Untitled Document

عدد المشاهدات : 1369

الفصل الخامس والأربعون بعد المائتين: غزوة تبوك- الجزء الأول- الخروج الى تبوك

 أسْرَار السيرة الشَرِيفَة- منهج حياة

الجزء الحادي والعشرون: غزوة تبوك
الفصل الخامس والأربعون بعد المائتين
*********************************
غزوة تبوك- الجزء الأول
الخروج الى تبوك
*********************************

*********************************
الإمبراطورية الرومانية تحشد جيوشها لغزو الجزيرة
في منتصف العام التاسع تقريبًا وصلت الى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخبار في غاية الخطورة، وهي أن الإمبراطورية الرومانية قد حشدت جيوشها من الروم والعرب الغساسنة الموالين لها لغزو الجزيرة العربية، والوصول حتى المدينة المنورة
وجاءت الأخبار الى أن هذه الجيوش قد وصلت الى منطقة البلقاء، وهي المنطقة الموجودة الآن في شمال غرب الأردن (ملاصقة للضفة الغربية الفلسطينية)
وكان سبب حشد هذه الجيوش هو خوف الإمبراطورية الرومانية من التصاعد السريع لقوة الدولة الإسلامية، والرغبة في كسر شوكة المسلمين قبل أن يستفحل خطرها وتهددها في عقر داره، وكذلك الرغبة في الإنتقام من الإنتصار الذي حققه المسلمون في مؤتة، قبل هذا التاريخ بعام واحد 
ونزل الأمر الإلهي بقتال الروم، يقول تعالى في سورة التوبة ))يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً(( ومعنى "يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ" يعنى أقرب الكفار من دياركم، والروم في الشام هم أقرب الكفار الى المسلمين  


منطقة البلقاء بالأدرن
===============
الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقرر الخروج لقتال الروم 
اتخذ الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- القرار السريع والحاسم بالخروج لقتال الروم في الشام قبل أن يتحركوا هم في اتجاه المدينة، مع أن الجيش الذي سيظل في مكانه سيتمتع بميزة هامة، وهو أن الجيش الآخر سيصل اليه مرهق، لأن المسافة بين المدينة وبين الشام طويلة جدًا، تزيد عن الألف كم في صحراء قاحلة، وطرق وعرة، وحرارة شديدة جدًا وكان الوقت في شهر أغسطس
ومع ذلك اتخذ الرَسُولُ القرار بالزحف في اتجاه الشام، برغم علم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأن هذا التحرك سيفقده هذه الميزة النسبية، ومع علمه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الجنود الرومان والغساسنة لا يتحملون التوغل في الصحراء هذه المسافة الطويلة وفي هذه الحرارة العالية
وكان السبب في ذلك هو أن عدد كبير من القبائل بين المدينة وبين الشام قد دخلت في الإسلام، ولو ظل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المدينة وترك هذه القبائل في مواجهة الجيوش الرومانية فهذا معناه التدمير الكامل لهذه القبائل، و الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس مسئولًا فقط عن أمن المدينة ولكنه مسئولًا عن أمن الجزيرة كلها
وسبب آخر هو أن مجرد تحرك جيش المسلمين في الجزيرة العربية هو تدعيم لقوة وسلطان المسلمين في الجزيرة

اتخذ الرَسُولُ القرار بالزحف في اتجاه الشام
===============
الرَسُولُ يعلن وجهة الجيش لأول مرة
أمر الرَسُولُ الصحابة بالتجهز للقتال، كما أرسل الى القبائل العربية التى دخلت في الإسلام، ولأول مرة يعلن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وجهة الجيش، وكان من عادته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يخفي وجهة الجيش حتى يفاجأ أعدائه، ولكن في هذه الغزوة لم يخفي وجهة الجيش لعدة أسباب:
- أن المسافة بعيدة جدًا والطرق وعرة والحر شديد، فينبغي أن يستعد المسلمون لذلك بتجهيز المؤن وغيرها، ، لدرجة أن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر أن يصحب كل رجل معه نعلان، وكذلك تجهيز أنفسهم نفسيًا لهذه الغزوة الشاقة
- أن الجيش به عدد كبير من الأعراب الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، فكان لابد من الإعلان حتى لا تحدث معارضة من هذه الإعداد الكبيرة بعد الخروج
- أن اخفاء الجيش في هذه الغزوة أمر صعب جدًا نظرًا لضخامة الجيش وبعد المسافة، فاذا حاول المسلمون اخفاء الجيش فغالبًا لن ينجحوا

المسافة بعيدة والطرق وعرة والحر شديد
===============
تسارع الصحابة في الصدقة لتجهيز الجيش
وحث الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الصدقات لتجهيز الجيش، فتسارع الصحابة في الصدقة، وكانت لأغنياء الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي وغيرهم الكثير
وتصدق "عبد الرحمن بن عوف" بنصف ماله، وكانت حوالي 24 كيلو جرام من الفضة
وتصدق "عمر بن الخطاب" بنصف ماله كذلك، وكانت ثلاثة آلاف درهم، يقول "عمر" أمرنا الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فحئت بنصف مالى، وقلت: اليوم أسبق أبا بكر، فقال الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
- ما أبقيت لأهلك ؟
فقال عمر: 
- مثله
ثم أتي أبو بكر، وتصدق بأربعة آلاف درهم، فقال له الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
- ما أبقيت لأهلك ؟
فقال أبو بكر: 
- أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر: 
- - لا أسابقك الى شيء أبدا  
وكانت هذه هي ثاني مرة يتصدق فيها أبو بكر بكل ماله 
وتصدق فقراء المسلمين بما يقدرون عليه، حتى أن بعضهم مثل "أَبُو عَقِيلٍ" تصدق ببعض التمر
وبعثت النساء بحليهن من خواتم وخلاخل وقرط وغير ذلك  

بعثت النساء بحليهن من خواتم وخلاخل وقرط 
===============
مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ
أما أكبر من أنفق في هذا اليوم فهو "عثمان بن عفان" يقول "عبد الرحمن بن حباب" شهدت الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال: 
- يا رسول الله, عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله
"بأحلاسها وأقتابها" يعنى بكامل عدتها، فنزل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- درجة من على المنبر، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان، فقال: 
- يا رسول الله, عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، 
فنزل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- درجة ثانية على المنبر
وكان نزول الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من على المنبر حركة عملية يقول بها حتى يشعر الصحابة أن تجهيزالجيش قد اقترب اكتماله، حتى أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على وشك ترك المنبر وتوقف حثه للصحابة على الصدقة
ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: 
- يا رسول الله, عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله 
فنزل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من على المنبر الدرجة الثالثة وهو يقول: 
- مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ 
ثم جاء عثمان بألف دينار من الذهب في ثوبه، ووضعها بين يدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فجعل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقلبها بيده ويقول "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" يكررها ومعنى "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" يعنى ما فعله كفارة لكل ذنوبه الماضية والآتية أيضًا، وهذه بشارة بحسن الخاتمة

جاء عثمان بألف دينار من الذهب في ثوبه
===============
البكائون
ومع كل هذه النفقة فلم تكفِ الأموال لتجهيز كل من أراد الخروج للجهاد في هذا الجيش فلم يكن عند المسلمون الأموال لشراء "أَبْعِرَة" أو "مراكب" تكفي كل المسلمين، فكان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يرد بعض فقراء المسلمين ويقول لهم 
- لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ

كان الرَسُولُ يرد بعض الفقراء ويقول لهم لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
وبعض هؤلاء عندما ردهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بكي من شدة الحزن
وقد سجل لهم القرآن العظيم هذا الحزن النبيل فقال تعالى (( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ(( 

وقد أطلق على هؤلاء "البكائيين" وقيل أن عددهم سبعة ومن هؤلاء "عُلْبَة بن زيد" الذي خرج من المسجد وهو يبكي، ثم ذهب الى بيته وأخذ يصلى طويلا في الليل، ثم رفع يده مناجيًا الله تعالى "اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أحمل عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض", فلما أصبح وصلى مع النبي قال النبي: 
- أين المتصدق هذه الليلة؟
فلم يقم أحد, ثم قال: 
- أين المتصدق فليقم
فقام فأخبره فقال الرسول: 
- أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة
لأن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يحث على تجهيز الجيش كان يقول وهو يخطب في المسلمين "من ينفق نفقة متقبلة"

===============
الرسول ياذن للمنافقين بعد الخروج
وفي المقابل جاء الى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعض المنافقين وضعيفي الإيمان يطلبون الإذن من الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعدم الخروج للقتال، ويتعللون بعلل واهية
من هؤلاء مثلًا "الْجَدّ بْن قَيْس" الذي جاء الى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقال: 
- يا رسول الله إني مغرّم بالنساء وأخشى إن رأيت ُ نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأُفتتن 
فاذن له الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقد سجل الله تعالى موقف هؤلاء المنافقين فقال تعالى ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) "وَلَا تَفْتِنِّي" يعنى لَا تَبْتَلِنِي بِرُؤْيَةِ نِسَاء بَنِي الْأَصْفَر، وكان العرب يطلقون على الروم "بنى الأصفر" لأنهم يتعاملون بالعملات الذهبية
هكذا كان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يأذن لهؤلاء المنافقين لأن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يريدهم في الجيش، لأنهم يثبطون الجيش
 ولكن الله تعالى عاتب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أنه أعطي الإذن لهؤلاء فقال تعالى ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ )) 
يقول المفسرون: هَلْ سَمِعْتُمْ بِمُعَاتِبَةٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا ؟ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ الْمُعَاتَبَةِ
فالله تعالى يقول للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما كان ينبغي أن تأذن لهم، لإنك اذا لم تأذن لهم، واصروا على القعود فستعلم الصادق من الكاذب

يا رسول الله أخشى إن رأيت ُ نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن
===============
محاولات المنافقون تثبيط المسلمين عن النفقة
ليس هذا فحسب كان المنافقون يحاولون تثبيط المسلمين عن النفقة فعندما يجدون أحد أغنياء المسلمين يتصدق بالأموال الكثيرة يقولون ما فعل هذا الا رياءًا، وعندما يتصدق بعض الفقراء بالأموال القليلة يقولون "ان الله لغنى عن هذه الصدقة"
فعندما تصدق "عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ"  بِنِصْفِ مَالِهِ، قالوا: مَا أَعْظَمَ رِيَاءَهُ; وجاء أحد الصحابة فقير اسمه "أَبُو عَقِيلٍ" ببعض التمر، قالوا" إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا" 
فنزل قول الله تعالى في سورة التوبة (( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) و" يَلْمِزُونَ" يعنى يعيبون، و"الْمُطَّوِّعِينَ" أَصْلُهُ الْمُتَطَوِّعِينَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ

حاول المنافقون تثبيط المسلمون عن النفقة
===============
الحسم الشديد في التعامل مع المنافقون
ليس هذا فحسب بل كان المنافقون يتجمعون في بيت رجل يهودي اسمه "سويلم"  ويثبطون الناس عن الخروج والغزو ويتعللون بشدة العدو، والحر الشديد، ويقولون ((لا تنفِرُوا فى الحَرِّ)) كما قال تعالى، وأن الوقت هو وقت جنى الثمار، فأرسل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "طلحة بن عبيد الله" في نفر من اصحابه، وأمره أن يحرق عليهم البيت، وليس معنى هذا أنه أحرقهم ولكن أحرق البيت وفروا وارتدع المنافقون
وهذا درس هام جدًا من دروس السيرة وهو التعامل بحسم شديد مع من يريد أن يهدم أركان الدولة

أرسل الرَسُولُ "طلحة بن عبيد الله" فأحرق بيت "سويلم" اليهودي
===============
جيش الْعُسْرَةِ
تجهز جيش المسلمين وبلغ تعداد الجيش ثلاثون الف مقاتل، وعشرة آلاف فرس، وهذا غير الذين تخلفوا عن الغزوة بسبب قلة النفقة، وأطلق على هذا الجيش "جيش العسرة" لأن الخروج في هذا الجيش كان أمر "عسير" وشاق ، والجزاء دائمًا على قدر المشقة، فمن يصوم في الصيف ليس كمن يصوم في الشتاء، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، ليس كمن يقرأه بسهولة، والذي أطلق عليه "جيش العسرة" هو القرآن العظيم، يقول تعالى (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) 

بلغ تعداد الجيش ثلاثون الف مقاتل، وعشرة آلاف فرس
===============
أسباب الصعوبة الشديدة في الخروج الى تبوك
وبالفعل كان الخروج في هذا الجيش هو أصعب مرة خرج فيها المسلمون لأسباب كثيرة:
- قوة العدو وشدته، وتفوقه في العدد والعدة
- بعد المسافة، أكثر من 1000 كم
- قلة المؤن من الطعام والشراب
- قلة الأبعرة
- أن الوقت الذي خرج فيه الجيش هو وقت جنى الثمار، والمدينة بلد زراعي، وأغلب أهله يعملون بالزراعة

كان الوقت الذي خرج فيه الجيش هو وقت جنى الثمار
===============
خروج الجيش 
خرج الرَسُولُ على رأس الجيش، وكان عمر الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذه الغزوة شديدة الصعوبة 62 عام، وكان خروج الجيش في يوم الخميس غرة رجب من السنة التاسعة، واستعمل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على المدينة "محمد بن مسلمة" وخلف الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أهله علي بن أبي طالب
وحتى هذا الموقف لم يتركه المنافقون، فقالوا أنه ترك عليًا في المدينة لأنه استثقله، فلحق على بالجيش وذكر ذلك للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال له الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
- كذبوا, إنما خلفتك لما تركت ورائي, فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك, فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي 
أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي
===============
تناول القرآن لغزوة تبوك
ونزل القرآن العظيم يسجل هذه المواقف في سورة التوبة، يقول تعالى ((فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ (87) لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 

===============
انطلق الجيش الكبير في اتجاه الشام، وحدثت مواقف كثيرة أثناء تحرك الجيش، نتناولها في الفصل القادم ان شاء الله تعالى

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************