبعون غدرًا وغيلة، وكان فيها استخفاف بالمسلمين
ومن شدة حزن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على هؤلاء السبعين، ظل الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يدعو على هذا حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى: رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ شهرًا كاملًا، يقنت في صلاته، أي يدعو بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة، وذلك في الصُّبْحِ والظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، قال عكرمة: هذا مفتاح القنوت، يعنى كان هذا هو بداية القنوت في الصلاةِ

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************