Untitled Document

عدد المشاهدات : 2487

الفصل الثامن والعشرون بعد المائتين: يوم حنين- الجزء الأول- الطريق الى حنين

 أسْرَار السيرة الشَرِيفَة- منهج حياة

الجزء التاسع عشر: يوم حنين
الفصل الثامن والعشرون بعد المائتين
*********************************
يوم حنين- الجزء الأول
الطريق الى حنين
*********************************

*********************************
لم يمر على فتح مكة في 20 رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، أيام قليلة حتى وصل للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن "هوازن" قد اجتمعت لحرب المسلمين
فمن هي قبيلة "هوازن" ؟ ولماذا اجتمعت على حرب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

من هي هوازن ؟

قبيلة "هوازن" واحدة من أكبر وأشرس قبائل الجزيرة العربية، وهي تضم عددًا كبيرًا جدًا من القبائل، وأكبر هذه القـبائل هي: بنو نصر، وبنو سعد، وهم الذين استرضع الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيهم، ثم قبيلة "ثقيف" وهي أكبر قبائل "هوازن"
وكانت أغلب قبائل "هوازن" في الشمال الشرقي من مكة، على بعد حوالى 20 كم من مكة، بينما قبيلة "ثقيف" وحدها اتخذت مدينة "الطائف" في الجنوب الشرقي من "مكة" 
وكانت "ثقيف" من أكبر وأقوي قبائل الجزيرة، وكانت مدينة "الطائف" هي المدينة الثانية في الجزيرة بعد "مكة" حتى أن الله تعالى ذكر قول الكفار ((وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ))
وكانوا يقصدون بالقريتين: مكة والطائف، وكان في "الطائف" صنم اللات، وهو –كما ذكرنا- من أشهر أصنام العرب، وأحد أطراف الثالوث اللإهي: اللات والعزي ومناة
وكانت هذه القبائل من "هوازن" كما هو حال العرب في كل مكان في الجزيرة العربية تعيش حياة التفرق والتنافر والإقتتال فيما بينها، ولم يحدث أبدًا أن توحدت في كيان واحد سواء سياسيًا أو عسكريًا

خريطة القبائل العربية وتظهر قبيلة "هوازن" و"ثقيف"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

"هوازن" تتجمع لأول مرة في تاريخها تحت قيادة واحدة

ولكن في ذلك الوقت وفي السنة الثامنة من الهجرة، ولأول مرة في تاريخ "هوازن" تجمعت كل قبائل "هوازن" في جيش واحد، وتحت قيادة واحدة لحرب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
وكان قائد هذا التحالف من قبائل "هوازن" هو "مالك بن عوف النصري" وكان شابًا لم يبلغ الثلاثين من عمره، ولكنه كان من أشهر فرسان الجزيرة، وكان معروفًا بخططه العسكرية المميزة، كما كان شاعرًا وخطيبًا مفوهًا، وله قدرة فائقة على حشد الناس والتأثير عليهم
وبالفعل استطاع "مالك بن عوف" أن يجمع كل قبائل "هوازن" في جيش واحد تحت قيادته، وهذا أمر لم يحدث من قبل –كما ذكرنا- في تاريخ "هوازن" وهذا يدل على مدي كفائته في حشد الناس والتأثير عليهم، خاصة أنه من قبيلة "بنى نصر" واستطاع أن يجمع تحت قيادته "ثقيف" ومعروف أن "ثقيف" هي أعظم قبائل "هوازن" وأكثرها عددًا وأقواها جيشًا، ومع ذلك قبلت "ثقيف" أن تسير تحت راية "مالك بن عوف" وهذا يدل أيضًا على شدة شعور "هوازن" بالخطر حيث أنها قدمت في هذا الوقت الحرج المصلحة على ما نشأ عليه العرب من القبلية
واستطاع "مالك بن عوف" أن يحشد من "هوازن" أكثر من خمسة وعشرين ألف مقاتل، وهذا أكبر رقم يُجمع في معركة واحدة في تاريخ العرب حتى ذلك الوقت
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

لماذا تقاتل "هوازن" الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟

أما لماذا تقاتل "هوازن" الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟ فالسبب معروف وهو ما نشأ عليه العرب من "القبلية" يعنى الاعتزاز الشديد بالقبيلة ورفض الإنضواء تحت راية قبيلة أخري، فكانت "هوازن" وغيرها من القبائل العربية تنظر الى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس أنه رسول من الله تعالى، ولكن تنظر اليه على أنه رجل من "قريش" وأنها ستنضوي تحت راية قبيلة "قريش"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

"مالك بن عوف" يأمر "هوزان" بأن يأخذوا معهم كل ما يمتلكوه

وأمر "مالك بن عوف" "هوزان" بأن يأخذوا معهم الى أرض القتال: النساء والأطفال والأنعام والأموال وكل ما يمتلكوه، فتوضع خلف الجيش، وذلك لتحفيز الجيش على القتال، ويستميت في الدفاع عن نسائهم وأطفالهم وأموالهم 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

خروج "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" مع جيش "هوازن"

وكان قد خرج مع الجيش أحد شيوخ "هوازن" المخضرمين عسكريًا وهو "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" وكان عمره أكثر من مئة وعشرون سنة، وقيل أنه خاض مائة معركة لم يهزم في واحدة منها، وقد خرج على راحلة في هودج صغير ليس للحرب ولكن ليسترشدوا برأيه، وقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

اعتراض "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" على خروج "هوازن" بكل ما يمتلكون

وسار الجيش حتى نزل وادي "أوطاس" وعلى بعد حوالى 50 كم من مكة، يعنى مسيرة يوم تقريبًا من مكة، وكان "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" قد كف بصره أو ضعف جدًا فقال لمن حوله:
- بأي وادٍ أنتم
قالوا: 
- بأوطاس
فقال:
- نعم مجال الخيل، لا حَزْنٌ ضَرِسٌ ولا سَهْلٌ دَهِسٌ
يعنى هذا الواد أفضل مكان للخيل والحرب والقتال والكر والفر، لأنه ليس "حَزْنٌ ضَرِسٌ" يعنى الأرض ليست صلبة غليظة فيصعب عيها المشي، "ولا سَهْلٌ دَهِسٌ" يعنى ليست لينة جدًا فيثقل فيها المشي  


وادي أوطاس ومكانه من أرض المعركة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم قال "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة":
- ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ؟
قالوا ‏:‏ 
- ساق "مالك بن عوف" مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم
فقال‏:‏ 
- أين مالك ‏؟‏
فجاء اليه "مالك بن عوف" فقال له "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة"
- يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير ‏؟‏
قال: 
- سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم
قال ‏:‏ 
- ولم ذاك ‏؟‏ 
قال ‏:‏ 
- أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ، ليقاتل عنهم، 
فأخرج "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" صوتًا من فمه كالصوت الذي يخرجه الرعاة للغنم وقال‏:‏ 
- راعي ضأن والله ‏!‏ 
أي أنت لا تعدو إلا أن تكون راعيًا للغنم، ولا  تصلح للقيادة العسكرية

قال "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة": ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ؟
ثم قال  "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" 
- راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء ‏؟‏ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ‏.‏
ثم قال له:
- إنك تقاتل رجلاً كريمًا، قد أوطأ العرب، وخافته العجم، وأجلى اليهود 
ولكن "مالك بن عوف" أصر على رأيه وقال له:
- والله لا أطيعك، إنك قد كبرت وضعف رأيك
فقال "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" يخاطب الناس:
- يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم -يقصد نسائهم- وممكِّن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه
وكادت أن تتأثر "هوازن" برأي "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة" ولكن "مالك بن عوف" كما قلنا كان خطيبًا مفوهًا، وله قدرة على التأثير على الناس، فسل سيفه وقام وهو يقول: 
- والله لتطيعُنَّنِي يا معشر هوازن أو لأتكِئَنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري
فأطاعت "هوازن" "مالك بن عوف" النصري، ولم يلتفت أحد الى رأي الخبير العسكري "دُرَيْد بنِ الصِّمَّة"
ومع فان رأي "مالك بن عوف" لم يكن رأيًا أحمقًا، لأنه يعلم أن المسلمون يقاتلون رغبة في الشهادة، وهذا شيء لا تعرفه العرب، وقد كان العرب في الجاهلية لا يؤمنون بيوم القيامة، ولا بثواب ولا بعقاب بعد الموت، يقول تعالى ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)) فأراد "مالك بن عوف" أن يعوض بذلك التصرف هذا التفاوت الكبير بين الروح المعنوية بين الجيشين
أيضًا بعض العرب كانت تفعل ذلك، فهو لم يفعل شيء لم يفعله أحد من العرب من قبل 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وصلت الأخبار الى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بخروج "هوازن" فقرر على الفور الخروج اليها
ما الذي حدث بعد ذلك ؟ هذا سيكون حديثنا في الفصل القادم

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************